شعار قسم مدونات

عندما ينحت الإنسان ذاته

BLOGS وشم

يحمل مطرقة وإزميلا، وينهمك جاهدا بكل قواه في نحت ذاته، فيباشر تحرير بدنه من صخرة تحتويه، بينما يجسد بنفسه تفاصيله الدقيقة على شاكلة مرغوبة استولت على ذهنه. لا حاجة للارتحال إلى مواقع عرض تماثيل كهذه أو إلى شراء نسخ تجارية مقلدة منها عبر الشبكة، فهي تتجسّد في الواقع البشري بصفة متزايدة، ولا مجازفة في افتراض أنها تتمثل فينا نحن أيضا، بدرجة أو بأخرى، في الهيئة أو التصرّف.

 

إنها تماثيل "نحت الذات"، وتُسمى أحيانا "الرجل المصنوع ذاتيا" أو Self Made Man تبعا لمصطلح أمريكي المنشأ يعود إلى القرن التاسع عشر يشير إلى من نجحوا من الصفر دون دعم الآخرين. وقد جسّد بعض النحاتين الحالةَ في أعمال مُلهِمة، ومنها عمل برونزي للنحاتة بوبي كارليل Bobbie Carlyle في ولاية كولورادو الأمريكية، من شأنها أن تفتح الأذهان لفحص منحى نحت الذات وتصميمها بأساليب الافتعال المتعددة.

 

تتزاحم الأقوام عند أبواب عيادات التجميل ليعيدوا إنتاج قوالبهم الذاتية، ويرضخون طوعا لمبضع الجرّاح طمعا في تسوية الزوائد أو إحداثها، بعد انصياعهم لسطوة الصور النموذجية على أذهانهم

واقع الحال الذي لا تخطئه العين أنّ منحى تصميم الإنسان وإعادة إنتاجه يتعاظم باطراد، ومعه فنون التحكم المتطرفة وإعادة صياغة الهيئة والسلوك حسب قوالب نموذجية. فقد تفاقمت لدى إنسان الحاضر ثقافة التحكم بالذات وإعادة إنتاجها، حتى تطورت صناعات وخدمات وأدوار وتأثيرات مكرّسة لهذا المنحى.

 

موسم عيادات التحوير

‏يحظى التلاعب بألوان البشرة والعيون وأصباغ الشعر بصعود مطّرد في سبيل بلوغ النموذج الذي يبدو في الأذهان مثاليا. يكشف رواج الجراحات التجميلية والتحويرات الشكلية عن اندفاع جارف لبلوغ الإنسان النموذج، أو لمحاكاة المثال البصري المُهيمن على الوعي الجمعي.

 

تتزاحم الأقوام عند أبواب عيادات التجميل ليعيدوا إنتاج قوالبهم الذاتية، وليرضخوا طوعا لمبضع الجرّاح طمعاً في تسوية الزوائد أو إحداثها، بعد انصياعهم لسطوة الصور النموذجية على أذهانهم، وهو ما يسري على أكثر من 23 مليون شخص في العالم سنويا (مؤشرات 2016) يبذلون في سبيل ذلك عشرات المليارات من الدولارات.

 

ثمة تضليل كامن في وضع كل ما يجري من تلاعبات شكلية تحت مصطلح فضفاض هو "الجراحات التجميلية"، فالإقبال الكثيف يجري في الواقع على الشيء ونقيضه، تبعا لمفهوم ذاتي ساذج عن الجمال والقياسات المرغوبة أساسا. وإن عرفت مجتمعات البشر عبر العصور تحولات تعاقبت على مفهومها للجمال؛ فإنّ تحوّلات الحاضر تتسارع أكثر من أي وقت مضى، وتفرض مواصفاتِها نخبة ساطعة من مشاهير الغناء والتمثيل والرياضة بأذواقهم التي تفترش الشاشات والشبكات، وبسطوتهم الطاغية على أذهان البشر. فلا عجب، إذن، أن تباشر المجتمعات اللحاق بتغييرات يجريها هؤلاء المشاهير على هيئاتهم، طبقا لـ"سلوك القطيع" المعروف في الدراسات الاجتماعية.

 

يسعى البشر إلى الانفلات من مواصفاتهم الأصلية طمعا في الدوران حول نموذج يرونه مثاليا. ليس مفاجئا، بالتالي، أن تكتظّ عيادات التحوير الشكلي في بلدان وسط آسيا بفتيات قانطات من إطالة النظر في المرآة ويسعَيْن إلى طمس الملامح الآسيوية البادية على وجوههن ليظهرن أقرب إلى الأوروبيات، بينما تحرص فتيات إفريقيات على إجراء عمليات لتدقيق الأنف العريض أسوة بالنموذج الغربي المعولم، وتميل مزيد من الشابات الإيرانيات إلى اختزال طول الأنف تماشيا مع النموذج ذاته.

 

يمتدّ التلاعب بمجتمعات الحاضر لحدّ التأرجح المُفتَعل بين الذكورة والأنوثة بدرجات متعددة من التطييف الجنسي، تتمظهر بالسلوك ومنحى التصرّف وطرائق اللباس، وتبلغ مداها بالإقدام على تحويل الجنس
يمتدّ التلاعب بمجتمعات الحاضر لحدّ التأرجح المُفتَعل بين الذكورة والأنوثة بدرجات متعددة من التطييف الجنسي، تتمظهر بالسلوك ومنحى التصرّف وطرائق اللباس، وتبلغ مداها بالإقدام على تحويل الجنس
 

وإن تراجَع منسوب الشعر الأشقر في أوروبا لأسباب وراثية فإنه يتفشى بوضوح في العالم العربي لأسباب ثقافية – نفسية، والنتيجة التي لا تخطئها العين أنهن لسنَ شقراواتٍ تماما؛ بل يحاوِلن انتحال الصفة كل على طريقتها. تكمُن ضمن هذا التلفيق الشكلي نزعة جامحة للفكاك من الذات، تنتحل نموذجا نمطيا يقع تقديمه بصفة مرغوبة؛ إلى درجة يطغى معها اللون الأشقر والسحنة البيضاء على مشهد المغنيات والممثلات العربيات اللواتي يفترشن الشاشات، بما لا يتناسب مع ألوان الواقع المجتمعي العربي ذاته.

 

يمتدّ التلاعب في مجتمعات الحاضر إلى حد التأرجح المُفتَعل بين الذكورة والأنوثة بدرجات متعددة من التطييف الجنسي، تتمظهر في السلوك ومنحى التصرّف وطرائق اللباس، وتبلغ مداها بالإقدام على تحويل الجنس عن أصله والسعي إلى اكتساب هوية جديدة تنقلب من الذكورة إلى الأنوثة أو العكس؛ مع بروز وجوه وأسماء جماهيرية معبرة عن كل طيف من هذه التحولات.

 

تُذكي هذه النزعات مقولات تبريرية عن الحرية الشخصية وحق التصرّف بالذات، وتعززها ثقافة جماهيرية تطفح بنماذج رخوة وقدوات معينة تبدو مادة مفضلة للمتابعة الجماهيرية وإثارة الجدل العام الذي يختطف الأضواء إليها. تأتي "الثقافة الجندرية" في هذا السياق لتمنح غطاء فلسفيا ومجتمعيا وحقوقيا لهذا المنحى من التأرجح، بالقول في بعض تأويلاتها إنّ المجتمعات هي التي أسقطت صفة الذكورة والأنوثة على أفرادها، وأنها صفات ليست نابعة من ذاتها ابتداء، والنتيجة هي نسبية الصفة وسيولة الموصوف.

الجسد كمساحة دعائية
  
حمّى الوشم المتفشية على مساحات الجلد بكتابات ونقوش ورموز  (رويترز)
حمّى الوشم المتفشية على مساحات الجلد بكتابات ونقوش ورموز  (رويترز)

يشهد الزمن الجديد تطرّفا في تحويل الجسد إلى مسطّح دعائي بذرائع التجميل أو مسوغات التفرّد الشخصي أو دواعي الالتحاق بالصيحات الشكلية المتجددة، كما يتجلى في حمّى الوشم المتفشية على مساحات الجلد بكتابات ونقوش ورموز. ولا ينفصم هذا المنحى عن ‏صعود النزعة الفردية التي تغوي بتحويل "المسطّح الذاتي" إلى علامة ترويجية بخصوصيات تمتاز بها، حتى صعدت مفاهيم مثل "توسيم الذات"  Self Branding  و"التوسيم المتطرف للذات".

 

إنه ليس الوشم التقليدي الذي عرفته مجتمعات عدة عبر التاريخ؛ فهو يأتي في تمظهره الجديد في هيئة استهلاكية مُعَولَمة تتجاوز الخصوصيات الثقافية والبيئية المحلية، وتنبثق أساسا عن مفهوم التحكم الفردي بالذات وحق التصرّف بالجسد دون قيود، بما يتلازم، مثلا، مع نزعة ثقب مواضع شتى من الجلد ولو كانت حساسة؛ لتثبيت حلقات معدنية فيه. فما عاد الأمر مقتصرا على تعليق الحَلَق التقليدي في شحمة الأذن أو تثبيت قطعة المجوهرات في فتحة الأنف وفق ما عرفته ثقافات عدة؛ بل مضت الحالة إلى إخضاع أي من زوائد الجسد للثقب وتثبيت حلقات معدنية فيها، حسب اختيارات ذاتية مستقلة عمّا تقرره الثقافات التقليدية في هذا الشأن.

 

ما يظهر للعيان من حالات التحوير هذه وسواها هو قمة جبل الجليد لا أكثر، لأنّ النزوع الجارف إلى "نحت الذات" لا ينتقل إلى مستوى التطبيق العملي إلاّ لدى بعض الذين يستولي على أذهانهم ووجدانهم، ومن المرجّح أنّ قطاعات أوسع تعيش تحت وطأة النموذج المثالي الذي لا تستشعر أنها مشمولة به، بما يُورِثها إحساسا بالاستبعاد الاجتماعي والعجز عن الانخراط في النسَق.

 

يتجلى الشعور بالإقصاء والهامشية إن عجزت فتاة عن إيجاد ما يلائمها من المقاسات في متاجر الملابس الكبرى متعددة الجنسية، التي تفرض خياراتها على المجتمعات بالتواطؤ مع مصممي الأزياء، فتضطر المغلوبة على أمرها إلى الانزواء بحثا عن ذاتها في متاجر "المقاسات الخاصة" المحسوبة على الهامش المجتمعي، أو أن ترضخ أخيرا لتعليمات اختزال الجسم بأساليب من الحمية المتطرفة أحيانا، على نحو قد تدفع ثمنه من صحتها البدنية والنفسية. وما كان لهذا كله أن يتفاقم لولا ثقافة الاستعراض الاستهلاكي للجسد، وسطوة الصناعة الإعلانية على الوعي، ومضامين الشاشات التي تتولى تثبيت نماذج قياسية للحالات "السوية" في المقاييس ومواصفات الجَمال المزعومة بكل تحيّزاتها البيئية والثقافية.

 

تصميم الإنسان قبل مولده
يفرض البشر "دليل التحكم" بالشكل قبل توليد الجنين بمواصفات نمطية مرغوبة؛ تتجاوز تحديد جنس الجنين لتشمل فوق ذلك هيئته ولون بشرته وشعره وعينيه

يفرض الإنسان هيمنته على ذاته دون أن يكتفي بذلك، فيسعى فوق هذا إلى بسط سلطان التحكم على أشكال المواليد الجدد، أيضا، قبل أن يُطلِقوا صيحاتهم الأولى في هذا العالم المتغيِّر. لم يعد الأمر مقتصرا على تخيّر الزيجات من مواصفات بشرية مخصوصة؛ بل اقتحم البشر حقلَ التجهيز المخبري للأجنّة بكل ما في ذلك من تعسّف.

 

تعرض بنوك النُّطَف، مثلاً، خيارات متعددة لتركيب مواصفات للأجنّة على نحو يتجاوز الخطوط الحمراء الأخلاقية والمبدئية والشرعية. إنها نُطَف مصنّفة حسب مواصفات جينية مخصوصة، تتيح توليد إنسان جديد طبقا لتصنيفات مرغوبة لمن يدفع بسخاء، مع فرص "استئجار الأرحام" ضمن خدمات ترويجية مضافة.

