رقصة السيف.. على أنغام الدولارات

blogs - TRUMP
من المعروف أن من يدفع ضريبة تمرد الحكام هم الشعوب، وتكلفة صبيانية الراعي تتحملها الرعية عادة، ولذلك لم يقفز لذهني شيء من قبيل الصدمة أو الاستغراب وأنا أقرأ بحماسة كتاب "نار وغضب داخل بيت ترمب الأبيض" غير بعض القهر الداخلي الذي أصابني وأنا أحصي ما أغدقته المملكة العربية السعودية على زيارة ترمب وعائلته في تلك الليلة البذخة التي سميت بليلة رقصة السيف. و لم يزدني ما ورد في أسطر الكتاب المذكور غير قناعة وإقرار بأن القدر حتم علينا أن نكون شاهدين على زمن التغابي السياسي وصبيانية الحكام المفرطة التي تتحمل تبعاتها الشعوب المغلوب على أمرها.
قد لا تغيظ مشاركة ترمب في أداء رقصة السيف التي يرتبط مفهومها أساسا بالوطنية بقدر ما يغيظ تخيل النشوة التي كان عليها وهو مكرم إكراما وحفاوة لا يستحقها. كما يغيظ بدرجة أولى تذكر الأربعمائة وستين مليون دولار التي صبت في جيبه بعد انتهاء الزيارة، في وقت يعاني فيه اليمن المجاعة والكوليرا وسوريا التشريد والشتات و يتعرض فيه مسلمو بورما إلى أبشع أنواع الاضطهاد والتنكيل.

كتاب وولف الذي أزاح الستار نسبيا على عدة أشياء قد لا تكون جديدة بل الميزة التي يمكن أن تحسب للكاتب هي أنه ربط الأحداث والتصريحات بسياق تسلسلي يفتح أعين العامة على شيء أقرب إلى التأكيد منه إلى التشكيك، وهو أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب شخصية غريبة الأطوار بامتياز. كما يفتح أعيننا ربما على بعض الأسطر التي تهمنا كعرب أو ربما تقهرنا بالأحرى بعيدا عن سفسطات جانبية أخرى أدرجها وولف لا تهمنا ولا تعنينا، فما همنا مثلا وترمب يرقد بعيدا عن زوجته ميلانيا حين تنطفئ أضواء المقابلات الرسمية … بقدر ما يهمنا ونحن نقرأ عن أولئك الذين يقودون تواطؤا عربيا ضد القدس إضافة إلى ذلك الأرقام التي ذكرت كم الدولارات التي صرفت على زيارة رئيس كدونالد ترمب رئيس برع وأسلافه في بث الفتن بين دولنا العربية.

في حين أنه وإن أحصينا ونظرنا إلى واقعنا المشؤوم لنجدن ملايين الشباب العربي جلهم من أصحاب الشهادات العليا مازال حلمه محدودا في وظيفة يسد بها احتياجات هله و..

ما يثير القهر أيضا ويشعرك لوهلة بالبكاء هو مجازاة ترمب للعرب وللشرق الأوسط بعد ظفره بملايين الدولارات، في حين أنها لو صرفت على االشعب اليمني المنكوب لما خسرنا نصفه بوباء الكوليرا ولما سمعنا أكثر عن المجاعات والمجازر في أرجاء سوريا. ربما لو صرفت الممملكة العربية السعودية نصف أو لنقل ربع المبلغ الذي صرفته على ترمب وشقراوتيه ربما لانتهت معاناة البعض من مسلمي البورما وغيرهم من الأقليات المسلمة المضطهدة في شتى أنحاء العالم، تساءلت عن هذه الأقليات المسلمة الضعيفة في حين يحسب فيه البعض ويروج بأن المملكة العربية السعودية هي من تقود العالم الإسلامي وتمثل المسلمين على الخارطة.

تساءلت بحيرة وحسرة ماذا لو خير حكام السعودية بدل صب ملايين الدولارات ببذخ على رأس ترمب وهو يرقص بالسيف أن تخصصها لقافلات إنسانية للاجئين العرب والمسلمين في كل بقاع الأرض …ماذا لو سددت بها ديون بعض الدول العربية التي مازالت في القرن الحادي والعشرين تعاني الارتهان الاقتصادي لدول الغرب…ماذا لو وضعت هذه الأموال في خزينة الشعوب التي تقاسي في سبيل لقمة العيش بدلا من أن يعود لها ترمب ينادي ويحتفي بشعبه: "وظائف وظائف.. وظائف……" في حين أنه وإن أحصينا ونظرنا إلى واقعنا المشؤوم لنجدن ملايين الشباب العربي جلهم من أصحاب الشهادات العليا مازال حلمه محدودا في وظيفة يسد بها احتياجات أهله وذويه.

سرحت في حلمي الوردي هذا وأنا أتخيل يوما يتكانف فيه العرب والمسلمون لتنتهي معاناة إخواننا بمضايا وحلب و الغوطة وتسكت أوجاع إثيوبيا واليمن وبورما إلى غير ذلك من أشكال المعاناة والخراب الذي يهدد الإنسانية بسبب لعبة السياسة المشينة. لكنني للأسف تذكرت في الأخير أن السعودية صحيح تغدق المليارات من الدولارات في اليمن في وقود الطائرات الحربية تدفع لكن في سبيل مزيد من التشريد ونشر الدمار وليس العكس.