دستور مملكة السماء

لقد لملم الليل البهيم سوادَه مانحا السماءَ فرصة للصباح، الجميع نيام.. الناس والمدن على حد سواء، النعاس الثقيل غشي أجفان البشرية فخاف آدم على أبنائه من انقراض الضمير، كل شيء كان يسير نحو النهاية المؤلمة.. إلى أن رأت الشمس المتعبةُ القبةَ الذهبية تتربع على عرش مملكة السماء فأخذت من نورها قبسًا ثم طلعت فأنقذت الوجود من الموت حزنا.
 
لا يجذبني الحديث في المواضيع السياسية، ربما لأنني متوجس من فكرة الفناء.. والأحداث السياسية فانية لا تدوم وكل يوم هي في شأن، لذلك دعوني أتحدث عن أشياءَ فيها مسٌّ من طيف الخلود.. كنظرة صادقة وقُبلةٍ دافئة ودماءِ شهيد ساخنة وعمرِ أسيرٍ التهمه السجن الموحش، دعوني أتحدث عن صورة التقطتها قلوبنا للقدس الشريف وهي تلوح بيديها للحرية.
 
من شوراعها العتيقة المرصوفة بدماء الفاتحين، من الدروب التي سلكها المسيح (عليه السلام) يوما ما، من الصخرة التي تشرفت بحمل النبي محمد -عليه وعلى آله الصلاة والسلام- إلى السماوات العلا من أقرب نقطة تماس بين الأرض والسماء، من كنيسة القيامة المقدسة والمسجد الأقصى المبارك وحي الشيخ جراح الصابر وجبل المكبر العالي.. من كل هذا الجلال القدسي يهمس صوتُ المحبة في آذاننا أن مفاتيح المملكة المقدسة مخبأة في قلوبنا فمتى ملأناها محبة وصدقًا سلّمتنا إياها، وهنا وجب السؤال، هل ملأنا قلوبنا بالمحبة؟ أم ملأها أعداؤنا وأنفسُنا الأمارة بالكراهية والتعصب للمذهب والحزب والطائفة؟
 
كلنا نعلم قصة فتح القدس في عهد الفاروق عمر -رضي الله عنه- ونعلم أن بطريرك الكنيسة الأرثوذكسية في بيت المقدس صفرونيوس طلب حضور الخليفة شخصيًا لاستلام مفاتيح المدينة وتخليصها من ظلم البيزنطيين، كيف استطاع أجدادنا وقتها تحرير القدس؟ الإجابة عن هذا السؤال في طريقة قدوم الخليفة لاستلام مقاليد الحكم في مملكة السماء.. لقد جاء قائد الجيوش الآمر الناهي هازم الفرس والروم بلا موكب حراسة وبلا تشريفات، جاء برفقة مرافقه وراحلة وحيدة، فمرةً يركب عليها ويحدوها مرافقُه ومرة يركب مرافقه عليها ويحدوها هو.. ولما وصل حدود المملكة رأى الناس رجلين بلباس عادي غير ظانين على الإطلاق أن أحدهما خليفة تأتمر بأمره الإمبراطوريات والدول.. فما أن وصل وعُرفَ حتى تسلل إلى قلوب الجميع يقين قاطع بأن أمة هذا الرجل أحق الأمم بحفظ المملكة المقدسة وحمايتها من الشيطان.
 
القدس محتلة منذ عشرات السنين وهذا القرار لا يغير شيئا على أرض الواقع.. الواقع الذي يشهد على حصار لم تشهد البشرية مثله على قطاع غزة، ويرى التهام الاستيطان العنصري أرض الضفة الغربية والقدس

 

أدرك تماما أننا مللنا من الخطب والكلمات الإنشائية التي تدغدغ عواطفنا التاريخية، ونحن على حق في هذا.. لكن علينا الانتباه إذ إننا نفعل هذا فإننا نرى الحل الواضح لمشكلاتنا الكارثية التي لم يكن ضياعُ القدس أولها و لن يكون آخرَها، حين سردت قصة فتح القدس لم أرد أن أذكر قصة تاريخية نحفظها جميعا، بل كنت أود أن نقيم ميزان المقارنة بين ما كنا عليه بالأمس وما نحن عليه اليوم! بالتأكيد لن تكون لنا أحقيةُ حفظ مملكة السماء والمسؤولون عندنا يتجولون في شوارع مدننا العربية بمئات الحراس حتى أنه إذا مر أحدهم في تقاطع طرق سبب أزمة مرورية خانقة.

 
لن تكون لنا أحقية حفظ بيت المقدس ونحن نقتل بعضنا بسبب الاختلاف في المذهب والطائفة، بل حتى إننا إذا اتفقنا في المذهب والطائفة نقتل بعضنا لاختلافنا في الحزب والأيدلوجية السياسية والفكرية! وبالتأكيد لن تكون حراسة القدس من حقنا حين نهبُ مقدرات الأمة إلى أعدائها ونمنحهم ملياراتها المكنوزة لحماية دولنا الفاشلة بدل أن نصرفها في التنمية ومشاريع البنية التحتية واستصلاح الأراضي الزراعية وتشييد المنشآت الصناعية ومحاربة الفقر والجهل والتخلف الحضاري المدني.
  
إن لمملكة السماء دستورا واضحا لا يتسلم مفاتحيها إلا من يحققه، سيقول قائل بأن الصهاينة قد أحكموا قبضتهم عليها بمستوطناتهم وإرهابهم وهمجيتهم، سنقول له لن يستطيعوا، لربما دنست أحذية جندهم باحات المسجد الأقصى وهددت أصواتهم النكراء أجراسَ كنيسة القيامة، لكنهم لن يملكوا لا مفاتيح الأقصى ولا مفاتيح القيامة، فالحجر والبشر والشجر يرفضون وجودَهم الخبيث لأنهم نقضوا دستور المدينة الذي في أول بنوده ينص على المحبة، الدستور الواضح الذي كُتب منذ الأزل بخط عريض.. المحبة، السلام، التسامح، التعايش، التفهم، البناء، الضمير الحي، هذه البنود وغيرها خرقها الاحتلال بمجرد إطلاق أول رصاصة لتهجير شعب آمن في أرضه، لذلك فللأسف الشديد يحزنني القول إننا (في حالنا اليوم) نشترك مع هذا الاحتلال البشع في عدم أحقية تسلم مفاتيح القدس. 
  
لا تخشوا من قرار الأمريكان الذي لا يغير شيئا والذي أكد لقلوب الأحرار أنّ الحياةَ لم تنقطع في جسد الأمة، والأمل عظيم بأن تشفى يومًا من جراحاتها المفتوحة

     
لمن يخشى من تبعات قرار الأمريكان نقول له: قبل أشهر عديدة حصلت بعض التوترات الأمنية في محيط المسجد الأقصى المبارك، وقررت الهمجية "الإسرائيلية" وضع بوابات إلكترونية على حدوده لتفتيش المصلين، وهذا ما رفضه المقدسيون الذين باتوا في العراء أياما وليال منتفضين إلى أن كُسرت هيبة المحتل وبواباته ودخل أهل القدس مسجدهم مكبرين، يا إخوتي وأشقائي في الأمة العربية الإسلامية لا تخشوا على القدس فإن الله اصطفى لها عبادا جبارين على الألم أولي صبرٍ أيوبي، وقرار أمريكا الغاشم بنقل سفارتها لدى دولة الاحتلال إلى القدس ليس إلا هراءً لا وزن له.
 
فالقدس محتلة منذ عشرات السنين وهذا القرار لا يغير شيئا على أرض الواقع.. الواقع الذي يشهد على حصار لم تشهد البشرية مثله على قطاع غزة، ويرى التهام الاستيطان العنصري أرض الضفة الغربية والقدس، ويشاهد بحسرة التناحر الداخلي الأسود للأحزاب الفلسطينية التي حالها من حال الأمة العربية الإسلامية، الأمة العظيمة التي يتفنن أبناؤها في تقسيمها وتجزيئها وإهانتها، لا تخشوا يا إخوتي من قرار الأمريكان الذي لا يغير شيئا والذي أكد لقلوب الأحرار أنّ الحياةَ لم تنقطع في جسد الأمة والأمل عظيم بأن تشفى يومًا من جراحاتها المفتوحة وتعود إلى سابق عهدها لتنال وسام استحقاق حفظ مملكة السماء.. بالمحبة والسلام والتعايش والضمير الحي.


حول هذه القصة

تواصلت للجمعة السادسة على التوالي المواجهات مع قوات الاحتلال الإسرائيلي في قرى ومدن الضفة الغربية وعلى حدود قطاع غزة، احتجاجا على إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب القدس عاصمة لإسرائيل.

أعلنت صحيفة نيويورك تايمز تمسكها بصحة تسريباتها لمكالمات ضابط المخابرات الحربية المصري مع إعلاميين وفنانين، والتي يوجههم فيها لشن حملات تتعلق بالأوضاع الداخلية وقضايا المنطقة، خاصة القدس والأزمة الخليجية.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة