شعار قسم مدونات

شيركو بيكاس وفضاءات الكردي الأخير

Blogs- sherko
قبل ما يقارب سبع سنوات، قمت بمقابلة أدبية مع الشاعرة والروائية البريطانية جوان ماكنالي في فندق القدس في عمان، حيث التقيت الشاعر الكوني سعدي يوسف، كان موضوع المقابلة عن كابوس التاريخ وفعل الكتابة، وقبل بدء المقابلة بنصف ساعة تقريبا جرى حديث تبادلنا فيه مواضيع شتى، منها كان سؤالي لسعدي يوسف: كيف ترى ظاهرة بيكاس في الشعر الكردي والعربي؟ قال لي: "شيركو بيكاس شاعر لا يقرأ إلا على دفعات، ونصه مثقل بالتاريخ والأسطورة والهوية حتى صار شعره مثالا كونيا لجوهر الشعر والصيرورة اللغوية التي تعيد عجن المأساة بالجمالي والسياسي والجمعي".
  
ولا أجد بأدل على قراءة سعدي يوسف من قول بيكاس نفسه في مقابلة تلفزيونية -تم بثها سنة 2008 مع الإعلامي أحمد علي الزين- أوجز فيها بيكاس رباعية الوجود والتراجيديا الكردية في تجلياتها الملحمية مع الهوية والشعر، إذ يصير الجمال والحب والوجود والحرية صيروة القصيدة لدى بيكاس وأصل الحكاية: "لو أخرجتم من قصائدي الورد.. لمات فصل واحد من فصولي الأربعة.. لو أخرجتم منها الحبيب لمات فصلان.. لو أخرجتم منها الخبز لماتت ثلاثة فصول.. وإن أخرجتم الحرية منها لماتت فصولي الأربعة دفعة واحدة وأنا في الحال".
 
خطوة أخرى للأمام! تطرحان السلام على ابن زيدون وتنضج في صدر القصيدة حبتا رمان بلون دم الغزال… تجوبان تخوم الجليل ورام الله والسليمانية وكردستان، ويهديكما الليل تفاحة السقوط الأول من الجنة، فتقضمان خدها الصلصال وتلقيان بالبقية في سلة الخطايا العشر وتسمعان أنين الصدى! فيتسع في أرض القصيدة منفاك والطريق… تتسع الخطوة البربرية في باكورة ارتطامها بالعشب الأبدي والصلصال!
 
ماذا يفعل الشعر أمام جرافة التاريخ؟ سؤال طرحه درويش ونيرودا و بيكاس. ما أصعب أن تكتب نصا لنبش مضامين نص شيركو بيكاس لهول بساطته المعقدة، ولسهولته الممتنعة بين تجلياته الحسية وكونيته المحمومة بالرؤيا والخيال المشبع بالفانتازيا، والفلكور الشعبي والأسطورة، والذي يتجاوز في خصوبته كل مجاميع الإبيستومولجية وجغرافية الشعر التقليدي والحداثي المتورط بالحدثي، لأن شيركو شاعر يقتات في شعره على شظايا المرايا والهامش، لا يقر بالمركز ولا بسطوة الثقافة المهيمنة في تجلياتها الجمالية والذاتية والجمعية، والتي تطبق قبضتها على حناجر المهمشين في الأرض من الأكراد وغيرهم من شعوب الهامش.
 
التأمل في تفاعل بيكاس في شعره مع فكرة الموت وفلسفته يدرك عمق الأسلوب الأخير في شعره شكلا وموضوعا يتناسب مع حساسية الشاعر المذهلة في تطويع اللغة وتكثيف المعنى
التأمل في تفاعل بيكاس في شعره مع فكرة الموت وفلسفته يدرك عمق الأسلوب الأخير في شعره شكلا وموضوعا يتناسب مع حساسية الشاعر المذهلة في تطويع اللغة وتكثيف المعنى
 

سؤال الشعر لدى شيركو أقرب ما يكون لسؤال الناقدة ما بعد الكولونيالية سبيفاك: هل بمقدور المهمش أن يشهر كلمته في وجه السلطة؟ أو بعبارة أخرى "هل يمكن للمهمشين في الأرض أن يشهروا الحق في وجه السلطان"؟ حسب المفكر الكوني إدوارد سعيد. الشاعر الذي يستيقظ صباحا فيدرك أن هذا العالم متآمر بكل صلابة على ضحاياه، ومتواطئ بكل رعونة وسادية مع الجلاد، يستيقظ وفي حنجرته مرارة الصبار وفي عينيه الجاحظتين دمعة الكون الذبيح، ينتشل دلوه اليتيم من بئر الشعر الأبدي، ويصير نبي الكلمة والموت والحب والحياة، وعراب التراجيديا والكوميديا لأن الشعر الذي لا يفرك أنف الثقافة في وحل السياسة ويعجن طين الجمالي بالواقعي هو شعر فج ولا قيمة له!

 
ولهذا كان شعر بيكاس نصا مفتوحا يحاكي ما يسميه المفكر الألماني إدورنو "الأسلوب الأخير" وهذا ما يعرفه إدوارد سعيد في مقال له موسوم بعنوان "أفكار حول الأسلوب الأخير"، إذ يقول: "يستخدم أدورنو في شيخوخته، وهو يرى الموت يتقدم نحوه وسنوات البداية الواعدة أصبحت خلفه، نموذج بيتهوفن الأخير ليحل أزمته في النهاية، لكن النهاية هي شيء متحقق بداية، وليس تحذيرا أو هاجسا داخليا أو محوا أو إلغاء لشيء آخر.
 
إن اقتراب المرء من المرحلة الأخيرة يعني الوصول إلى النهاية، وهو واع تماما ومحتشد بالذكريات، ومدرك تمام الإدراك للحاضر… والأسلوب الأخير لا يقتصر فقط على مجرد التقدم بالعمر بقدر ما هو إحساس طافح بالانفصال والعزلة والمنفى والمفارقة، إنه شكل مغاير للواقع وجزء من صيرورة المنفى الطوعي. إن المتأمل في تفاعل بيكاس في شعره مع فكرة الموت وفلسفته يدرك عمق الأسلوب الأخير في شعره شكلا وموضوعا يتناسب مع حساسية الشاعر المذهلة في تطويع اللغة وتكثيف المعنى المتوتر بين تصويرية طاعنة في التجريب، تماما كتلك التي اتسمت بها نصوص الشاعر الإنجليزي كيتس، فبدت ذاتية الشاعر متشظية في شعريته وعزلته ومنفاه المتخيل والواقعي، وهذا ما نلمحه بوضوح في ديوان الكرسي، والذي ترجمه سامي داود حيث يقول بيكاس:
                                                       
أنا كاتب هذا النص
عتيق في المدينة
مجنون كالريح
حاف
رثّ
حائر.
آتي وأغدو
حينا أستحيل شعرا ثملا في حانة
وحينا، في خلوة صوفية،
أمسي قصة حدباء،
أو خطيئة هائمة،
نثر على منازل السهوب…
أنا العاشق لا بد أن أندف أصابع أنفاسي
قطن هذا الزمن.
لتحلّق الكلمات
وتستحيل العبارات ريشا
للرياح التائهة، المشردة
التي لا بيت لها ولا معجم.
أنا حلاج آلامي البيضاء
في صوتي تحفظ الغربة جسدها.
في عيني شعاع القرابين.
في خيط شعري
عشبة حنين الوطن
                                                    

أراد بيكاس دوما أن يغني للأكراد
أراد بيكاس دوما أن يغني للأكراد "أغنية جمعية" كترنيمة كيدمون الإنجليزية والتي روت حكاية التكوين والخلق في النصرانية
 

هذا الشعر الصوفي المدجج بالرائحة والصوت واللون والإيقاع هو الأكثر التصاقا بالأسلوب الأخير في انصهار الذات الشعرية بالذات المكتوبة، حتى يستحيل الشاعر حينا كما يفصح بيكاس بكل صوفية متماهية مع الفقد والحزن النبيل "شعرا ثملا في حانة وحينا، في خلوة صوفية، أمسي قصة حدباء." وهنا يصير نص بيكاس متماهيا مع المنفى تماما كالريح، وفي هذه الصورة الملحمية تتقاطع مأساة الشاعر مع مأساة اليسوع والحلاج في تأبطهما لإكسير العشق والألم والأمل، وفي هذا الدياليكتيك المركب يصير صوته الشعري وطنا أبديا لملحمة الأكراد والشتات وكل المهمشين في الأرض.

 
هنا تتسع القصيدة لتجلّي لنا الطريق الذي يشبه الصليب ويجمع غربة الجمعي في الذاتي، حيث تصير ذات الشاعر جسدا جماليا لهذه الرؤية والاستشراف لأبدية الوطن الذي تحمله القصيدة في حجرها ولا يبرح مكانه البتة. وما قد يخفى على القاريء أن المنفى بكل حيواته المتعددة ليس حكرا على الانفصال والعزلة والحزن الأبيض الذي ينبري له نص بيكاس، ولكنه مرهون كذلك الأمر بملذات الاغتراب، والتي تجعل من القصيدة آبارا إرتوازية للشعر الأصيل والشعر النقي والشعر المتماهي مع المعذبين في الأرض. الشعر الذي لا يختزل في قول أو عبارة ينتفخ ألما وجمالا وصوفية بالكوني الذي كلما ضاقت به العبارة اتسعت مجاميع الرؤية فيه، وصارت بوصلة الشعر وكنه الشاعر.
 
وهذا ما أفصح عنه بكل أناقة الشاعر الأمريكي وليام كارلوس في قصيدته المشهورة "بيترسون": "العثور على صورة رحبة بما يكفي لاستيعاب العالم القابل للمعرفة من حولي.. والكتابة عن أناس قريبين مني… عن بياض أعينهم، وعن روائحهم ذاتها. هذه هي مهنة الشاعر، إنها ليست الكلام عن المقولات المبهمة بل كتابة المحدد، تماما كما يفعل الطبيب إزاء جسد المريض، إزاء الشيء أمامه، بغية اكتشاف الكوني فيه بصفة خاصة". لقد أراد بيكاس دوما أن يغني للأكراد "أغنية جمعية" كترنيمة كيدمون الإنجليزية والتي روت حكاية التكوين والخلق في النصرانية، وتجلت صور الشعر والموسيقى في أصوات متعددة لا حصر لها، وفي أنساق سردية تتقاطع فيها الأجناس الأدبية من القصة والمسرحية والشعر والملحمة.