الخصائص الإثنية للمجتمع التركي

تعد التركيبة الإثنية في الجمهورية التركية الحديثة امتدادا لتلك التركيبة التي كانت قائمة في ظل الدولة العثمانية، وهذه التركيبة لم تكن وليدة لحظة آنية، لكنها تشكلت عبر ستة قرون من عمر الدولة العثمانية. ولأن الجمهورية التركية الحديثة قائمة على إرث الدولة العثمانية فقد ورثت منها التركيبة الإثنية بكل ما تنطوي عليه من تحديات وأخطار وتداعيات وتوقعات، وقد نجح الكماليون في تضييق مفهوم الأقليات سعيا منهم لإعادة بناء المجتمع والدولة على أسس جديدة غير تلك التي كانت قائمة أيام العثمانيين، وقد تم للكماليين ما أرادوا عبر معاهدة لوزان، وقد حددت تلك المعاهدة الأقليات في تركيا بأنها المجموعات التي لا تدين بالإسلام؛ وهي المجموعات المسيحية واليهودية وأية مجموعة أخرى لا تدين بالإسلام، ولم تتطرق بنود المعاهدة إلى الأقليات العرقية.

وبالتالي فإن هذه المعاهدة شملت الأرمن واليونان المقيمين في تركيا باعتبارهم مسيحيين، وبحصول الكماليين على هذا الوصف للأقليات يكونون قد تخلصوا من الناحية العملية من اتفاقية سيفر، والتي نصت على وجود أقليات عرقية إضافة للأقليات الدينية، ولم يتطرق الدستور التركي لمسألة الأقليات العرقية باعتبار أن كل مواطن في تركيا هو تركي لا من حيث العرق بل من حيث الهوية الوطنية، ومع ذلك فقد نصت المادة العاشرة من الدستور التركي للعام 1982 على أن جميع الأفراد متساوون أمام القانون، دون تمييز على أساس اللغة، أو العرق، أو اللون، أو الجنس، أو الرأي السياسي، أو المعتقد الفلسفي، أو الدين أو الطائفة. وعام 1991 ألغت الحكومة التركية القانون رقم 2932 الذي صدر في عام 1983، الذي يحظر استخدام اللغة الكردية، كما ألغي الحظر المفروض على مناقشة القضية الكردية في الأماكن العامة، إضافة إلى تأسيس قناة تلفيزيونية خاصة تبث باللغة الكردية.

وذلك تم في إطار مساعي الحكومة التركية لتطبيق معايير "كوبنهاغن" لحقوق الإنسان على طريق الانضمام للاتحاد الأوروبي، ومع أن التنوع الإثني يعطي ميزة التنوع الثقافي في المجتمع وما يترتب عليه من تمازج للثقافات وتفاعلها، لكنه ينطوي على خطر يتمثل في احتمالات زيادة النزعة الانفصالية في المجتمع، وتشير الأبحاث والدراسات المتعلقة بهذه المسألة إلى وجود عدد من المحددات للنزعة الانفصالية، يمكن إسقاطها على الحالة التركية على النحو التالي:
 
أولا: تركز الأقليات في المناطق الحدودية؛ فكلما كانت الأقليات واقعة في المناطق الحدودية تعززت لديها النزعة الانفصالية بحكم قدرتها على التواصل مع الخارج وزيادة إمكانية تلقي المساعدات الخارجية. وتشير هيكلية توزيع السكان في تركيا إلى تواجد أكبر الأقليات في المناطق الحدودية ذات الطبيعة الجبلية، وهم الأكراد الذين يتواجدون في المناطق الجنوبية والشرقية من البلاد على طول الحدود التركية مع كل من العراق وإيران وسوريا وأرمينيا، كما تتواجد معظم الأقلية العربية في هاتاي عند الحدود السورية، أما بقية الأقليات فهي منتشرة في المدن الكبرى خاصة إسطنبول.

 

اعترف الرئيس "تورغوت أوزال" بالأكراد كقومية في تركيا، كما رفعت حكومة العدالة والتنمية الحظر عن تعليم اللغة الكردية منذ العام 2003، وفاز عدد من الأكراد في الانتخابات البرلمانية عام 2007
  

ثانيا: تجمّع الأقلية في موقع جغرافي معين يعمق الشعور بالهوية القومية عند تلك الأقلية، وعند تطبيق هذه المسألة على الحالة التركية نجد كبرى الأقليات تتجمع بشكل ملحوظ في المناطق الجنوبية الشرقية من البلاد. 

ثالثا: توافر مورد اقتصادي مهم في منطقة تركز الأقلية؛ وهو العامل الذي يُؤَمِّن الاكتفاء لهذه الأقلية إذا تمكنت من الانفصال، ويعتبر هذا العامل بحد ذاته مشجعا على نمو النزعة الانفصالية، وفي الحالة التركية نجد أن مناطق تركز الأكراد لا تضم أي مصدر اقتصادي مميز يمكن أن يشكل مصدرا لاكتفائها ذاتيا في المستقبل.
 

رابعا: توفر الدعم الدولي أو الإقليمي للأقلية: عندما تجد الأقلية دعما دوليا أو إقليميا، فإن نزعتها الانفصالية تزداد وتقوى، وفي الحالة التركية لا نجد دعما دوليا معلنا للأقليات بغرض الانفصال، لكن القوى الدولية والإقليمية تستخدم ورقة الأقليات للضغط على الحكومة التركية لتحقيق أهداف سياسية.

وقد أشار بعض الباحثين إلى وجود اتصالات بين إسرائيل والأكراد انطلاقا من الإستراتيجية الصهيونية المعروفة بإستراتيجية المحيط أو الأطراف التي تسعى لتوفير مناطق نفوذ في الأقاليم المجاورة للبلاد العربية، ومن ضمنها تركيا. وخلال عقد الخمسينيات من القرن الماضي، استطاعت الدولة التركية استمالة الزعماء التقليديين في الأرياف الكردية من خلال السماح لهم بالانضمام إلى الأحزاب السياسية التركية؛ الأمر الذي أضفى الصبغة الرسمية على سلطتهم السياسية، ونتيجة لاستقطاب الدولة للنخبة الكردية التقليدية، تبنت مجموعات كردية مناوئة لهذه القيادات أفكارا قريبة من اليسارية، مما أدى إلى زيادة الوعي القومي لدى الأكراد عبر توليفة مزجت بين الشعور القومي والأيدلوجية اليسارية.

وترتب على هذه المسألة ممارسة الأنشطة السياسية المناوئة للحكومة التركية، وتصاعدت المواجهات بين الأكراد والدولة التركية مع ظهور حزب العمال الكردستاني عام 1979 بقيادة عبد الله أوجلان، والذي أعلن سعيه لإنشاء دولة كردية تضم المناطق الكردية في تركيا وإيران وسوريا والعراق، وبدأ الحزب عمله المسلح ضد ما سمّاه الاستعمار التركي والإقطاعية الكردية. ومع بداية التسعينيات من القرن الماضي تصاعدت عمليات الحزب ضد الحكومة التركية والزعماء الأكراد الموالين لها، وبالرغم من اعتقال أوجلان عام 1999 فإن عمليات الحزب لم تتوقف حتى الآن.

تقدر نسبة التجانس العرقي في تركيا بحوالي 79 في المئة، وذلك يعني أن هذا المتغير لن يكون له أهمية مؤثرة في الوضع الداخلي، فالاتجاه العام لمؤشرات الصراع الإثني في المجتمع التركي يتراجع
 

خامسا: سلوك الأغلبية تجاه الأقلية؛ يلاحظ هذا السلوك من خلال بعض المؤشرات مثل تمكين الأقليات من استخدام لغاتها القومية، والسماح لها بتكوين الأحزاب السياسية على أسس إثنية، وإشراكها في دوائر صنع القرار بحجم يتفق مع نسبها السكانية، والتوزيع العادل للدخل بين كافة المواطنين، بمن فيهم الأقليات، وفي الحالة التركية نجد أن هناك تحسنا في سلوك الحكومة بهذا الصدد، فقد اعترف الرئيس "تورغوت أوزال" بالأكراد كقومية في تركيا، كما رفعت حكومة العدالة والتنمية الحظر عن تعليم اللغة الكردية منذ العام 2003، وفاز عدد من الأكراد في الانتخابات البرلمانية عام 2007، كما ظهرت بعض الأحزاب السياسية الكردية.

وبدراسة الأحوال الاقتصادية والسياسية والاجتماعية للأقليات في تركيا، نرى أن المناطق الجنوبية والشرقية من البلاد لا تزال تعاني من أوضاع اقتصادية صعبة، ومعدلات نمو اقتصادي منخفضة، وارتفاع نسبة البطالة، وتدني نصيب الفرد من الناتج الإجمالي المحلي، وانخفاض مستوى الدخل السنوي للفرد عن مستوى دخل الفرد السنوي في المناطق الشمالية والغربية، وتعزو الحكومة التركية هذا الأمر إلى تدني مستوى الأمن بسبب الأعمال التي يقوم بها الأكراد الانفصاليون في هذه المناطق، بينما تعزوه بعض الجهات الكردية إلى سياسة حكومية متعمدة تستهدف الأكراد. 

سادسا: وجود نماذج انفصال ناجحة للأقليات في المحيط الإقليمي؛ فمنذ انتهاء الحرب العالمية الثانية حدثت عدة عمليات انفصال في منطقة غرب آسيا وجنوب غربها، ومن أبرزها انفصال باكستان عن الهند وانفصال بنغلادش عن باكستان، وتفكك الاتحاد السوفيتي، لكن أغلب هذه الدول التي حدث فيها الانفصال لا تتمتع بعمق تاريخي كالذي تتمتع به تركيا، فهي غالبا دول حديثة، وباستثناء هذه الدول حديثة النشأة نلاحظ أن الدول التاريخية، مثل: روسيا وإيران والعراق وتركيا لم تتعرض للانفصال رغم وجود الأقليات العرقية فيها. إن غياب النزعات الانفصالية في الدول التاريخية يعد عاملا مثبطا للأقليات التركية، وبالعودة إلى مؤشرات النزعة الانفصالية في المجتمع فإننا نجد الاتجاه العام لها يميل نحو التراجع في تركيا منذ العام 1999.

وتقدر نسبة التجانس العرقي في تركيا بحوالي 79 في المئة، وذلك يعني أن هذا المتغير لن يكون له أهمية مؤثرة في الوضع الداخلي؛ فالاتجاه العام لمؤشرات الصراع الإثني في المجتمع التركي يتراجع، ويتضح ذلك من الحصيلة الكلية للمؤشرات مجتمعة في كل عام. كما أن تقرير الصراع والسلام يشير إلى أن قيمة المؤشرات الداعمة للانفصال في تركيا هي 2 من 7، أي بنسبة 28.6 في المئة، وهذا يعني أن احتمالات تقسيم تركيا إثنيا حتى عام 2020 احتمالات ضعيفة.
 

سابعا: زيادة معدل النمو السكاني؛ تُبيِّن الدراسات السكانية أن الدول المتنوعة عرقيا، والتي يزيد فيها معدل إنجاب المرأة عن 2.1، تكون أكثر عرضة للاضطرابات السياسية وتزايد النزعة الانفصالية، وعندما نعرف أن معدل إنجاب المرأة التركية هو 1.70.

ومن المتوقع أن يبقى ضمن هذا الحد حتى عام 2020 حسب تقديرات معهد الإحصاءات التركي، مما يضعف دور هذا العامل. وخلاصة الأمر أن الدولة التركية الحديثة تعرف هذه التركيبة العرقية المعقدة منذ تأسيسها قبل تسعين عاما، واستطاعت المحافظة على وحدة أرضها وشعبها، وقد يستمر هذا الأمر ضمن المعطيات الإقليمية والدولية الراهنة، وهو مرهون أيضا بقدرة الحكومة التركية على التعاطي الحكيم مع الأقليات العرقية بما يضمن خصوصيتها ويحفظ وحدة البلاد ويحول دون تفككها على أساس إثني. وعموما، عندما تكون الدولة قوية تضعف فيها النزعات الانفصالية.



حول هذه القصة

أثارت العمليات العسكرية لجيش النظام السوري في ريف إدلب الجنوبي الشرقي حفيظة تركيا، التي اعتبرتها انتهاكا لمنطقة خفض التصعيد وتقويضا للحل السياسي، في تطور يمتحن التفاهمات بين أطراف اتفاق أستانا.

طلبت وزارة الخارجية التركية من الرعايا الأتراك توخي الحذر عند الرغبة بالسفر للولايات المتحدة بسبب تزايد الهجمات “الإرهابية” وأعمال العنف التي تتنوع بين تفجيرات وعمليات دهس أو باستعمال الأسلحة.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة