ثقافة الترميم الألمانيّة.. عبرةٌ للفلسطينيين

blogs ألمانيا

في أحد أهم شوارع العاصمة الألمانية برلين، سارا بجانبي كحال كل غرباء المدينة الذين يسيرون سويا، مع افتراض مسبق لدى الثرثارين أنه من النادر إيجاد شخص يفقه لغتهم في مدن ليست لهم، لم أرد أبدا أن استرق السمع ولكن اللغة العبرية بلكنتها التي اعتدتها قسرا في المدرسة، لتستوقفني بعدها على الحواجز بين الضفة الغربية والداخل الفلسطيني قد لفتت انتباهي دون سائر اللغات هنا.

قال أحدهم للآخر: "يعجبني كيف يدمج الشعب الألماني بين عمرانه القديم والتكنولوجيا"، فرد الآخر موافقا على فكرته، متابعا أنه على إسرائيل أن تقوم بعمل شيء مشابه لتحول المباني من فكرة جامدة إلى حيوية. كان هذا الحوار أثناء مهرجان برلين للأضواء الذي يهدف إلى عرض لوحات فنية ضوئية على جدران أهم مباني برلين، تحمل كل لوحة فنية فكرة أو قضية يقوم بعرضها فنانون من جميع أنحاء العالم، ليرى الناس هذه المباني بطريقة مختلفة.

من تجربتي في العيش ببرلين، لم يكن واضحا قِدم هذه المباني التي يعود بناؤها، خاصة في وسط المدينة حيث يرتفع سعر العقارات، إلى سنوات بعيدة ماضية، فهي مرممة بطريقة تجعلها تبدو حديثة في الغالب. وفي كثير من الأحيان ينحت الألمانيون سنة بناء المنزل في واجهته دلالة على أهميته حتى وإن لم يتجاوز كونه منزلا عاديا. إلى أن اكتشفت مؤخرا أن البناء الذي أسكنه منذ شهور يعود بناؤه إلى أكثر من مئة عام وهو شاهد على أحداث تاريخية عدة، أهمها الحرب العالمية الثانية.

الدمار الحادث بألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية (مواقع التواصل)
الدمار الحادث بألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية (مواقع التواصل)

إنّ تعامل الشعب الألماني مع تاريخهِ، الذي ينظرون إليه اليوم بكثير أسى وعدم رضى، خاصة الحرب العالمية الثانية وما نتج عنها من دمار وقتل وتشريد، ينبع من منطلق المسؤولية الجماعية تجاه ما حصل، وهذا ينعكس في تعامل الألمان مع مبانيهم، حيث إيماني يأخذني إلى استنتاج مفاده أن تعاملِ الشعوب مع أبنيتها القديمة وأرضها يعكس عقليتها في الغالب تجاه تاريخها المعنوي غير المحسوس وشعورها بالوطن، وما التعامل المادي إلا تجسيد للفكر الذي تحمله هذه الشعوب نحو ماضيها ومشاعرها الوطنية.

فبعد انتهاء الحرب ترك النازيون عددا من الأبنية التي ارتبط وجودها بالعنف والإرهاب والقمع، كالمعسكرات والمعتقلات والمستودعات والمراكز المتعددة، ولذلك أزال الألمان كافة الشعارات النازية بعد الحرب ولكنهم رفضوا هدم هذه المباني، إذ اعتبروا أن هذه مسؤوليتهم الجماعية والتاريخية تجاه ماضيهم وأنهم لا ينكرون فظاعة الماضي بهدمه، بل بتصحيح مسارهم، فبعضٌ من هذه المباني تركوه مهجورا، أما البعض الآخر فحولوه الألمان إلى متاحف ومعارض تاريخية وثقافية، في اشارة منهم إلى تحويل الألم إلى درس لا يجب إغفاله أو التنكر له.

علاقة الشعب الألماني مع مبانيه وأرضه هي علاقة ترميم ترفض مبدأ الهدم بل الاستمرارية، وهذا مستمد من نظرة الألمان نحو تاريخهم الذي مازالوا يحاولون تصحيح مساره حتى هذه اللحظة

ومع ذلك، لم تملك ألمانيا بعد الحرب حكومة تشرف على إعادة إعمار الأبنية أو تمول العملية، مما جعل السكان والمواطنين يشرفون على إعادة إعمار أبنيتهم بأنفسهم، وعلى إثر ذلك قامت بعض الكنائس المتضررة بإعادة إعمار ذاتها من خلال جمع الأموال من أبناء طائفتها. خلفت الحرب دمارا ليس فقط في المنازل بل في المعالم الأثرية المهمة للمدينة، ككنيسة القيصر فيلهلم ببرلين، وبالرغم من هدم أكثر من نصفها إلا أنها مازالت شاهدة على حجم الدمار الذي لحق أكبر وأضخم المباني في ذاك الوقت لتتحول إلى متحف.

جدار برلين مثلا، الذي فصل شرقها عن غربها، كان هدمه محطة فاصلة في تاريخ ألمانيا، الجدار الذي شتت بين أبناء العائلة الواحدة وحال كعائق كبير أمامهم، قتل كل ألماني حاول الاقتراب منه أو تجاوزه ليحصد أرواحا كثرا. اليوم بعد هدم الجدار، في ذات البقعة -ويعني منتزه الجدار-، هناك يتفننُ "Mauer Park" شهدت مآس عدة، يذهب الألمان كل يوم أحد لقضاء عطلتهم في منتزه يدعى الألمان لتحويل مأساتهم إلى موسيقى ورقص وغناء ليعيدوا بناء علاقتهم مع المكان بطريقة أخرى.

إن علاقة الشعب الألماني مع مبانيه وأرضه هي علاقة ترميم ترفض مبدأ الهدم بل الاستمرارية، وهذا مستمد من نظرة الألمان نحو تاريخهم الذي مازالوا يحاولون تصحيح مساره حتى هذه اللحظة. مقارنة بهذه التجربة، يمكن أن نتناول باقتضاب تجربة الفلسطينيين مع شواهدهم التاريخية والأبنية القديمة، خاصة في ظل محاولة اسرائيل تغييب الوجود التاريخي الفلسطيني على الأرض.

المباني التاريخية الفلسطينيّة الشهيرة، كالحرم الإبراهيمي في الخليل، ومسجد بلال بن رباح في بيت لحم، سعت إسرائيل إلى ضمهم ضمن لائحة التراث الإسرائيلي، عدا عن سيطرتها على حائط البراق في القدس، وكثير من المشاريع التي تحاول بها نزع الهوية الفلسطينية عن الأبنية التاريخية. البعض قد نجحت في إتمامه بعد أن سلبت الأرض من أهلها عنوة.

المنازل الفلسطينية لا تجد من يرممها بل تعاني إما من بطش إسرائيلي أو تجاهل فلسطيني، حيث إن ثقافة الترميم تنقصنا كشعب
المنازل الفلسطينية لا تجد من يرممها بل تعاني إما من بطش إسرائيلي أو تجاهل فلسطيني، حيث إن ثقافة الترميم تنقصنا كشعب

ولكن في المقابل، هناك حالة شبه سائدة باستبدال القديم بالحديث بدلا من ترميمه، فيقوم الفلسطينيون عادة بهدم منازلهم القديمة التي ورثوها عن أجدادهم وبناء أخرى حديثة كنوع من الحضارة والتمدن، والأفظع من ذلك، أنه مع انحسار البقعة الجغرافية واتساع الاستيطان الإسرائيلي وما نتج عنهما من اكتظاظ عمراني، يسعى المستثمرون أحيانا إلى هدم المباني التاريخية القديمة لبناء مشاريعهم الرأسمالية دون أن يجدوا قانونا رادعا حاميا لهذا الإرث، والأفظع من ذلك سكوت الفلسطينيين عن الهدم.

المنازل الفلسطينية لا تجد من يرممها بل تعاني إما من بطش إسرائيلي أو تجاهلٍ فلسطيني، حيث إن ثقافة الترميم تنقصنا كشعب، ليس فقط بشكل مادي محسوس سنستفيد منه بعد مئات السنوات لإثبات وجودنا، وإنما كفكر. فمن يهدم منزله ليتحضر أو يعيش حياة المدن العصرية لا يفقه كيفَ يحول تاريخه إلى حاضر أفضل.

فالهدم فكرة مرعبة حين تنظر إليها الشعوب بكونه بابا لتطورها، فالتطور لا يكون إلا باستمرارية بناء فكرها وثقافتها وعمرانها، لتكون حالة من التطور لا تشبه أي مُدن العالم، والهدم لا يعني الهدم الفيزيائي فقط، بل الإنكار، إنكار ما نحن عليه ونفيه.