هدنة روحية

صِراعُ العقل والعاطفة، ما زلنا نخوضهُ مع كلِّ مُنعطفٍ يَمرُّ في حياتنا، اختيارُ التخصص، الوظيفة، الارتباط، بناءُ علاقةٍ جديدةٍ أو حتى إنهاءُ علاقةٍ سابقة، خوضُ غِمار الغربةِ أو البقاءُ في الوطنِ بين الأهل والمعارف والأحباب، وغيرها من القرارات التي نتخذها فتكون بمثابة القلم الذي نرسمُ به لوحة حياتنا الخاصة، ولولا هذا الصراع لما تحرَّك القلم.
صراعٌ نبغضهُ ولا نستغني عنه، أشبهُ ما يكون بذلك الدواء كريه الرائحة ومُرِّ المذاق، أو تلك العمليةِ الجراحيةِ وما يصاحبها من ألم. قليلةٌ تلك القرارات المصيريةُ التي يحالفنا الحظ فيها فيتوافق خيار القلب مع خيار العقل فننجو من دوامةِ الأفكار والتردد القاتل والأسئلة الممتدة والحيرة التي لا تنتهي، وحالة التوافق هذه تكون غالباً استثنائية، أمَّا الوضع العام فهو اختلافهما وتناقضهما، لذلك خرج من الشعراء من يقول "ما كل ما يتمنى المرء يدركهُ.. تجري الرياح بما لا تشتهي السفنُ"، مضطرون في هذه الحالة أن نُوجِّهَ الشراع كما شاءت الرياح، ولو أصررنا على أن نُبحِرَ كما تشتهي السفينة.. هلكنا.

هل العقل دائماً على صواب؟ وإن كان كذلك، فلماذا نستريح معظم الوقت لخيار العاطفة ونستسلم له؟ وما قيمةُ مشاعرنا إذن؟ هل القلب دائماً على صواب؟ وإن كان كذلك، فلماذا لا يكون هو موضع المنطق والتفكير والتخطيط بدلا من العقل؟  تلك الدوامةُ في الأعلى تُغرِقُنا أمامَ كل قرار، وتقتلنا بصمت، وأرى أنه لا سبيل للنجاةِ منها طالما كُنّا مُصرِّين على أن نُغَلِّبَ طرفاً على طرف، وكفةً على كفة.
 
التوازنُ هو قارب النجاة، وإعطاء كل من العقل والقلب قيمته واعتباره، فلا نتردد بأخذ مساحة كافيةٍ من التفكير والتدبير وإعمال المنطق، وإسقاط ما نصل إليه على مشاعرنا وأحاسيسنا وانسجامها مع تلك الأفكار، فنراعيهما معاً، ويكونُ صوتُهما واحداً، هو صوت ذاتك، ذاتك أنت، لا بأس أن تخوضَ ذلك الصراع وتدورَ في دوامة الحيرة، ولكن حين يأتي وقت القرار، فلتكن الذات واحدة، برأيٍّ واحد، وصوتٍ واحد، "إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمةٍ.. فإن فساد الرأي أن تترددا".
 

عقولنا بمثابة المنارة التي نسترشد بها الطريق، وقلوبنا هي نافذة الحب للحياة ولأنفسنا وللآخرين، لولاها ستبدو الحياة بائسة لا روح فيها

 

قلبنا وعقلنا، كلاهما حكمٌ أساسيٌّ في لعبةِ حياتِنا القصيرة، وإن كان يبدو أن أحدهما شديد وحازم، والآخر حنون ولطيف، أليست حياتنا كلها مجموعةٌ من التناقضات يُكَمِّلُ بعضها بعضاً؟  الذكر والأنثى، الأم والأب، الليل والنهار، البرُّ والبحر، الصيف والشتاء، الماء والنار، الحب والحرب، لو تشابهت الوظائف لما تحققت الغايات، ولكنه التناغم والانسجام والتكامل الذي يُضفي على حياتنا شيئا من الحيوية، كأنها مجموعة ألوان مختلفة شكلت معا لوحة فنية رائعة الجمال.
 
ليست مهمةً سهلة أن نصل إلى تلك الحلول التي يرضاها القلب والعقل معا، ولكننا نُسَدِّدُ ونُقارب ما استطعنا، ونستخير ونستشير، ونفتح الباب لاحتمالات النجاح والفشل، ونتوقع الأسوء لكي لا نُحبط، ونتدرب على فنِّ النهوض بعد السقوط، ونبذلُ ما علينا مُتَرَقِّبين لحظات النجاح التي لا شكَّ ستأتي طالما أوجدنا في دواخلنا فسحةَ الأمل، ونتذكر دائما أننا بخير ما دمنا نحاول، وأننا بخير ما أردنا الخير، وأنَّ هذا دهرٌ لا تنقضي تقلباته وتناقضاته ولا تنتهي.
 
عقولنا بمثابة المنارة التي نسترشد بها الطريق، وقلوبنا هي نافذة الحب للحياة ولأنفسنا وللآخرين، لولاها ستبدو الحياة بائسة لا روح فيها، قلبك وعقلك معا يشكلان ذاتك، إذا توافقا فتلك والله أبلغ النعم، وإن استطعنا أن نقرب بينهما فنحن على الطريق الصحيح، وإما إن اشتدَّ التنافر بينهما فذلك هو شتاتُ الأمر، وإن غلب أحدهما الآخر فتلك هي خيانة الذات، أعظم الخيانات.
 
تصالحنا مع ذواتنا أولوية الأولويات، ذلك لأننا معرضون بعد كثير من المنعطفات في حياتنا لأن لا نجد الكتف الذي نستند إليه، ولا اليد التي تمتد إلينا، ولا الصديق الذي يصغي بالاهتمام المطلوب، لذلك حاول أن تتصالح مع ذاتك وأن تكون لنفسك كل شيء.. لا يعني أن تستغني عن أصدقائك أو عن من تحب، ولكنه يعني أن تكون قادرا على الوقوف مرة تلو المرة في كل لحظة فشل أو واقع صادم أو ظرف يغير مسارك المرسوم نحو هدفك. فليتصافح قلبك مع عقلك إذن، وَلْتتصالح مع ذاتك ولْتُمَجِّدْها، فهي رفيقتك حتى نهاية الطريق.



حول هذه القصة

رغم الفوائد الكبيرة التي يحصل عليها الإنسان من تناول بعض الأطعمة، فإنه يجب الأخذ بالاعتبار أن بعضها يتعارض مع أدوية معينة، وتسبب أعراضا خطيرة، ربما تصل إلى حد الجلطة.

قالت دراسة حديثة إن تناول المشروبات الكحولية ينتج مواد كيميائية ضارة بجسم الإنسان يمكن أن تؤدي إلى إلحاق أذى دائم بالحمض النووي والخلايا الجذعية وتزيد من احتمالات الإصابة بالسرطان.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة