شعار قسم مدونات

إله شرير.. أم غير موجود؟

BLOGS تعبد

شريف: إذا كان الله رحيما حقا، فلماذا نرى القتل والمرض والمعاناة في كل مكان؟ ألا يعلم بوجود كل ذلك الشر؟ ألا يقدر على منعه؟ لماذا يسومنا كل هذا العذاب؟ كيف يدعي المؤمنون أنه رحيم أو خيّر؟ أو أنه موجود بالأساس؟

 

علي: موضوع مهم فعلا، ولكن قبل هذا ما هو الشر أصلا؟

 

شريف: الشر هو الضرر الذي يلحق بأحدهم.

 

علي: ولكن هذا الضرر لأحدهم قد يكون نفعا للمستفيد منه! فالفريسة نافعة للمفترس، والكارثة البيئية التي أدت لانقراض أنواع بأكملها كالديناصورات أتاحت الفرصة لحياة أجناس أخرى لم تكن لديها فرصة للحياة في ظل الممالك القديمة، والنجوم التي انفجرت بأكملها تكونت من حطامها كواكب جديدة، فكيف لك أن تحكم على أفعال الخالق المدبر وأنت لا ترى من الصورة الكبيرة إلا الضرر لبعض مكونات هذا الكوكب الصغير المؤقت، ولا تحيط بتداعيات هذا الشر على المدى البعيد؟

الخير والشر ليس لهما معنى ثابت إلا بعد أن تنحاز لطرف، فإن كنت تهتم للشعب البدائي الذي أفنوه بأطفاله ونسائه فستشعر بأن هذا شر مقيت، وإن كنت تنحاز للتقدم سترى أن هذا كان خيرا

شريف: ولماذا نتخيل وجود إله لديه تبرير للشر، أليس الأسهل والأكثر منطقية أن ندرك أنه لا إله أصلا؟

 

علي: لو لم يكن هناك إله فلا معنى للشر ولا الخير أصلا، بل أحداث فاترة بلا قيمة، فكل حدث يحمل ضررا ونفعا، ووصفك لحدث ما بأنه شرير يعني أنك تحيزت لأحد الأطراف واعتبرت ضرره غير مبرر بأي نفع قد يأتي منه. دعنا نفترض أن الكون بلا إله، نشأ من العدم، بلا سبب، وما هو إلا مادة تتخبط في مادة بلا غرض محدد، في هذا الكون أبحر بعض الأوروبيين إلى قارة أمريكا وقتلوا كامل سكانها ليقيموا مستعمراتهم ويبنوا حضارة قوية باستخدام موارد هذه القارة. وبالفعل أفادت هذه الحضارة البشرية أجمعها، فهل تسمي هذا خيرا أم شرا؟

 

ستجد أن الخير والشر ليس لهما معنى ثابت إلا بعد أن تنحاز لطرف، فإن كنت تهتم للشعب البدائي الذي أفنوه بأطفاله ونسائه فستشعر بأن هذا شر مقيت، وإن كنت تنحاز للتقدم سترى أن هذا كان خيرا على البشرية وقرارا جريئا لا بد من اتخاذه. وإن لم تكن متحيزا لأي طرف سوف تعتبر هذا حدثا عابرا بلا قيمة في ذاته، بل جزء من أحداث الطبيعة لا يختلف عن انقراض الديناصورات. وفي كل الأحوال لا يوجد معنى عام للخير والشر لأن كل البشر باختلاف أجناسهم في الحياة هم جنس مؤقت، وفناء البشرية بأكملها لا تتوقع أن يؤدي بأثر يذكر على الكون.  بل إن فناء الكون نفسه ليس شرا، لأن الكون نفسه بلا قيمة أو غرض سواء عَمِر أو خَرَبْ.

 

شريف: قد يكون هذا صحيحا، ولكن بما أن البشر هم من يناقشون الخير والشر فمن العدل أن نعتبر الخير ما ينفع البشرية والضرر ما يضرها.  

 

علي: إذا، هل قتل الهنود الحمر شر أم خير من وجهة نظر البشرية التي انتفعت من الحضارة التي قامت على جثثهم؟

 

شريف: بل شر لأنه فعل ظالم ولو سمحنا به وشاع بين الناس لقضت البشرية على نفسها، لهذا يتفق البشر على ما فيه الصالح العام لهم.

 

علي: إذا، فأي جريمة تفيد البشرية بأجمعها بشكل متساو تصبح خيرا حتى ولو كانت إبادة لجنس من الحيوانات مثلا؟ أو لو اكتشفنا يوما ما كائنات فضائية وكان المفيد لنا أن نفنيهم ونأخذ مواردهم فهل سيصبح هذا فعلا أخلاقيا؟

 

شريف: بل لن نفعل هذا، لأن الناس متفقة على أساسيات الخير والشر فيما بينهم حتى ولو على أجناس لم تكتشف بعد.

 

الخير والشر يتحددان حسب معيارك الذي تقيس به؛ فإن كان معيارك هو نفع الإنسان، فكل ما يؤذيه شر، وكل ما يفيده خير حتى ولو على حساب باقي الكون

علي: لمَ؟! كيف للبشر أن يتفقوا على الخير والشر برغم اختلاف بلدانهم وثقافاتهم ودياناتهم وأزمنتهم؟

 

شريف: ولكن هذا واقع بالفعل وهناك العديد من الأمثلة.

 

علي: أتفق معك، ولكني أسأل عن تفسيره، فأنت تقول إن الخير والشر حسبما اتفق الناس، فكيف يولد طفل في قبائل أثيوبيا قبل ولادة المسيح عليه السلام، و يؤمن بنفس الخير والشر الذي يؤمن به موسيقي شاب في نيوزيلندا في القرن الواحد والعشرين؟ متى التقيا ثم اتفقا؟ أليس التفسير الأوضح أن كليهما يدرك الخير والشر، لا يتعاقدان عليهما ولا يستنتجانهما من حسابات المكسب والخسارة؟

 

شريف: فهل تظن أن الخير والشر لهما وجود مادي وندركه؟!

 

علي: لا، بل لهما معنى موضوعي وليس وجود مادي، فالخير والشر يتحددان حسب معيارك الذي تقيس به؛ فإن كان معيارك هو نفع الإنسان، فكل ما يؤذيه شر، وكل ما يفيده خير حتى ولو على حساب باقي الكون. أما لو اعتبرت الخير والشر معاني أسمى وأكثر إنصافا من التحيز للإنسان ضد باقي الموجودات في الكون، فهذا يعني أن معيارك ليس الإنسان ولا ما اتفق عليه البشر، بل إن معيارك هو مطلق الخير. والسؤال عن الشر يصبح بلا معنى إلا بوجود قيم كونية تظل صحيحة دون اعتبار الضرر والنفع، وهذا لا يحدث إلا بوجود مرجعية مطلقة الصحة (الله عز وجل) تُعرف الخير بنسبته إليه والشر بنسبته عنه(١).

 

ولهذا فإن وجود بعض الأشياء التي يتفق جميع البشر على وصفها بالشر أو حتى بالخير، هو في حد ذاته دليل على وجود الله، وتلك إجابة سؤالك الأول؛ وجود الشر لا يتعارض مع وجود الله، بل يثبت وجود الله.

 

لو رَوَّحنا عن الطلبة من وقت لآخر فهو بهدف التَّقوي على الدراسة، وكذلك الدنيا غير مقصود منها أن تكون مقاما للترفيه والتدليل

شريف: فلأتفق معك جدلا أنك أثبت وجود الله بكونه مرجعية تعطي معنى للخير والشر، ولكنك ورطت نفسك في السؤال الثاني.. فأنت هنا يجب أن تصف هذا الموجود بأنه شرير أو يرضى بالشر، ألا يتعارض كون الله خيرا ورحيما مع وجود الشر في الدنيا، خاصة وهو ذاته المرجعية التي جعلتنا ندرك أن هذا شر؟

 

علي: أنا متفق معك تماما، فموت هذا أو ذاك، أو مرضهم إن كانت الدنيا ليس فيها إله ولا آخرة هي فجيعة لا تبرير لها، ففي دنيا مثل تلك لا يملك أحدنا إلا لحظات من المتعة يعيشها، وحتى تضييع ساعة في زحام المرور هي خسارة لا تعوض، فما بالك بمرض أو موت؟ ولكن بالنسبة لدنيا خلقها الله -عز وجل- وتليها آخرة، فإن الموت والمرض والحياة ليست إلا مشهد الاختبار في رواية كبيرة لها ما قبلها وما بعدها، فكأنك ترى طالبا يقول بأن واضع الامتحان شرير لأنه وضع بعض الأسئلة الصعبة فجعل الطلبة يعانون، بينما كان بإمكانه في وقت الامتحان أن يرفه عنهم إن كان حقا يحبهم، بدلا من أن يمتحنهم.

 

شريف: ولماذا يمتحنهم؟

 

علي: لأنهم طلاب، هذه هي وظيفتهم الوحيدة في المدرسة، ولا غرض لوجودهم في المدرسة إلا ليتعلموا، ولا غرض لوجود الإنسان في الدنيا {إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} والمدارس غير مقصود منها أن تكون مكانا للترفيه بل للدراسة. وحتى لو رَوَّحنا عن الطلبة من وقت لآخر فهو بهدف التّقوي على الدراسة، وكذلك الدنيا غير مقصود منها أن تكون مقاما للترفيه والتدليل، وحتى لو اهتممنا بنفع الإنسان فهو بغرض التقوّي على مهمته الأصلية ورحلته الحقيقية، كذلك فلكي تحدد من ينجح من الطلبة ومن يَرسُبْ فلا يكفي أن يَدَّعوا أنهم تعلموا، بل يجب أن يُمْتَحَنوا لنعرف، (وتقام عليهم الحجة) فينجح من نجح عن بينة ويرسب من رسب عن بينة.

 

"أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3)". {العنكبوت}.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١) (مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ۖ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ) النساء-٧٩

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.