بين سلفية وعلمانية ضاع دين الإنسان وإنسان الدين

لا ينكر أحد أن أشد الصدامات التي جرت في موضوع الدين كانت بين جماعات السلفية، التي تدعي أن "فهم" الدين و"تأويله" منوط بما تقوله لأنها تمثل "الهوية الأصيلة" للدين، وبين جماعات تحاول فصل الدين عن الإنسان، مدعية أن الأخير ليس بحاجة إلى دين في السياق الاجتماعي والسياسي. وبين هذين التيارين سالت دماء واستنزفت جهود فكرية كان من الممكن أن تصرف في بناء المجتمع وتطويره فكريا واجتماعيا. 
 
السلفية لا تعترف إلا بفهم واحد للدين وللنص الديني، فالفهم جامد ثابت لا يطرأ عليه تغيير ولا تبديل، ولا يخضع الفهم ولا أدواته لسياقاتها الزمانية والمكانية، وهم في هذا الإطار يسعون لفرض ما يرونه رؤيتهم الدينية على العالم دون مراعاة لأي اعتبارات أخرى، ويتناسون دور السياقات في تحديد مسارات الفكر وتطوراته.
 
أما العلمانية فهي تحاول فصل الدين عن سياقه الحياتي، بالادعاء أن الدين عبادات لا تتجاوز حدود المسجد، وهم في ذلك يسعون لمحاربة ما يرونه من تدين المرء في المجال العام، في حين أنهم أول الدعاة إلى الحرية الشخصية، ولا يرون تدين المرء أو المجتمع جزءا من هذه الحرية الشخصية.
 
بالرغم من محاولات البعض منهم قراءة الفكر الغربي في سياقاته الثقافية والاجتماعية، فإنهم في خضم محاولاتهم نفي الإنسان عن الدين يتصيدون أي فكرة دينية يرون فيها تعديا على الحريات الشخصية، بل إنهم لا يتوانون في إلصاقها بالدين وكأن الدين هو القائل بها أو الداعي إليها، ولا يبذلون أي جهد لفهمها في سياقاتها، وهم كما نلاحظ يركزون على أفكار من عاش في حقب زمنية امتازت بالاضطرابات السياسية، غاضين الطرف عن هذه الاضطرابات وما تحدثه من أثر لا ينكر على المفكر والعامي على حد السواء.
 
إن الزمان يفرض معادلة إعادة إنتاج المعنى من النصوص المقدسة لكي يشعر الإنسان بذاته، وإذا حذفنا عامل الزمن وعلاقته مع المعنى المُنتَج من النص تحول المعنى إلى مجرد حروف لا تبث الطمأنينة

 

نفت السلفية الإنسانية عن الدين، في حين أن العلمانية نفت الدين عن الإنسان، السلفية تدعي بأفضلية الماضي على الحاضر وبمعياريته المطلقة وعدم جواز تجاوزه بأية حال من الأحوال، وهي في ذلك جعلت الإنسان ذا بعد زمني يتجه بعقارب ساعته نحو الوراء، في حين أن العلمانية جعلت الإنسان محدودا بكتلة جسده وما تقع عليه عيناه من الكون المادي، وهي في ذلك جعلت الإنسان كائنا ذا بعد واحد يتجه ببوصلته نحو ماديته.

 
وبناء على أن القرآن كتاب من عند الله، فهو غير خاضع لزمان ولا لمكان، بل هو متجاوز لهما، ولا يمكن لأي رأي أو قول أن يحد معانيه وتجلياته بناء على منهج علمي لا على مجرد تخمين وضربة حظ، وإذا كان القرآن كتابا من عند الله فلا يجوز تجاهل علاقة الإنسان به، ولا يجوز محاولة قطع هذه العلاقة، فالإنسان إذا حصرناه ببعده المادي لم يعد ثمة ما يميز جوهره كمخلوق من بين هذه المخلوقات التي لا حصر لها. إن الزمان يفرض معادلة إعادة إنتاج المعنى من النصوص المقدسة لكي يحس الإنسان بذاته وبكينونته، وإذا حذفنا عامل الزمن وعلاقته مع المعنى المُنتَج من النص تحول المعنى إلى مجرد حروف لا تبث الطمأنينة.
 
للإنسان شغف بمحاولات إثبات كينونته وسعتها عبر محاولاته المتكررة إثبات أن عالمه أوسع من عالمه المادي، وما الموسيقى والفن إلا أدلة على هذا الشغف المتكرر، والنص الديني بأبعاده اللغوية الواسعة يعد مجالا لإثبات كينونة الإنسان الكبرى، التي يجد الإنسان فيها قصته فيقرؤها ليغذي عطشه الأنطولوجي والكينوني، ولأجل هذا فهو لا يفتأ يعود إلى النص مستلهما منه لا مجرد مكرر.
 
إن كلاً من السلفية -الواقعة في فخ الانبهار بالماضي- والعلمانية -التي ترى في مشروعها المنقذ الوحيد للشرق- لم يستطيعا أن يقدما مشروعا ينبع من الأمة وواقعها وسياقاتها الاجتماعية. والإنسان الذي ضاع في خضم الدفاع عن الماضي وادعاءات معصوميته، والدين الذي تم تحجيمه بدعوى أن الحل يكمن في ذلك، بات مسلوب الوجود، والنتيجة هي أننا عدنا إما بدين لا يقدم شيئا لإنسان اليوم أو بإنسان لا يقدم له الدين سوى مسجد صغير الحدود.


المزيد من المدونات

حول هذه القصة

أفادت صحيفة الحياة الجديدة الفلسطينية أن إدارة موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك قد رضخت للضغوط والتهديدات الاسرائيلية وأغلقت عددا من الحسابات الخاصة بالفلسطينيين بزعم أنها مارست التحريض.

الأكثر قراءة