 

يجري بهذا المنحى تصميمُ الأجنّة حسب أدلّة المواصفات القياسية، التي تتقمّص مع البشر تقاليد التهجين الحيواني، بتركيب خصائص متعددة للجنين المأمول إنجابه بهذه الوسيلة المخبرية. يفرض البشر "دليل التحكم" بالشكل قبل توليد الجنين بمواصفات نمطية مرغوبة؛ تتجاوز تحديد جنس الجنين لتشمل فوق ذلك هيئته ولون بشرته وشعره وعينيه، ولا حدود تقريباً للنحت والسيطرة إلا بما يعجز عنه التطبيق المخبري. من شأن هذه الخيارات، زيادة على تحيّزات النحت، أن تتيح هامشا مُغريا للمنطق السلالي والحمى العنصرية، التي تُطِلّ برأسها في تطبيقات أخرى من قبيل بحوث الخلايا الجذعية وعمليات الاستنساخ البشري التي تفتح الآفاق أمام تطوير فعل النحت البشري بلا إشارات حمراء.

 

إعادة إنتاج الشخصية
تتكرّس اتجاهات تنميط البشر وتصنيع سلوكهم وتعليب تصرّفاتهم عبر لغة الرموز المعولمة التي يتحرّاها ملتقطو الصور الذاتية المبثوثة في مواقع التواصل الاجتماعي
تتكرّس اتجاهات تنميط البشر وتصنيع سلوكهم وتعليب تصرّفاتهم عبر لغة الرموز المعولمة التي يتحرّاها ملتقطو الصور الذاتية المبثوثة في مواقع التواصل الاجتماعي
 

لا يتطلب نحت الذات اللجوء إلى مبضع الجراح والمعالجات اللونية أو حتى إلى خيارات التهجين البشري؛ فالحالة تتفشى على نحو واسع أيضا في محاولة ضبط سلوك الإنسان وتصرفاته ضمن معايير نموذجية نمطية. وفيرة هي المجالات التدريبية التي تعمل على إعادة إنتاج الشخصية، فيتنامى، على سبيل المثال، تعليم "لغة الجسد" وفنون التحكم بالذات، لتساهم هي الأخرى بقسطها في نحت الإنسان، مع تجاهل تعدّد الخصوصيات الثفافية والبيئية وتبايُنها في هذا المجال ضمن عالم متنوِّع.

 

يتقاطر الملتحقون ببعض الدورات التدريبية إلى قاعات التلقين، ثم يخرجون منها برؤوس محشوّة بمفاهيم جديدة عن طرائق التصرّف المُثلى بالجسد وفنون التحكم المرغوبة بالحركات والسكنات والإيماءات والإيحاءات، بكيفيات نمطية مُستوحاة من ثقافة السلوك المُعولَم، التي تنتهي خيوطها إلى البيئة الأمريكية غالبا.

 

تتكرّس اتجاهات تنميط البشر وتصنيع سلوكهم وتعليب تصرّفاتهم عبر لغة الرموز المعولمة التي يتحرّاها ملتقطو الصور الذاتية المبثوثة في مواقع التواصل الاجتماعي، بإقدامهم على حركات وإيماءات نمطية تستبطن دلالات وإيحاءات متجاوزة لثقافاتهم المحلية. لا يلحظ بعضهم أنّ فعل الالتقاط، كعادته، يقتضي تموضعا مخصوصا قائما على التصنّع وضبط الهيئة والسلوك بكيفيات محددة، بما يُحاكي نحتَ الشخصية على منوال التمثال الذي يستخلص نفسه من الصخرة.

 

هو الإنسان إذ ينحت ذاته، أيضاً، من خلال هوَس الظهور الكثيف في صور ذاتية متلاحقة، تزعم العفوية والسذاجة، لكنها تستبطن في طقوسها ومضامينها افتعالا متكلّفا حسب قوالب نمطية من التصرف، استحوذت على أذهان الجمهرة ودفعتهم إلى مباشرة النحت والضبط والتحكم والإخضاع الذاتي.