حقيقة المجتمع!

Blogs_crowd

يعتبر الشباب البنية الأساسية والمادة الخام لبناء المجتمعات، وبعيدا عن معنى الفئة العمرية، هو الفتاء والحداثة والطاقة الوحيدة، التي إذا استغلت ستكون وقودا لمحرك النهضة، وإذا تركت سنتعرف على معنى جديد لرجعية العالم الحديث، وهذا الذي سيعيدنا للوراء، لذلك وجب أن نتحدث بروية عن مراحل نضج الشباب داخل المجتمع، ما الذي تلقنه؟ وما هو المطلوب منه؟ وجب أن نفهم معنى المرجعية، ووجب أن نحدد من يحددها، وهل مشكلتنا تكمن فيمن حددها سابقا؟ هل نحن ندرك نقائصنا حقا؟ وإذا كنا ندركها، لماذا لا تزال قائمة ولم نعترف إلى حد الآن بحاجتنا للنهضة؟ من يحدد المرجعيات؟ ومن يبعث ببوادر النهضة؟

سؤال يعد أكثر تركيبا وديناميكية إذا ما قارناه بالأسئلة السابقة، والتي تصب جميعها في ماهية المجتمع الحقيقية، لأنه يعد المفتاح الأول لتحديد تركيبته، وعلى هذا الأساس، لا يمكننا أن نسقط مفاهيم قديمة على مجتمعات حديثة، لأن المرجعية تختلف وضمنيا يختلف معها صانع القرار من فرد إلى مجموعة ومن جمهور إلى سلطة، وهنا سنفتح باب اللوم على المتسبب الرئيسي في الوضع الحالي، هل أي شخص باستطاعته تحديد المرجعية؟

إذا كان الجواب بنعم، فسيكون لأي شخص اطلاع واسع، ورؤية واضحة وتحليل دقيق، وهذا منطقيا غير صحيح، لذلك فستتراوح الإجابات بين الفرد المثقف وبين مؤسسات الدولة، حيث علينا دائما أن ننسب كل الدواخل الجديدة على المجتمع إلى المرجعية الأساسية التي جعلته يتقبل الجديد، هذا في ظل تجاهلنا الكبير لحقيقة هذه المرجعية، إذ توجب علينا اليوم طرح هذا الإشكال قبل طرح مشكلة عصر الرداءة والانحطاط والبحث عن حلول لها. لكل نتيجة سبب وكل سبب له نشأة، وقبله أسلوب تفكير.

علينا الاعتراف بأن خيارات الأنثى في الجزء العميق من الوطن لا تزال محدودة، لا تزال حرية التعبير مفقودة، والأهم من كل ذلك لا نزال ننافق ونقول في أنفسنا نحن بخير!
علينا الاعتراف بأن خيارات الأنثى في الجزء العميق من الوطن لا تزال محدودة، لا تزال حرية التعبير مفقودة، والأهم من كل ذلك لا نزال ننافق ونقول في أنفسنا نحن بخير!
 

كلنا يعلم بأن الأستاذ هو مرجع في العلم، والطبيب هو مرجع في الطب، لذلك يمكننا أن نطلق حكمنا المبدئي بأن المثقف هو مرجع قضيتنا، وهنا تنبثق نافذة جديدة في الطرح مفادها: من الذي يحدد المثقف؟ هل هو الجمهور أم السلطة؟ أم علينا أن نحدد أكثر ونقول هي مزيج المثقفين من الجمهور والسلطة، والذين حددوه على أساس العلم والمعرفة، الذي سبق وحددهم آخرون على أساسه، وعلى ضوء هذا يمكننا أن نخرج بنتيجة، وهي أن المرجعية يحددها مجموعة من المثقفين المختصين في مجالات متعددة، على أساساها يقاس مدى انحراف المجتمع.

وفي ذات الصدد، يتضح للمهتم بهذه التراكمات، أنه لكل مرجعية مجال زمني، مسار ونقاط انعطاف، ولا يمكن أن نزيف هذا المسار، والعالم منفتح على مجموع نقاط الانعطاف التي حدثت في مراحل زمنية معينة، ومن ثم علينا اليوم ألا نحاول إخفاء الحقيقة وهي ظاهرة، كما يجب أن نعترف بأن مجتمعنا الجديد -المجتمع الجزائري- صدمته نقاط انعطاف عنيفة، على مدار عقد ونصف من الضياع، وسط حيز مفتعل من قرارات استحوذت الكمال، وشجعت على الرداءة في كل المجالات. 

إن نقاط الانعطاف هي التي تحدد بداية مجالا زمنيا جديدا للرجعية، وتحدد ظهور مثقفين جدد وتلاشي من كنا نحسبهم في السابق مثقفين، جيلنا الجديد فتح عينيه على ركب من التغيرات التي شهدها المجتمع الجزائري، جاهلين بذلك الأسباب ومنطق التغير الذي نشهد ملامحه دون أن نعي جوهره ورهاناته، وفي هذا الوقت بالتحديد كان علينا أن نحدد مثقفينا، ولأن بوادر الإصلاح كانت شبه غائبة، لم نستطع أن نحددها، وبعبارة أدق، حكمنا بأن مثقفينا مجهولون، إذ ليس من المنطقي أن لا تحاول مخاطبة عقول فتية، لتبرر لها مرحلة الدمار والعنف التي عايشتها، سواء عن طريق الكتاب المدرسي أو برامج الأطفال، في مرحلة ما كانت كل البلاد تحتاج لطبيب نفسي يعالج جروحها الباطنة، وما حدث كان بشعا، إذا لم نجد حتى طبيبا يعالج جروحها الظاهرة، لذلك التأمت الجروح لوحدها بدون أن تشفى، وتولد لدينا فكر جديد يقول بأن لا شخص فينا معني.

يجب أن نؤمن بأننا واحد، وكل واحد فينا يحمل مجتمعا متكاملا بداخله، وإن أردنا أن نبعث بوادر النهضة، فعلينا أول شيء أن نعرف من هم مثقفونا الحقيقيون.
يجب أن نؤمن بأننا واحد، وكل واحد فينا يحمل مجتمعا متكاملا بداخله، وإن أردنا أن نبعث بوادر النهضة، فعلينا أول شيء أن نعرف من هم مثقفونا الحقيقيون.
 

إن أردنا القيام اليوم، علينا بترك اللغة الخشبية، والاعتراف بأنه لا تزال هنالك صراعات قائمة، سواء في المنزل الواحد، أو في الحي الواحد، أو في الولاية الواحدة، علينا الاعتراف بأن صراعات المظاهر لا تزال قائمة إلى اليوم، وأن خيارات الأنثى في الجزء العميق من الوطن لا تزال محدودة، لا تزال حرية التعبير مفقودة، والأهم من كل ذلك لا نزال ننافق ونقول في أنفسنا نحن بخير.

سنتكلم عن الانبعاث من جديد، عندما نستطيع التكلم عن المرجعية مثل المجتمعات المتقدمة، والتي وصلت إلى مرحلة كبيرة من النضج، فقط لأنها اخترقت "الطابوهات"، وخاضت غمار المساءلة والتحليل والنقد، ومحاولة كسب رهان مفاده تحقيق مشروع مجتمعي، والوصول للحقيقة المجتمعية لتحقيق الرقي والتقدم، علينا أن نصارح أنفسنا بأننا مجتمع يخاف من السؤال، وبالمقابل يريد حلولا جاهزة، وبالنسبة لي هذا أهم سبب جعلنا نتبع الغير، ونقلد ثقافتهم بدون المراعاة لجوانبها ومخلفاتها التي في غالب الأحيان لن تتناسب معنا وطبيعة تكويننا ونضجنا.

وعلى مبنى هذا الطرح، يعد التساؤل والبحث عن المرجعية مشروعا وأكيدا في هذا الزمن بالتحديد الذي غلبت عليه الرداءة، فنحن بحاجة إلى طرق جديدة لبعث النهضة، المعتمدة في الأساس على حقيقة المرجعية التي لن تكون إلا بشباب هذا المجتمع الذي لم يبن له أحد سلم النجاح ولن يفعل ذلك، علينا أن نكسر النظرة النمطية لكل الدول العربية بأن الشباب لا يساوي شيئا بدون مجتمع الشيوخ، ونفرض قانونا جديا وهو أنهم هم الذين لا يساوون شيئا بدوننا، وعلينا أن نؤمن بأن ثورة العقول هي الأساس في كل شيء، لا سيما وأن الإيمان بقدراتنا وإمكانياتنا هو أساس بناء مجتمع آخر مبدع لا ينشغل بالرداءة، لأنه إن كان هناك تميز ودعم له، فالرداءة لوحدها ستتلاشى.

فقط لنؤمن بأننا واحد، وكل واحد فينا يحمل مجتمعا متكاملا بداخله، وإن أردنا أن نبعث بوادر النهضة، فعلينا أول شيء أن نعرف من هم مثقفونا الحقيقيون، ونضع الرجل المناسب في المكان المناسب، ووجب علينا كشباب المشاركة في صنع القرار الذي يخصنا في الأخير، نحن الوحيدون الذين نقرر ما إن كنا سنبني مجتمعا أو سندمره. القرار ليس حكرا على أحد، القرار يعود لنا جميعا.