كيف تذبح دولة.. صناعة الخوف والإرهاب المفيد!

قالوا: "لو كان الاستبداد رجلاً، وأراد أن ينتسب، لقال: أنا الشر، وأبي الظلم، وأمي الإساءة، وأخي الغدر، وأختي المسكنة، وعمي الضر، وخالي الذل، وإبني الفقر، وإبنتي البطالة، ووطني الخراب، وعشيرتي الجهالة". في النظم العسكرية والديكتاتورية دائمًا ما تسبق الأفعال الأقوال، القرارات وقتية فجائية وليدة لحظتها خاضعة لعاطفة الحاكم ورغباته وتتلاقى مع مصالح أتباعه وأهواء مؤيديه، فلا تفكير أو تخطيط حول تحقيق الاستقرار والسلم المجتمعي والرخاء للاستمرارية، بل على العكس يعتمد التخطيط والاستراتيجية الأساسية لتلك الأنظمة على ضرب الاستقرار وتمزيق النسيج المجتمعي ونشر الغلاء وقلة إنفاق الحكومة على حقوق ومتطلبات الشعب ويكون ذلك هو الأساس، ولكن ليتحقق كل هذا لا بد من عدو يتم توجيه اللوم إليه والتحجج بمحاربته والتجهيز وإعداد العدة والعتاد لمجابهته، حتى يكون هناك سبب يظنه الحاكم المستبد والذي دائماً ما يكون مصاباً بالأنا وجنون العظمة كافياً ومقنعاً لشعبه والذي لا يطلع عليه سوى مؤيديه ومريديه وأركان نظامه فقط، فهم شعبه لا غيرهم والبقية يتأرجحون بين خانتي الأعداء المؤكدين والمحتملين.

كوريا الشمالية، على سبيل المثال، نظامها الشيوعي الشمولي اتخذ من الولايات المتحدة الأمريكية العدو الكبير والأوحد له ويسوق للشعب ليلاً ونهاراً أننا بحاجة للتجهز والإنفاق على القدرات العسكرية لمحاربتها ودحرها والتغلب عليها، وهذا ما لن يحدث أبداً فلو حاربها ستنشب حرب عالمية لا تبقي ولا تذر ولن ينتصر بأي حال من الأحوال، والنظام يعلم هذا جيداً ولا يريده، فالمطلوب هو استمرارية العدو وليس مواجهته بالحرب ولا التصالح معه، فلو تم هذا فقد انتفى السبب الذي يتخذه النظام ستاراً لقمع الشعب وسلبه حقوقه ومقدراته والتقتير في الإنفاق عليه بما يستحقه، يجب عليك الصمت والعمل والانصياع للنظام الشمولي الحاكم وإلا أصبحت خائناً عميلاً مارقاً وجب القضاء عليك حتى تكون عبرة لغيرك ولا يحاول الآخرون تقليدك، فتبقى جثتك المعلقة على المشنقة بمثابة العصا التي تسوق الشعب وتخرسه.

صناعة العدو كفيلة بجعل الشعب المقهور يقبل أن تنتقص حقوقه، فالبشر بطبيعتهم لديهم الاستعداد للتضحية إذا شعروا بخطر حقيقي يهدد حياتهم
 

وفي منطقتنا العربية برعت وتفننت أنظمة القمع والاستبداد في خلق الأعداء وصناعتهم للاستمرار في التسلط والحكم المنفرد، وأفضل مثال على هذا ما وقع في مصر بعد الانقلاب العسكري، حيث خلق السيسي عدواً كان محتملاً بتصريحه هو نفسه في 24 يوليو/تموز 2013 بُعَيد انقلابه على الرئيس محمد مرسي ليصبح عدواً مؤكداً، وقد بذل النظام الانقلابي قصارى جهده لإيجاده وتضخيمه، بل القيام بدوره في كثير من الأحيان لو دعت الحاجة لهذا، فلا بد للإرهاب أن يتواجد ويستمر ويتضخم وتزداد دمويته ووحشيته ويرتفع عدد ضحاياه وتتنوع فئاتهم ومكوناتهم الدينية والعرقية وأماكن استهدافهم في أعمالهم ودور عبادتهم، فهذا للنظام بمثابة عصا موسى التي ستبتلع كل مطالب الشعب المصري وتطلعاته، نحن في غمار حرب ضروس فاصمت وإلا فأنت من "أهل الشر" الذين لا يريدون دحر العدو "الإرهاب" فهو العائق الوحيد والسد الذي يحول بيننا وبين الرخاء والخير الوفير الذي يلوح في الأفق، وتصوره أذرع الانقلاب المختلفة على أنه قرب لدرجة تجعل المواطن يشعر بأنه يكاد يراه رأي العين ويلمسه بمخيلته، لكنه كان ويجب أن يبقى كالسراب الذي يحسبه الظمآن ماءً فيظل يركض وراءه متحملاً الصعاب والمتاعب، وهو يُمَنِي النفس ببلوغه للارتواء، وكلما اقترب منه يبتعد لتبقى المسافة كما هي دون تغير، فلا الماء موجود ولا أنت بمدركه وواصل إليه.

دوامة الإرهاب وطوفان الدم والعنف والعنف المضاد واللا منطقي والشرس من النظام هم طرفا معادلة لا بقاء لأحدهما دون الآخر، فلو انتهى الإرهاب أو انحسر فسيسقط النظام الذي سيفقد الحجة وورقة التوت التي يتغطى بها ويأخذها ذريعة للقتل خارج إطار القانون والاعتقال بالشبهة وسوق عشرات الأبرياء لأحبال المشانق، بتهم تبعث على السخرية والقهر في آن واحد، عبر نظام قضائي مسيس وموجه بشقيه المدني والعسكري والتصنيفات المبهمة والقضايا الملفقة وغير الواضحة المعالم، ضد أشخاص أبرياء تم إلقاء القبض على الكثيرين منهم والزج بهم في غياهب المعتقلات قبل وقوع أحداث تلك القضايا من الأصل، وتصوير كل من توجه إليه أصابع الشك قبل الاتهام على أنه عدو الشعب والدولة. بدون الإرهاب لا حاجة للقوانين الاستثنائية والإجراءات القمعية والأحكام العرفية ولسنا بحاجة لعقد الصفقات العسكرية وتكديس ترسانة أسلحة لا داعي لها ولا تستخدم أصلاً في مكافحة الإرهاب، وليس من سبب  مقنع لتبرير الفشل الذريع والمخزي للنظام الانقلابي في شتى المجالات وعلى كافة المستويات، داخلياً وخارجياً، ولو سقط النظام القمعي والديكتاتوري، وعمت أسس الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية وساد القانون، فسيشكل ذلك معاول تهدم أسس بقاء الإرهاب وتنتزع أسباب وجوده وشمساً حارقة تجفف أوراق منابعه وموارده وتحرقها.

الخوف وخلق الأعداء فعلياً ووهمياً، داخلياً وخارجياً هو المخرج الرئيسي بل يكاد يكون الوحيد للأنظمة القمعية للبقاء والاستمرار والتنصل من الواجبات والمسؤوليات تجاه الشعب، بل إنها الحجة لمطالبة الشعب بالمزيد من الخدمات والواجبات تجاه النظام الذي أصبح هو وأركانه الدولة، وطوائف الشعب الباقية تحولت إلى مجرد توابع عليها واجبات وليست لها أي حقوق، الخوف وصناعة العدو كفيلان بجعل الشعب المقهور يقبل أن تنتقص حقوقه السياسية والإنسانية، بل وحتى التخلي عن بعض حاجياته الأساسية، البشر بطبيعتهم لديهم الاستعداد للتضحية بقدر كبير من حريتهم وحاجياتهم إذا شعروا بخطر حقيقي يهدد حياتهم وأمنهم، وهذا يجعل قطاعات كبيرة منهم تتقبل الإجراءات القمعية والدموية من قِبَل السلطة الحاكمة أياً كانت توجهاتها وإجراءاتها، ما دامت تتم بحق وضد قطاع من الشعب غيرهم تم تمييزه وفصله عنهم ووصمه بأشنع وأحط الصفات وإلصاق أبشع التهم به وتسخير كافة منابر وأبواق النظام لتصوير أفراده والمتعاطفين معه كوحوش دموية وأعداء للوطن ومتربصين به، محاولين إسقاطه زوراً وبهتاناً "ما قام به النظام الانقلابي في مصر تجاه جماعة الإخوان المسلمين على سبيل المثال لا الحصر".

يبدو أن الأنظمة قد اتفقت على أن الأمور لا يمكن أن تسير على ما يرام إلا إذا شعرت الشعوب بالخوف. إنها صناعة الخوف هي الامتداد الطبيعي والمنطقي لقاعدة ميكافيلي
 

قد يعتقد البعض أن هذه الاستراتيجية خاصة بنظام بعينه أو منطقة دون غيرها وهذا غير صحيح، فقد سبق استخدامها على مر التاريخ، كحريق الرايخستاج الشهير في 27 فبراير/شباط 1933 والقبض على شيوعي هولندي ثم استصدار هتلر لقانون طارئ من الرئيس الألماني هندنبيرغ وإعلان الحرب على الشيوعية، وكان ستالين يلقب خصومه دوماً بـ"أعداء الشعب"، وحتى أمريكا نفسها هناك قانون الباتريوت الأمريكي المشبوه الذي سلب الأمريكيين حرياتهم الشخصية قد تم تمريره عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر وتحديداً في 26 أكتوبر/تشرين الأول2001، وقانون اللجان العسكرية في 2006 يعطي الإدارة الأمريكية حق اتهام وإطلاق لقب "مقاتل عدو" على أي من مواطنيها، وكذلك يلتسين الذي تزامن قصف القوات الموالية له للبرلمان الروسي بالدبابات في 3 أكتوبر/تشرين أول 1993 مع تمرير القرارات الاقتصادية التي أفقرت الشعب الروسي وأدت إلى إفلاسه، وكانت الحجة صراعه للحفاظ على الدولة من أعدائها الذين تحصنوا بمبنى البرلمان واستصدروا قرار عزله وكان على رأسهم رئيس البرلمان نفسه روسلان حسبولاتوف، الذي كان ينادي ويدعو للإصلاح الاقتصادي، ونظام بينوشيه وموسوليني وفي نيكاراجوا والأرجنتين سيناريوهات شبيهة وما يحدث حالياً ومنذ سنوات في سوريا وغيرها من بلدان المنطقة بدرجات متفاوتة.

الخلاصة: تهم الخيانة، العمالة، التجسس، التخابر، الإرهاب يجب أن تستمر في ملاحقة جميع المعارضين الوطنيين بدءاً من السياسيين مروراً بالصحفيين والحقوقيين والخبراء الاقتصاديين وصولاً إلى الناشطين على الأرض ومواقع التواصل الاجتماعي، وفي الداخل والخارج وكل شخصية مؤثرة يخشى منها النظام على نفسه، ولا بد من تواجد الإرهاب واستمراريته وارتفاع وتيرته حسب الطلب وبيد النظام نفسه في كثير من الأحيان ليتمكن من إسكات الشعب عبر الخوف والتهديد والحصول على مباركته وتأييده في قمع وتصفية المخالفين له بشتى الطرق والوسائل، ويبدو أن الأنظمة الديمقراطية والديكتاتورية قد اتفقت أو تواطأت على أن الأمور لا يمكن أن تسير على ما يرام إلا إذا شعرت الشعوب بالخوف والتهديد دائمًا. إنها صناعة الخوف والعدو والإرهاب المفيد وهي الامتداد الطبيعي والمنطقي لقاعدة "ميكافيلي: "من الأفضل أن يهابك الناس على أن يحبونك"، ومبدئه الأشهر "الغاية تبرر الوسيلة".



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

قالت منظمة "إفدي" الدولية لحقوق الإنسان إن إعدام 15 مصريا عقب محاكمتهم عسكريا بتهمة الإرهاب عملية تصفية وجريمة بحكم كل القوانين الدولية. واعتبرت المنظمة أنه لا توجد أدلة تدين المتهمين.

نفذت الداخلية المصرية فجر اليوم الثلاثاء حكم الإعدام شنقا بحق 15 مدانا في قضايا إرهاب مرتبطة بشمال سيناء شمال شرقي البلاد.

أدان الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين ما سماها الحملة الظالمة التي تشنها السعودية والإمارات والبحرين ومصر عليه، ورفض وصمه بالإرهاب، وصرح الاتحاد بأنه سيسعى لحماية سمعته ومقاضاة الدول التي اتهمته.

الأكثر قراءة