نهاية التاريخ بموت صالح

الاختلاف الفعلي، في المشهد السياسي اليمني، يكمن بين ثورة فبراير التي تتخذ الديمقراطية والمدنية طريقاً لها وبين اللاديموقراطية واللامدنية. يشكل صالح والسلفية والحوثي، معاً، اللاديمقراطية واللامدنية بصور مختلفة. أتذكر حديثاً إبان ثورة فبراير، لمثقف يمني: صالح هو الشخص الذي لا يحول بطريقتنا ولا يزول بطريقتنا. أظنه كان يستعير ما كان يقال عن السوفياتي العادي. كان يقصد، بالطبع، أن صالح يحمل مشروع التهديد في ذاته، تعجز الثورة عن الخلاص منه سوى عن طريق كائن يشبهه. ردد المثقف جملتين متتاليتين: نحن لا نريد قتل صالح. لكنه يريد قتل نفسه بنفسه.
 
يعتقد ثوار فبراير أن صالح هو من جلب الأسد إلى منزله وهو من سمح للأسد، في ما بعد، بقتله. راحت فبراير تعطي صالح فرصة نجاة، وراح صالح بعيداً ممسكاً بالحوثي ولم يتمكن من السيطرة على سمّه، فمات موتاً بشعاً. خرج الحوثي في خطاب له: لقد أخمدنا الفتنة، كنا، بطبيعة الحال، لا نريد لصالح هذه النهاية المخزية.
 
كان صالح في البدء يمثّل خطراً على نفسه، وفي النهاية، أيضاً، يمثّل خطراً على نفسه. إنه يحمل تهديده في ذاته وحوله، كالسوفياتي العادي. دار صالح مع نفسه دورة البداية حتى وصل إلى النهاية. في 2006، ممسكاً بخنجره، يعطي صالح منهجه للصحفي عبد الباري عطوان في كيفية التربع على السلطة والمحافظة عليها، يقول صالح: أخذت السلطة بخنجري، ولن أفقدها إلا بخنجري. صالح يعي ما يقوله واختار نهايته بيده. كان صالح لصاً وقاتلاً وقناصاً. فقد شوهد وهو يسرق السلطة بخنجره وتقويضه لحياة اليمنيين. قتل الرئيس الحمدي الذي يتكهن اليمنيون، وهو تكهن مستقبلي تاريخي، أنه المربع الآمن للسلطة. اختار صالح بندقيته، كقناص متلذذ، وراح يعتلي جبلاً يمارس القنص على رأس كل يمني لا يروقه.

نفد مخزون صالح بموته وشاهدنا كيف أصبح وحيداً بلا أحد، وهي نهايته. كانت النتيجة المقابلة، إثر ذلك، هي انتعاش فرصة ما جاءت به ثورة فبراير من وثيقة حوار. الحوثي والسلفية، وهما يشكلا نقيض الثورة بجمهوريتها وديموقراطيتها، ليسا سوى بقايا صالح ومن تكوينه. كان صالح من يدير الحوثي والسلفية. استطاعت الإمارات تجميد يد صالح عن السلفية، واستطاع الحوثي، بعد تغيرات كثيرة، القضاء على صالح. نحن في نهاية لأننا، في الأول والأخير، أمام أسباب إنسانية. والديمقراطية هي معبد الإنسان الحضاري وقبلته.
  

لم يقدر أحدٌ على الحديث إلى اليمنيين في المؤتمر الشعبي سوى صالح، وصالح هو اليمن، وعلى اليمنيين الحزن عليه كل الأيام وكل الليالي

 

كان صالح مقوضاً للديموقراطية بطريقة تملّكها. لا تعريف للديمقراطية عند صالح وجمهوره إلا أن تكون هي صالح وصالح هو الديمقراطية. ما تبقى من تكهنات سوف يقضي عليها بخنجره. يعيش صالح، سياسياً، في حزب يشكل منزله الخاص به. يأتي أعضاؤه إليه فرادى ومجتمعين، لكن ليس بمقدور أحد كشف أسرار المنزل وخباياه. وحده صالح من يستطيع قراءة سند ملكيته، ووحده من يستطيع، وهو يقرر المغادرة، إضرام النار فيه. ذلك السند لم يتمكن أحدٌ من الحصول عليه بعد مقتل صالح وصار رماداً. أصبح المنزل مهجورا وباعثاً على الأسى. لم تتمكن الإمارات، بعد أن رأت ذلك المنزل يحترق، من ترميمه ولا تحسينه. كان بيتاً خرسانته صالح، وأعمدته صالح، وجسره صالح. وما إن مات صالح حتى مات المنزل ومن فيه.

 
الإمارات تمكنت من مشاهدة نهاية صالح، الذي عوّلت عليه سراً. تنازلت الإمارات بعد صالح وراحت باتجاه أكبر شريك سياسي في ثورة فبراير: حزب الإصلاح. هذا حدث قبل شهر من الآن. لم يعد بمقدورها مواصلة ثورتها المضادة، فقد أصبحت أمام نهاية حتمية. كان انتقالاً مفروضاً وصالح وحزبه في عداد الموتى. لن تستطيع الإمارات، ولا السعودية، البقاء على حزب المؤتمر الشعبي العام. فهو، أي المؤتمر، لا يمثل سوى شخص صالح وفكره وماله، والثالوث الأخير ذهب بلا رجعة، أو تفرّق بعد أن كان جمعاً، ولا يمكن لأحد بعد اليوم الحديث عنه. في بداية عام 2018 خرج ثاني أكبر رجل في حزب صالح؛ يحيى محمد عبد الله صالح، يقول إنه لن يستطيع تهنئة اليمنيين بالعام الجديد لأنه حزين على موت عمّه صالح. كان ذلك واضحاً ولا يحتاج لمزيد من التأويل: لن يقدر أحدٌ على الحديث إلى اليمنيين في حزب المؤتمر سوى صالح، وصالح هو اليمن، وعلى اليمنيين الحزن عليه كل الأيام وكل الليالي.
 
صالح، بطريقة اليمنيين أصحاب الذاكرة وتفاصيلها، صار جزءاً من الماضي البعيد، وموته عبارة عن نهاية زمن وبدء ما بعده. بداية صعود كل اليمنيين أعلى التل، التل الذي يتمكن من عليه اليمني المقهور من معرفة لاهوته وناسوته وفردانيته، وكل التفاصيل التي تخصه.
 
تمكنت الثورة، في حياة صالح، من على بعد كبير وكانت قد جلست للفرجة، من إعطاء فرصة للسياسة وكتابة مسودة حضارة جديدة لليمنيين. شارك صالح والحوثي والجنوب والقوى الساسية جميعاً في كتابتها، فالديمقراطية التي جاءت بها الثورة كانت لا تستثني أحداً، يعتقد ثوار فبراير. كُتبتْ هذه الوثيقة وكانت تمثل مجتمعاً مدنياً شكلياً. لكن، وفي غضون أيام، كان صالح والحوثي قد قلبا اليمن رأساً على عقب.

في نهاية المطاف ثمة تفوق فعلي ودخول المجتمع مرحلة ما بعد التاريخ. قد يعاني اليمنيون الضجر، ولكن، لن تضيع المثالية والشجاعة والخيال الديمقراطي كما حدث في السابق
  

عندما مات صالح قلت في نفسي إن الأمر عبارة عن نهاية للتاريخ. نظرتْ وثيقة الحوار التي جاءت بها فبراير إلى أعدائها يتداعون، ولم تشاهد أحداً سوى جبل بلا ملامح: ثلاثة أجزاء من المؤتمر وتوهان كبير، وكل جزء منه لا يعرف بعضه ولا يستطيع اللقاء بالآخر. والحوثي في رقعة جغرافية صغيرة، وبلا سياسة. ونحن نرى حزب المؤتمر يتلاشى نتذكر طريقة نهاية أحد أبطال وجدي الأهدل، في روايته قوارب جبلية: أدخل رأسه في سرّته، وراح يتلاشى للأبد.

 
قبل ساعات جلست وتساءلت بجدية: هل من منافس جديد لوثيقة الحوار الوطني؟ جرى تدمير المؤتمر الشعبي العام الذي كان يشكل تحدياً شاملاً للثورة وما جاءت به من وثيقة حوار، أو: يشكل تحدياً لفكرة الحقوق والمساواة. أعقبت ذلك التدمير أحداث جديدة درامية، كأن يروح الحوثي ويحل محل المؤتمر، وكأن يجلس ما تبقى منه بلا كينونة ثابتة. ما من جديد مع الحوثي ونحن أمام فكرة تودي به للموت، وهي جدلية السيد والعبد.
 
في نهاية المطاف، ثمة تفوق فعلي ودخول المجتمع مرحلة ما بعد التاريخ. قد يعاني اليمنيون الضجر، ولكن، وهو تكهن مستقبلي، لن تضيع المثالية والشجاعة والخيال الديمقراطي كما حدث في السابق. يمكننا القول إن التاريخ يتململ ولا شيء يسمح في الأفق المنظور بالحسم النهائي، بيد أن إطلاق التوقعات يكفي وحده.


المزيد من المدونات

حول هذه القصة

قالت مصادر للجزيرة في اليمن إن طائرات التحالف العربي شنت اليوم الأربعاء نحو ثلاثين غارة على مواقع في صنعاء وضواحيها، بعد يوم من إعلان الحوثيين استخدام منظومة دفاع جوي جديدة.

أعلن الحوثيون أنهم أدخلوا منظومة صواريخ أرض جو جديدة مطورة محليا، قادرة على التصدي لطائرات التحالف العربي في اليمن، وقالوا إنها تمكنت من إسقاط طائرة في صعدة وإصابة أخرى بصنعاء.

الأكثر قراءة