الخلافة.. فريضة شرعية أم منظومة إدارية؟

ينظر كثيرون من أبناء المسلمين إلى مصطلح " الخلافة" على أنه مصطلح معصوم؛ فهو يضمن العصمة للدين وللوطن، وهو الذي يجمع الأمة ويوحدها من هذا التشرذم الذي تعيش في مستنقعه؛ ولذا أصبح الوصول إلى الخلافة هدفاً ومقصدا وغاية لكثير من أبناء المسلمين وجماعاتهم وأقطابهم الفكرية. فهل هذا التصور شرعي؟ هل هو واقعي؟ 
 
يذكر الأستاذ الدكتور أحمد الريسوني -أستاذ الفقه وأصوله ومقاصد الشريعة في جامعة محمد الخامس- بتصرف أن "من مجالات الشريعة ما ثبتت فيه المقاصد والأهداف الكبرى للشريعة وتتغير فيه الآليات وفقا لتغير الزمان والمكان، ومن هذه المجالات ما يتعلق بالحكم والشورى". وهذا ما يؤيد مقولة كنت أرددها دائما وهي أن "الإسلام دين مقاصد لا دين قوالب؛ فالمقاصد ثابتة والقوالب متغيرة بتغير الزمان والمكان". ومن هنا فإن الاهتمام بالخلافة شكلا لا مضمونا، مظهرا لا جوهرا، ما هو إلا من باب العبث الذي يضر بالمصلحة الإسلامية العليا.
 
إن المتربصين بهذا الدين أدركوا حرص العقل الإسلامي على استعادة الخلافة، وأدركوا أن المسلمين يهتمون بالشكليات حتى على مستوى تدينهم الفردي، فهم يهتمون بالصلاة والصيام والحج والعمرة، ولكن لا مشكلة عند فئة غير قليلة منهم في الكذب والاحتيال وإخلاف الموعد ونقض العهد وسوء التعامل مع الناس  العمال والزوجة وما إلى ذلك.. فلما كان أمر الشكليات عندهم مقدسا أنشأ هؤلاء المتربصون خلافة تُغذّى بشريًا من أبناء المسلمين الحالمين بالخلافة دون تعمق في العلم الشرعي أو في السياسة الشرعية، فكان هذا النموذج الجاهلي الإجرامي الذي استقر في أذهان العالم كله أن كلمة "خلافة" ارتبطت بالقتل و سفك الدماء. ومع كل هذا الذي يحدث لا يزال البعض ينادي بدولة الخلافة، رغم أن العالم كله سيعمل ضدها؛ لأنها ارتبطت بالإجرام وإراقة الدماء.
 
البعض يقدس العبادات الشعائرية ويزهد في العبادات التعاملية، رغم أن الهدف من العبادات هو تعزيز التزكية السلوكية والأخلاقية

 

العجيب أن بعض المصرّين على المناداة بالخلافة يعتقدون أن الخلافة واجب شرعي وفريضة ربانية رغم عدم وجود أي دليل على ذلك، لا من الكتاب ولا من السنة الصحيحة. والحق أن الخلافة كانت مجرد منظومة إدارية لإدارة شؤون الدولة لتحقيق الواجبات الشرعية المنصوص عليها في الكتاب والسنة الصحيحة؛ كالعدل والشورى وتطبيق أحكام الشريعة والحرية والمساواة. إذن، إذا كان الحاكم، بغض النظر عن مسماه (ملك، رئيس، أمير، وال) مختارا من الناس وكان يطبق الواجبات الشرعية المذكورة آنفا فثم شرع الله..
 
لقد ضيع دينَ المسلمين اليوم تمسكُهم بمظاهره وزهدهم بجوهره في مختلف مناحي الحياة التعاملية على المستوى اليومي أو السياسي.. وهذا ما أشار إليه الأستاذ الدكتور عبد الكريم بكار في مقابلاته وتسجيلاته المتنوعة وهو يتحدث عن فقه الثورة؛ إذ يذكر ما مضمونه أن كثيرا من شباب المسلمين يعتصمون بالظواهر والقشور ويتركون جواهر الأمور. ولذا كان من أهم القواعد الأصولية في أصول الفقه الإسلامي "الأمور بمقاصدها".. فالبعض -مثلا- يقدس السواك لأنه سواك، ويزهد في العناية بنظافة أسنانه، رغم أن الغاية والهدف والمقصد من السواك هو نظافة الأسنان.. والبعض الآخر يقدس العبادات الشعائرية ويزهد في العبادات التعاملية -إن جاز التعبير- رغم أن الهدف من العبادات هو تعزيز التزكية السلوكية والأخلاقية.

 
وينطبق الأمر على السياسة والحكم، إذ  نقدس المصطلح " الخلافة" ونزهد في الحرية والعدالة والمساواة والشورى.. الخلاصة: تنتهي مشكلات أبناء العالم الإسلامي كلها، في السياسة والاقتصاد والاجتماع في الوقت الذي يتمسكون فيه بجوهر دينهم الثابت، لا بقوالبه المتوارثة المتغيرة، والتي قد تصلح لزمن مضى ولا تصلح لزمانهم الذي يعيشون فيه.


حول هذه القصة

انفرط عِقد المسلمين، واستأثر كل زعيم بناحيته، وبدأ عهد التشرذم والضعف والسقوط أمام العدو الصليبي في الشمال، وسالت الدماء في قرطبة، معلنةً نهاية الخلافة الأموية في الأندلس.

لعل الحدث الأبرز الذي شهده عام 2017 كان إشهار نهاية “دولة الخلافة” التي أعلنها أبو بكر البغدادي عام 2014، لكن السؤال يبقى عن مستقبل “الجهاديين” بعد انتهاء هذه المرحلة.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة