الأفكار ودورها في التغيير

Blogs- ideas
حالة البؤس والكآبة التي تنتاب الجميع عند النظر والتفكير في واقع حال مجتمعنا الإسلامي اليوم، وما يعانيه من تقهقهر وتفكك ومصاعب متعددة تتأزم يوما بعد يوم، وبالمقابل، نحن لا نفعل شيئا حيال ذلك سوى التحسّر على أمجاد مضت أو انتظار المخلّص الخارق، أو تحميل الغرب سبب تدهور أحوالنا.
 
يقولون إن نصف العلاج هو اكتشاف الداء، فالأمة الضعيفة من الداخل لايمكنها مواجهة القوى من الخارج، فعليها أولا أن تعالج ضعفها قبل أن تفكر في الوقوف أمام القوى الخارجية، وهذا هو حال أمتنا اليوم؛ طغى عليه الضعف وجعلها عرضة للقوى الخارجية تتكالب عليها من كل حدب وصوب.
 
عندما نتحدث عن التغيير وتصويب البوصلة فهذا يعني بالضرورة أن يشمل جميع المجالات، ويبدأ التغيير بمحتويات الأنفس ويشمل الأفكار، القيم، الاتجاهات، الثقافة، والعادات والتقاليد، وحين يكتمل تغيير الأنفس بدرجة كافية ينتقل إلى الميادين الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعسكرية والقضائية والإدارية، وبالطبع إن التغيير لا يحدث إلا إذا قام القوم بأجمعهم وليس الأفراد بتغيير أنفسهم، لأن الشخصنة تجعل الأمة تلقي بالمسؤولية على شخص وتخلد إلى راحتها وسباتها وتتخلى عن دورها الجماعي الذي يجب أن يشارك فيه كل أفرادها، ومن قادوا عملية التغييرعبرالتاريخ هم أناس عاشوا قسوة الأحداث ومرارة التجارب والأخطاء والانحراف في الفكر والممارسة ثم ذاقوا حلاوة الإصابة.
 
نجد كثيرا من المفكرين الذين أسهموا بدراساتهم في تشخيص الداء والدواء، والذين أجمعوا أن صحة المجتمعات ومرضها أساسه صحة الفكر أومرضه، ونستخلص هذا من الوضع العام الذي ساد تلك الفترة التاريخية التي سبقت إخراج جيل صلاح الدين والتي لا تختلف كثيرا عما نعيشه في وقتنا الحاضر.
  

undefined
 
من بين أبرز المفكرين، الإمام الغزالي، حيث لخص الأمراض الموجودة في عصره وأدرك أن أثر الجيل السابق وتراثه هو سبب انحراف أفكار الجيل الحالي، فعمل تمحيصا للموروثات وأخذ الجيد وترك السيء، وفي رؤيته؛ أمراض المجتمع آنذاك التي خلص إليها تكمن في فساد رسالة العلماء، التعصب المذهبي، تفتيت وحدة الأمة وظهور الجماعات والمذاهب وانتشار التدين السطحي والفئات التي تمثله.
 
وتكمن منهجية الغزالي في التغيير؛ في العمل على إيجاد جيل من الدعاة والعاملين، ووضع منهاج جديد للتعافي، وإحياء رسالة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونقد السلاطين الظلمة، ومحاربة المادية الجارفة، والدعوة للعدالة الاجتماعية، ومحاربة التيارات الفكرية التطرفية، ومن منظور الإمام الغزالي فالدنيا تتكون من ثلاثة عناصر وهي؛ الأفكار والأشخاص والأشياء، التي تصلح لتكون أرضية يقف عليها الإنسان المسلم ليستطيع أن يفكك العلمانية والشيوعية أو أي أيديولوجية، خصوصا أننا في واقعنا لطالما نستخدم مفهوم الحياة المادية، فهذه العناصر (والبحث بها) تستطيع أن توضح للإنسان المسلم فهم الدنيا أو الواقع الحالي بصورة أقل سرمدية مما هي عليه الآن.
 
كما أن مالك بن نبي في كتابه شروط النهضة والذي استكمله بكتاب مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي، ركزعلى عالم الأفكار ودوره في بناء الحضارة بشكل عام، وكيف انفصل العالم الإسلامي عن جذوره وأفكاره وسار خلف عالم الأشخاص بالأساس وعالم الأشياء منذ عصر ما بعد الموحدين، وقد شخّص سبب تراجع المجتمع الإسلامي إلى أن المشكلة الأساسية في هذا المجتمع هي مشكلة أفكار بالدرجة الأولى، وأن المجتمعات السليمة والمتقدّمة تقوم على ثلاث ركائز هي: الأفكار والأشخاص والأشياء، وبنى عليها دراسة عميقة لمدى تأثّر العالم الإسلامي بهذه العوالم الثلاثة، حيث يرى أن التوجهات الفكرية للإنسان في البيئة المنعزلة (الوحدة) والتي تتوجه إما إلى الأرض (أو عالم الأشياء) وتتمثل في ثقافة ذات جذور مادية وتقنية، أو إلى السماء (عالم الأفكار) وتتمثل في ثقافة ذات جذور أخلاقية وغيبية.
 
حتى تتحرر المجتمعات الإسلامية عليها أن تعود إلى أفكارها الأصيلة ذات الفعالية، فالفكرة الأصيلة بحد ذاتها لا تعني أنها فاعلة دائما، والفكرة الفاعلة لا تعني أنها صحيحة دائما
حتى تتحرر المجتمعات الإسلامية عليها أن تعود إلى أفكارها الأصيلة ذات الفعالية، فالفكرة الأصيلة بحد ذاتها لا تعني أنها فاعلة دائما، والفكرة الفاعلة لا تعني أنها صحيحة دائما
 

إن الأفكار والأشياء إذا ما دارت حول الأشخاص فإن المجتمع مريض وهو أقرب إلى إنشاء مجتمع ديكتاتوري، ولو قمنا برصد الواقع الحالي لوجدنا أن مجتمعاتنا أصابها هذا المرض بشكل كبير، ومن زاوية أخرى إذا ما دارت الأفكار والأشخاص حول الأشياء فإن المجتمع يصبح ميتا أو شبه ميت، وهذا هو الحال الذي عليه الحضارة الغربية والذي لا يختلف عن حال البلاد الإسلامية، فالعلمانية والإمبريالية والليبرالية تعمل على تشكيل الواقع بهذا الاتجاه، فأصبح الإنسان سلعة وأصبحت الماديات هي الغايات وهي الدافع للتطور والتقدم على صعيد المجتمعات أو الأفراد، حتى أصبحت البلاد العربية في نظر الغرب سوقا للاستهلاك.

 
وصل الحال إلى أن الإنسان العربي أصبح يرى نفسه في ظلّ هذا الواقع إنسانا خلاّقا، خصوصا دعاة العلمنة ودعاة التغريب، طبعا هنا نقول إن أي إيديولوجية إنسانية لن تخلو من هذه العلة، وإن خلت من هذا التصور فإنها بالتأكيد ستقع في التصور السابق وهو أن تدور حول الأشخاص كالشيوعية التي صنعت ماركس، أو حتى النيتشوية التي تُحاول أن تصنع باتمان وسوبرمان الرجل القوي، وهوليوود وبوليوود لا تكاد أعمالهما تخلو من إظهار هذه الغايات.
 
وحتى تتحرر المجتمعات الإسلامية عليها أن تعود إلى أفكارها الأصيلة ذات الفعالية؛ فالفكرة الأصيلة بحد ذاتها لا تعني أنها فاعلة دائما، والفكرة الفاعلة لا تعني أنها صحيحة دائما، فعلينا في هذه المرحلة العودة إلى روح الإسلام المتمثلة في المنهج النبوي، الذي ما فتئنا نراه بجميع مراحل حياة النبي (صلى الله عليه وسلم)، حيث حرر الفكر الإسلامي من القدسية المطلقة والاكتفاء الذاتي الذي أشبعناه بهما، وأعلى من فضيلة الفعالية إلى جانبه.