ترمب وصناعة الفوضى.. مصير الأمم المتحدة!

"لن نسمح بأن يساء استغلال كرم الولايات المتحدة بعد الآن… إن من واجبنا أن نطلب المزيد مقابل استثمارنا. وإن فشل هذا الاستثمار، فعلينا أن نحول مواردنا إلى ما هو أكثر إنتاجية.. هذا التصويت لن يتم نسيانه!"

-(نيكي هايلي، السفيرة الأمريكية لدى الأمم المتحدة)

 

"فليصوتوا ضدنا.. سندّخر المزيد (من المال)"

(الرئيس الأمريكي دونالد ترمب)

 

لعل نظرة بسيطة على هذه التصريحات أثناء متابعة للسلوك الأمريكي الأخير تكفي لتتنبّأ بأن الأمم المتحدة -المؤسسة الأكثر عالمية وتمثيلا في تاريخ البشرية- مقبلة على أزمة لا يبدو أنها عابرة. وها هو الرئيس الأمريكي يُتبع هذه التصريحات بخطوة عملية بمباشرة "الادّخار" عبر إيقاف المساهمة الأمريكية لميزانية الأنروا -التي بلغت 355 مليون دولار العام المنصرم- لأن "الفلسطينيين لا يرغبون بالتحدث حول السلام!" على حد تعبيره الذي يكشف ضحالة أفق الرجل وتوجهات الإدارة الجديدة للبيت الأبيض!

 

فور انتهاء الحرب العالمية الثانية الطاحنة، حرصت القوى المنتصرة في الحرب أن تضمن مشاركة الولايات المتحدة في هذه المنظمة الجديدة التي أتت كنسخة معدّلة لعصبة الأمم التي فشلت فشلا ذريعا لعدةّ أسباب، أحدها عدم مشاركة الولايات المتحدة فيها. ومنذ انطلاقها واجهت المنظمة تحديات هائلة على صعيد حفظ الأمن والسلم الدوليين أبرزها انقسام النظام الدولي إلى نظام ثنائي القطبية بين قوتين تمتلكان حق النقض في مجلس الأمن، وتغطيان نسبة هائلة من ميزانية المنظمة.

 

رغم التردّي الواضح في النظام الدولي، والضعف البنيوي والتنفيذي للأمم المتحدة إلا أنها ما زالت حجرا أساسا في التخفيض من حدة الفوضى في أجزاء عديدة من العالم
 

إلا أن المنظمة حققت نجاحات ملموسة في مجالات عدة؛ مثل التنمية المستدامة ومكافحة الفقر والأمية وبعض الأمراض المتفشية والدفاع عن حقوق الإنسان، وقدّمت معونات إغاثية في معظم مناطق الحروب، والأهم من ذلك تأسيسها لقيم دولية ترسخت عبر ميثاق المنظمة والاتفاقيات اللاحقة التي رعتها. ومما لا يخفى على متابع -تحديدا العرب والفلسطينيون على وجه الخصوص- أن الإخفاق الأبرز للمنظمة كان في ميدان الأمن والسلم الدوليين. ومع أن وجود المنظمة حفف من كارثية النتائج، إلا أن الطموحات التي كانت موجودة أيام انطلاقها تلاشت مع اشتداد وطيس الحرب الباردة.

 

لعل هذا الكلام يعتبر غريبا بالنسبة للقارئ العربي الذي لم يسمع بوجود المنظمة منذ قيام العصابات الصهيونية بحملة تطهير عرقي وإبادة جماعية في فلسطين، مرورا بالغزو الأمريكي للعراق والأزمات المشتعلة في المنطقة إلى هذا اليوم. ونعم، بإمكاننا أن نسطّر مجلدات لا نهاية لها حول مشاكل الأمم المتحدة، تحديدا فيما يتعلق بإستراتيجيات وسياسات التنفيذ شبه المعدومة في حالات عديدة.

 

إلا أنه ليس بإمكاننا أن نظن أن مستقبلا بلا أمم متحدة سيكون أفضل من الواقع الذي نعيشه، وكما قال الأمين العام الثاني للأمم المتحدة داج همرشهولد: "لم تتأسس الأمم المتحدة لتُدخل الناس في الفردوس، بل لتبعدهم عن جهنّم!" فحتى انعدام آليات التنفيذ في القضايا الجنائية والأمنية هو مسألة متعلقة بالإجراء لا بأساس الفكرة، والمطلوب هو الإصلاح من أجل تجاوز هذا التحدي لا إسقاط كامل المنظمة وما يترتب عليه من عودة إلى الفكر الكلاوزفيتزي (Clausewitz) والنابليوني التوسعي والاستعماري.

 

فرغم التردّي الواضح في النظام الدولي، والضعف البنيوي والتنفيذي للأمم المتحدة، إلا أنها ما زالت حجرا أساسا في التخفيض من حدة الفوضى في أجزاء عديدة من العالم عبر تسهيلها لعدة اتفاقيات للحد من التسلح وحل النزاعات سلميا، وقيامها بتسليط الضوء على قضايا حقوق الإنسان في مناطق عديدة من مينمار إلى سوريا، عدا عن إيصال المعونات الإغاثية لسكان المناطق المنكوبة، وترويج التنمية المستدامة تحديدا في البلدان النامية، والضغط باتجاه الحفاظ على البيئة بدءا من بروتوكول مونتريال، مرورا ببرامج القضاء على الفقر والرفع من مستوى المعيشة وحجر الأمراض العابرة للحدود، وصولا للإنجاز الأهم؛ وهو الحفاظ على فكرة القانون الدولي كقانون معياري يفترض أن يسري على الجميع!

 

ولعل النقطة الأخيرة هي مربط الفرس في هذا النقاش، فالأجيال المعاصرة لم تشهد مذابح الإبادات الجماعية أثناء الحرب العالمية الثانية والتي حصدت ما لا يقل عن 6 ملايين نفس خلال خمس سنوات فقط!

 

التصريحات المتعلقة بالتمويل كما نطقتها السفيرة هايلي واللهجة والألفاظ السخيفة المستعملة والتي لا تمت بصلة لموضوع النقاش مثل "الحفاظ على السيادة الأمريكية" وغيرها، لا تبشر بخير
 
مبادئ نراها كمسلّمات

في أعقاب الحرب العالمية الثانية، ظهرت الأمم المتحدة كراعية للنظام الدولي ومشكّلة لمبادئه المعيارية، فتم تجريم الحرب، واعتناق مبادئ السيادة للدول وتقرير المصير للشعوب، بل وتعدى الأمر ذلك لوضع قيود على سلوك الدول خلال سلسلة من القوانين المعيارية المستمدة من ميثاق الأمم المتحدة والذي استُمِدّ بدوره من مبادئ الإنسانية والسلام. ورغم أن حصتنا كعرب من تطبيق هذه المبادئ لم ترق للتطلعات إلا أن نظرة شاملة لدور المنظمة تكشف لنا أن الانتهاكات كانت الاستثناء لا القاعدة! ولذا فإن سقوط أو تعثّر هذه المنظومة يعني عودة البشرية إلى العصر الاستعماري الذي يديره وزراء الحرب لا وزراء الدفاع، وتعود الحرب إلى دورها القديم؛ كاستمرار للدبلوماسية لا فشلا لها!

 

وإن الموقف الأمريكي هنا، والسلوك الأمريكي عموما يحملان في جعبتيهما آثارا كارثية على المنظمة وعلى العالم أجمع. فالتصريحات المتعلقة بالتمويل -أو "الاستثمار" كما نطقتها السفيرة هايلي- واللهجة والألفاظ السخيفة المستعملة والتي لا تمس بصلة لموضوع النقاش مثل "الحفاظ على السيادة الأمريكية" وغيرها، لا تبشر بخير. والأدهى كان طبيعة القرار؛ إعلان القدس عاصمة لـ"اسرائيل" والذي يناقض قرارات واضحة لمجلس الأمن، ومنها القرار المهم رقم 478 (1980) والذي طالب حرفيا "تلك الدول التي أسست بعثات دبلوماسية في القدس أن تسحبها من المدينة المقدّسة".

 

هل نسير إلى عالم من دون أمم متحدة؟ النظام الدولي الهَشّ، والذي تآكلت فيه الأقطاب والقوى العظمى وزاد تأثير القوى الإقليمية واللاعبين غير الدولانيين فيه، هو نظام هشّ لا يحتمل ضربة مثل هذه

ولعل الخطر الأكبر لا يقتصر على كسر هذا القرار، وإنما الهجوم الواضح على فكرة قداسة القانون والمسؤولية القانونية. فمن المعلوم أن مجلس الأمن -الجسم الأعلى في هرم الأمم المتحدة- هو مخول بصناعة القانون وإن لم تكن تلك وظيفته الأساسية. وأن تقوم دولة -وأمريكا ليست أي دولة فهي عضو دائم- بانتهاك حرمة قرارات المجلس فإن ذلك يحطّ ولا شك من قدر المجلس ومن احترام الدول لقراراته. ولعل كلمات مارتين لوثر كنغ الموجزة تضع الأمور في نصابها، حين قال: "الظلم في أي مكان هو تهديد للعدل في كل مكان!"، فالأخطر من انتهاك حق أو قانون معيّن، هو انتهاك حرمة القانون عموما.

 

استثمار تجاري؟

ومن أسوأ ما قالته السفيرة الأمريكية عقب التصويت إن أموالهم أو استثماراتهم كما نطقتها، يجب أن تستخدم في مكان يجلب المنفعة لهم! إن هذا إعلان واضح من فوق الطاولة أن الولايات المتحدة مستعدة لابتزاز الجميع، وأنها استثمرت أموالا في الأمم المتحدة -والتي صرفت في مجالات مختلفة منها الإغاثية- من أجل كسب مواقف سياسية، وأن "توقعاتهم المشروعة" يجب أن "تحترم". وبعدها تتحدث السفيرة عن قطع 285 مليون دولار عن ميزانية الأمم المتحدة، وأن مزيدا من هذه القرارات "على الطريق". إن الولايات المتحدة لا تقوض بذلك عمل المنظمة وحسب، بل تفتح باب المنظمة للمزاد العلني، فمن يدفع أكثر يحصد مواقف سياسية أكثر!

 

بين المحنة والمنحة!

هل نسير إلى عالم من دون أمم متحدة؟ إن كان الجواب نعم فنحن نتحدث عن عالم لا يقل بشاعة عن سنين الحرب العالمية الثانية. إن النظام الدولي الهَشّ، والذي تآكلت فيه الأقطاب والقوى العظمى وزاد تأثير القوى الإقليمية واللاعبين غير الدولانيين (المنظمات والتيارات الشعبية) فيه، هو نظام هشّ لا يحتمل ضربة مثل هذه. وفي السياق الفلسطيني، فإنه ورغم كل ذلك القصور في أداء المنظمة، إلا أن مستقبل القضية سيكون أصعب إن تم تقويض المنظمة!

 

إلا أنه في ظل هذه القتامة، كان في هذه الحادثة بارقة أمل؛ لقد راهن الكثير أن إصلاح المنظمة يستحيل من دون حرب عالمية ثالثة تعيد توازن النظام الدولي وترتيب القوى العظمى، إلا أن الاستيقاظ لخطر السلوك الأمريكي قد يدفع القوى الأصغر لإحداث اختراقات تتيح المجال أمام إصلاح الأمم المتحدة، والتغلب عليه أبرز تحدياتها البنيوية وإعطائها قدرات تنفيذية وأدوات حقيقية على الأرض. فقد كشفت هذه التصريحات عن الحاجة الماسّة لذلك، وسيأتي الحديث عن طبيعة وإمكانية هذا الإصلاح في موضع آخر إن شاء الله.

_____________________________________________________
تم كتابة هذا المقال بالشراكة مع الزميل آدم بن سعيد



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

تناولت الصحف والمجلات الأميركية قضايا ومواضيع متعددة ومتنوعة، منها ما يتعلق بالصحة العقلية للرئيس الأميركي دونالد ترمب والاحتجاجات الإيرانية والمفاوضات الكورية ومواضيع طبية متصلة بالحامل وأخرى بغازات البطن.

وصف وزير الخارجية الروسي لافروف الجمعة تهديدات السفيرة الأميركية بالأمم المتحدة نيكي هيلي لكوريا الشمالية بالتدمير بأنها "خطاب متعطش للدماء"، وقال إن استخدام القوة ضد بيونغ يانغ سيكون خطأ كبيرا.

الأكثر قراءة