نحيا ويحيا الوطن

blogs - الوطنية

الانتماء إلى الأوطان هو أمر فطري وغريزي متجذر في نفوس الشعوب، ليس من السهل تجاهله أو محوه تحت أكثر الظروف قسوة وشدة، ودور هذا الانتماء الحقيقي هو أن يكون حافزاً إيجابياً يحث على التضحية في سبيل الأوطان من أجل رفعتها وعزتها لضمان مستقبل أفضل لها وللأجيال المتعاقبة، لا أن يكون حافزا سلبيا يدفع إلى السكون أو الركون أو تدمير الأوطان وإفسادها، فينتكس الحاضر ويضيع المستقبل؛ فدعُونا نوضح، مأولا، اذا يعني الانتماء. في الحقيقة لم يكن هناك لهذا التوضيح داعِ في الظروف الطبيعية بينما لزم التوضيح الآن، إذ نحيا في زمان اختلطت فيه المفاهيم وانقلبت المعايير حتى صار التسليم بالمعاني الحقيقية الثابتة مضربا للشك والتكذيب أو التدليس من قبل البعض.

  

وعليه، فإن الانتماء في اللغة يعني "الانتساب إلى شيء ما"، واصطلاحاً هو: "الارتباط الحقيقي والتمسك والثقة بعنصر من عناصر البيئة المحيطة بنا كأفراد، والمحافظة على هذا الانتماء تكون عبر الارتباط بهذا الشيء وجدانياً وفكرياً ومعنوياً وواقعياً بالشكل الذي يحدد قوة الصلة التي تربط بيننا وبين هذا الشيء الذي ننتمي إليه، سواء أكان هذا الانتماء إلى الوطن، أم إلى العائلة أم إلى غيرهما". وهناك فرق كبير وجب توضيحه بين الانتماء الوطني وبين التعصب والقبلية، فالشعور بالانتماء إلى الوطن يعزز الروابط بين أبناء الوطن الواحد بغضّ النظر عن الاختلافات الفردية الطبيعية في ما بينهم ويحفزهم على العمل معا على رفعة هذا الوطن ويرسخ الشعور بالمسؤولية تجاهه؛ ما يدفعهم إلى التعاون من أجل نهضته وازدهاره بهدف الحفاظ على استقراره، بينما تفعل العصبية عكس ذلك من تفرقة بين الناس ومن تعاظم الخلافات والشقاق بينهم بناء على أسس غير سليمة ومبررات تبدو عنصرية أكثر من أي شيء آخر.
 

 التعافي من الهزيمة والانكسار تحفزه مشاعر الانتماء الإيجابية وتعززه الرغبة الحثيثة في تعويض الهزيمة ليس بالانتقام والحرب بل بالتقدم والازدهار  التعافي من الهزيمة والانكسار تحفزه مشاعر الانتماء الإيجابية وتعززه الرغبة الحثيثة في تعويض الهزيمة ليس بالانتقام والحرب بل بالتقدم والازدهار 
 

وفي خضم التراجع الحاصل في واقعنا المعاصر على كافة الأصعدة في سائر بلادنا العربية فإن مشكلة شعوبنا الكبرى اليوم أن شعور الانتماء الوطني لديها قد أصبح غريزة خاملة لا تحرك ساكنا أمام كل ما يدمر الأوطان ويفسدها، بل في بعض الأحيان نجد أنها قد تبدلت تلك الفطرة وتشوهت بفعل فاعل خبيث يضمر شرا للأمة حتى صار بعض بني جلدتنا يسهم عن وعي أو بدون في تخريب حاضر ومستقبل وطنه بنفسه أملا وطعما في مصالح ذاتية ضيقة أو تطلعات فردية رخيصة تحت دعاوي الانتماء أيضا، ولكنه انتماء للأنظمة الحاكمة التي تنهش الأوطان وتفسدها، وولاء للمصلحة الشخصية التي تقدم شأن الفرد على شأن الوطن وتعكس ازدواجية في مفهوم الانتماء وتسهم في تشويه معناه النبيل لدى عوام الناس.
 
ومن الأمثلة الواقعية والمعاصرة التي يمكن تناولها للتدليل على مدى فاعلية وقوة تأثير الانتماء لدى الشعوب في تغيير واقعها، سواء كان ذلك بالإيجاب أم السلب ما حدث في ألمانيا قبل الحرب العالمية الثانية "المثال السلبي.. الانتماء إلى الأنظمة" وما حدث في ما بعد الحرب "المثال الإيجابي.. الانتماء إلى الأوطان" والتي استمرت لما يقارب من ست سنوات بين 1339 و1445 (تعد أكثر الصراعات العسكرية دموية على مر التاريخ).
 

وقد انتهت بهزيمة دول المحور، وعلى رأسها ألمانيا، تلك الحرب التي أشعلتها أطماع هتلر الاستعمارية تحت سطوة مشاعر الانتماء إلى "الرايخ الألماني العظيم" (Groß deutsches Reich بالألمانية) والتي انتهت بمقتل ما يقارب 60 مليون شخص من العسكريين والمدنيين، وهو ما يعادل 3% تقريبا من إجمالي سكان العالم في ذلك الحين. في المثال الأول "الانتماء إلى النظام الحاكم" كانت دعوات استعادة العزة الوطنية في ألمانيا النازية على أشدها في مطلع ثلاثينيات القرن الماضي، إذ تأججت مشاعر الانتماء إلى "الرايخ" الألماني وتصاعدت دعوات تفوق العرق الآري، ما أسهم في استغلال هتلر ونظام حكمه النازي ذلك الأمر سلبيا عبر إعلان حالة الطوارئ وإلغاء حقوق المواطن الأساسية والقيام إثر ذلك بعمليات التطهير العرقي للأقليات وفي التخلص من الخصوم السياسيين.

 

وقد تصدرت في تلك الفترة شعارات، مثل "شعب واحد، رايخ واحد، قائد واحد" (بالألمانية: (Ein Volk.. ein Reich.. ein Führe) من أجل فرض ونشر روح التعصب لألمانيا والولاء والطاعة لـ "الفوهرر" في ربوع البلاد ولإجبار الشعب الألماني على التغاضي عن الانتهاكات الجسيمة والتعديات الصارخة على الحقوق والحريات. وهذا ما أتاح لهتلر مواصلة تطلعاته ومطامعه في ضم دول أخرى إلى الرايخ عبر العمليات العسكرية، تلك العمليات التي جلبت لاحقا العار والدمار لألمانيا وأدت إلى هزيمتها في الحرب التي تسببت في اندلاع شرارتها، والتي أسفرت عن سقوط ودمار العديد من العواصم والمدن وفناء الملايين من البشر.

 

يتحتم علينا كأصحاب قضية عادلة ورؤية واقعية وحالمة لبلادنا تحمل الأمل في حلول الرخاء والازدهار على البلاد والعباد، أن نواصل السعي من أجل رفع الوعي الجمعي للشعوبيتحتم علينا كأصحاب قضية عادلة ورؤية واقعية وحالمة لبلادنا تحمل الأمل في حلول الرخاء والازدهار على البلاد والعباد، أن نواصل السعي من أجل رفع الوعي الجمعي للشعوب
 

في المثال الثاني "الانتماء إلى الوطن" كانت ألمانيا النازية قد خرجت مهزومة مكسورة من حرب طاحنة وبدأت قوات الحلفاء تقتحم المدن الألمانية وتسيطر عليها وسط تفشي روح الانكسار والذل لدى عموم الشعب الألماني، وقد تكونت حينذاك أربع مناطق احتلال عسكري يخضع القطاع الشرقي فيها عسكريا لحكم الاتحاد السوفيتي، وهو ما أُطلق عليه لاحقا "جمهورية ألمانيا الديموقراطية.. ألمانيا الشرقية"، بينما خضعت القطاعات الغربية الثلاث المتبقية للحكم العسكري الفرنسي والبريطاني والأمريكي وقد دمجت معا لتشكل "جمهورية ألمانيا الاتحادية.. ألمانيا الغربية"، في هذه الأثناء نشطت إستراتيجيات وبرامج عدة برعاية أمريكية وأوروبية بهدف تجاوز الألمان لمحنة الحرب والهزيمة ولأجل إعادة برمجة العقلية الألمانية على تقبل منظومة القيم الغربية والتي تُعلي من شأن الديمقراطية وقيم العمل والإنتاج، فكان التعافي والتعاطي مع تلك القيم مذهلا وسريعا تحفزه مشاعر الانتماء الإيجابية وتعززه الرغبة الحثيثة في تعويض الهزيمة ليس بالانتقام والحرب بل بالتقدم والازدهار حتى وصلنا إلى الصورة النمطية الحالية عن ألمانيا كقلعةٍ للصناعة العالمية وكواحدة من القوى الاقتصادية الكبرى في العالم.
 

لذا، فإن واجبنا اليوم إثارة روح الانتماء الوطني تلك في قلوب الناس في بلادنا، ذلك الانتماء الذي يحثهم على تبني منظومة القيم الإنسانية السامية مثل العدالة والمساواة والحرية والسلام ويدفعهم إلى التعاون معا من أجل الحفاظ على البلاد عبر تطويرها واستمرار تقدمها ونموها برفع شأن العمل بجد واجتهاد من أجل تعاظم قيمة الإنتاج وزيادة قوة الاقتصاد وتحقق مطالب إطلاق الحريات والحقوق الأساسية للشعوب، هذا الانتماء الذي يجب أن ينبع من قلوب الجميع، من يقبلون بمشروعنا من أجل التغيير كطلاب حرية وعدالة وكرامة ومن لا يقبلون به، فيحركها نحو البذل والتضحية وليس إلى الاستسلام أو الخضوع لدعاة تخريب الأوطان المستترين برداء الوطنية تحت وطأة نيران الاستبداد والطغيان والفساد السياسي، المقترن بنهب ثروات تلك البلاد وخيراتها على حساب تلك الشعوب الكادحة والطبقات الفقيرة المعدمة.
 

يتحتم علينا، كأصحاب قضية عادلة ورؤية واقعية وحالمة لبلادنا تحمل الأمل في حلول الرخاء والازدهار على البلاد والعباد، أن نواصل السعي من أجل رفع الوعي الجمعي للشعوب وتوضيح أهمية تأجيج روح الانتماء الوطني الإيجابي من أجل تحرير الشعوب من ربقة استعباد الحكام لهم وتحرير الأوطان من التبعية للأنظمة المستبدة، وفي هذا السبيل علينا ألا نتوقف يوما عن نثر بذور الأمل في كل موطئ قدم، فإن ذلك الأمل سيبقى هو وحده القادر على استثارة فطرة الانتماء الخاملة تلك في القلوب والنفوس، وهو وحده القادر على تزكية حماسة الناس نحو الحديث عن التغيير من أجل مستقبل أفضل وتصور ماهية هذا التغيير والبحث عن آليات تطبيقه، فضلا عن المشاركة في صنعه وتحقيق كافة مطالبه، ولعلنا نُدرك ذلك اليوم الذي سيحمل فيه الناس في الطرقات مشاعل الأمل ويرفعون رايات الحرية وهم يهتفون بدافع الانتماء والعزة "نحيا ويحيا الوطن".



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة