ابن المعلمة

لا أتذكر من مدرستي الأولى، التي قضيت فيها بضعة شهور، سوى مشهد واحد كان قبل قرابة أربعة وعشرين عاما وهو مشهد الاصطفاف الصباحي، حيث كنا نتجمع ونصطف في طوابير كل يوم في الساعة الثامنة صباحا، وكل صف دراسي يقف في تجمع خاص وأمامه مرشد الصف، وهو معلم يهتم بشؤون الطلبة داخل صفه.

 

كان الجو باردا جدا ونحن نقف بالاستعداد خوفا من المعلمين ومن مدير المدرسة الذي كان أكبر كوابيس الأطفال في مدرستي، ومن ضمن شروط وطقوس الاصطفاف الصباحي ترديد بعض الشعارات بشكل جماعي والقيام بحركات خاصة بالجيش كالاستعداد والاستراحة، إضافة إلى فقرة أخرى تعد هي الأسوأ حيث يتم خلالها تلاوة أسماء الطلبة الغائبين في اليوم الماضي، ويتم عرضهم أمام جميع طلاب المدرسة ويأتي "أستاذ إبراهيم" مدير المدرسة حاملا بيده أنبوبا بلاستيكيا غليظا أسود اللون نسميه في العراق "صوندة".

 

لن أنسى أول مشهد تعذيب للطلبة رأيته في حياتي وكان حينها عمري ستة أعوام، حيث قال المدير لأحد الطلبة الغائبين لماذا غبت يوم أمس؟ فأجابه الطالب: "توفت جدتي وكنت في مجلس العزاء" ثم رد عليه المدير: "وأنت تطبخ تنفخ"؟ وبدأ بضربه على قدميه وظهره والطالب يقفز من لوعته ويبكي ولا يمكنه الهرب لأن العقوبة ستكون أقسى عليه، والتعذيب لم يكن في هذه المدرسة فقط حيث كانت مدرستي الابتدائية الأخرى التي كان إطارها التدريسي والإداري كله من النساء ولم تكن المديرة أقل خطورة من الذي سبقها، لكنها كانت تعذب بطريقتها وطقوسها الخاصة في غرفة الإدارة.

 

المعلم الذي يخاف منه الأطفال ويهربون إذا رأوه في الشارع لا يعد ذلك احتراما مطلقا له، هم يخافونه ويكرهونه مثل أي وحش يرونه في أفلام الرسوم المتحركة
 

أما معظم المعلمات فكانت كل واحدة منهن لها طريقتها في التعذيب، حيث تملك كل معلمة عصا سميكة مربعة الزوايا وبعضهن يكتبن أسماءهن على العصي حتى لا تختلط مع الأخريات، مسك الأذن والضرب على الوجه والظهر باليد كان يؤذيهن، لا سيما وأن أغلبهن غير متزوجات، فخيار العصا كان الأمثل بالنسبة لهن، ولكل واحدة طريقتها في الضرب على يد الطالب وأحيانا أقدامه وظهره ومهما بكى أو توسل لن ينفعه ذلك، فالجلاد ينفذ أحكامه تحت أي ظرف كان وعلينا الالتزام بالأوامر.

 

وكنا نفرح فرحا شديدا بعد انتهاء الدوام وأكبر من ذلك بكثير إذا جاءت العطلة، المدرسة بالنسبة لي ولكل أصدقائي كانت عقدة كبيرة ولم يكن أحد منا يحبها، فموضوع الحب هذا شعور متبادل بيننا وبين المدرسة وما هو موجود فيها، نحن نؤدي فروضنا والمعلمات يؤدين واجبهن ويخفن الطلاب، وعلى هذه الشاكلة تأسس الجيل الذي نشأ وسط الحروب والحصار والأزمات، جيل يخاف الضرب والصراخ والتعذيب، جيل لا يحب القراءة والكتابة والتعلم، جيل كل همه الخلاص من المدرسة والوحوش داخلها، جيل لا يفكر، فقط ينفذ ما هو مكتوب بمناهج تعليمية أكل عليها الزمان وشرب، والكارثة هذه تتناقلها الأجيال كمنهج تعليمي وأسلوب تدريسي.

 

في العراق يقال إن فلان كأنه ابن معلمة، وهذا المثل يقال على من لا يبذل جهدا في العمل ولا تتم محاسبته أو معاملته كالآخرين

بمجرد أن تفتح هذا الموضوع بين الأصدقاء من نفس جيلك تسمع قصصا مؤلمة وبعضها مُخزٍ بحق العلم والتعليم، المعلم الذي يخاف منه الأطفال ويهربون إذا رأوه في الشارع لا يعد ذلك احتراما مطلقا له، هم يخافونه ويكرهونه مثل أي وحش يرونه في أفلام الرسوم المتحركة، وهذا الهاجس والشعور يكبر معهم كلما نما بدنهم وعرفوا أن الحياة لها شكل مختلف وأن العقل لا يستقبل العلم بالترهيب، وأن حب الشيء يجعلك تعمل وتجتهد لتكون أكثر إبداعا فيه، لا سيما وأن المدرسة لم تكن توفر لنا ما كان يجب أن توفره من أجواء للتعلم، فلا أجهزة تبريد أو تدفئة ولا مياه صالحة للشرب ولا طواقم تدريسية تقدر معنى تعاملها مع الأطفال ولا حتى أي تقدير للظروف المعيشية أو النفسية التي يمر بها البلد.

 

في أيام الحصار كنا نرى التفاح والموز وأشياء كثيرة في كتب الرياضيات للحساب فقط، أي أننا كنا نحسب ونحن خارج تلك الحسابات ذهنيا، وهذا دليل على أن القائمين على العملية التربوية لم يراعوا الظروف المعيشية للأطفال الصغار الذين لم يكن باستطاعة أهلهم توفير ما يراه صغارهم في الكتب، إضافة إلى أن الطلبة الصغار لم يكن لديهم من يشكون له قسوة ما يحدث، حيث إن تفاوت نسب الذكاء والاستيعاب كانت تضع بعض الطلبة تحت طائلة الحساب، لكونهم ارتكبوا ذنب التقصير في الواجب.

 

وفي الوقت ذاته لا تكلف المدرسة نفسها بالسؤال عن صحة الطالب وأوضاعه في البيت، خصوصا وأن العائلات كانت تعيش تحت ضغوطات نفسية كبيرة مع تفاقم سوء الأوضاع الاقتصادية في ظل الحصار الشامل المفروض على البلاد، ووسط كل تلك المعاناة يريدون النهوض بالجيل وتنمية العقول والتقدم لمجاراة الدول الأخرى!

لا يختلف المعلم المتنمر على طلبته عن أي شخص آخر يسيء استخدام السلطة التي أُوكلت إليه فالعلم يحقن وسط العقل والروح لخدمة الجسد والنفس لا للإضرار بهما
 

عندنا مثل في العراق يقال فيه "فلان كأنه ابن معلمة"، وهذا المثل يقال على من لا يبذل جهدا في العمل ولا تتم محاسبته أو معاملته كالآخرين، وهذا المثل لم يأت من فراغ، حيث إن ابن المعلمة شخصية حقيقية موجودة في كل المدارس وعادة يتم اختياره قدوة لصفه ومراقبا للصف، وبالنتيجة يحصل على أعلى العلامات، كما أنه يحق له الغياب والذهاب بالسفرات المدرسية مجانا ويتقدم فرقة الكشافة لرفع العلم صباح كل يوم خميس.

 

ابن المعلمة هذا عقدة في حد ذاته للطلبة لأنه ولد بامتيازات كبيرة، وإن تشاجر مع أحدهم فله الحق في الضرب دون أن يتم لمسه لأن الرد عليه سيكون كالرد على المعلمة نفسها، وهذا يضع الطالب المسكين أمام مطرقة الطفل المدلل وسندان أمه المعلمة، أي أن حربا مثل هذه خاسرة لا محالة، والملفت للنظر أن هؤلاء القساة الصارمين لا يقبلون بتعنيف أبنائهم لكنهم يمارسون ذلك على أبناء غيرهم، لذا كان لا بد من أن نثور عليهم، لكننا كنا أطفالا صغارا لا نعي شيئا وهم استغلوا ضعفنا وقلة حيلتنا وبحكم تسلطهم علينا دمروا كل شيء، فلا فسيلة أو شجرة دون نواة صحيحة وصالحة وهم فشلوا بخلق هذه النواة، وتحية لأؤلئك القلائل الذين سعوا جاهدين لتغيير الواقع لكن الموج كان أعلى منهم.

لا يختلف المعلم المتنمر على طلبته عن أي شخص آخر يسيء استخدام السلطة التي أُوكلت إليه فالعلم يحقن وسط العقل والروح لخدمة الجسد والنفس لا للإضرار بهما، فقد تكون طباخا ماهرا أو تاجرا شاطرا أو فنانا مجتهدا أو رياضيا مثابرا فتمتهن ما تجد نفسك فيه، لكن لا تؤذ نفسك والأطفال معك بتعليم فاشل وتربية سيئة تمثل مزاجك المتعكر من المهنة والعجز الواضح بطريقة إيصال الفكرة وإقناع الصغار بها، جاء العلم للارتقاء بالشعوب والأمم نحو سموه وليس العكس لأجل مرتب آخر الشهر، والسلام.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة