الصراع على الأنفاق!

أبرز الإسرائيليون في الفترة الأخيرة قدراتهم التكنولوجية وغير التكنولوجية في كشف أنفاق المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة، وذلك على خلفية ما يعتبرونه نجاحا لهم في تدمير وتحييد نفقين استراتيجيين في الأسابيع الأخيرة الماضية. مما دعاهم إلى الإعلان بأن عهد الأنفاق قد ولّى، وأن حماس تبحث عن بدائل جديدة في البحر والجو؛ من أجل التعويض عن خسارتها لهذا السلاح الهام والكبير، فما هي حقيقة هذا الموقف الإسرائيلي؟

يرى وزير الدفاع الإسرائيلي ليبرمان، وفي مقابلة له مع "يديعوت أحرنوت" 17/12/2017 أن حماس تخشى المواجهة العسكرية، وذلك لأن إسرائيل باتجاه حرمانها من كل الأنفاق الهجومية على حد زعمه. ولقد عارض، وبنوع من الاستعلاء، قيام جيشه بقتل أكثر من 17 فلسطينيا في الآونة الأخيرة، كما استعرض موقفه الرافض لاستمرار تساقط الصواريخ على الأهداف الإسرائيلية دون أن يوضح مبررات رد الكابينيت المنضبط نسبيا على ذلك. وفي مقابل هذا أكد قائد المنطقة الجنوبية في الجيش الإسرائيلي سابقا "تال روسو" في مقابلة مع القناة 13 في التلفزيون الإسرائيلي قبل أيام أن مشكلة الأنفاق لم تنتهِ بعد، وأن التكنولوجيا الأخيرة وبعكس الشائع في وسائل الإعلام لم تحل المشكلة بشكل كامل، مما يؤكد وجود أهداف أخرى مثل الحرب النفسية المعتمدة على المبالغة في حجم الإنجاز الإسرائيلي في مجال الأنفاق.

قد تُحقق إسرائيل من خلال عزوها تدمير نفقين في الآونة الأخيرة إلى التكنولوجيا المتقدمة هدفا آخر عدا عن الهدف النفسي: وهو التمويه والتغطية على قدرات استخباراتية أخرى
 

ولتأكيد هذه القدرات نشرت وسائل الإعلام الإسرائيلية، في الأيام الأخيرة، صورا استعراضية لما أصبحت تسميه بمنظومة كشف الأنفاق -للتذكير بمنظومة القبة الحديدية- والقادرة على تجميع معلومات حول أنفاق المقاومة ومن ثم تشخيص النفق من خلال عملية الحفر العميق، ثم في المرحلة الثالثة يتم إدخال آليات خاصة أو روبوت صغير لداخل النفق لأهداف متعددة، ثم تأتي المرحلة الرابعة والأخيرة وهي تفجير أو إغلاق النفق بصورة تجعل صلاحيته للاستخدام مستحيلة. وقد أشارت "يديعوت أحرنوت" 11-12 إلى أن شركة "إلبيت للصناعات العسكرية الإسرائيلية" هي المسؤولة عن تطوير هذه المنظومة.

تسعى إسرائيل وعلى ما يبدو لإدخال المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة في حالة من الخوف والإرباك، وخاصة في ما يتعلق باستمرار جهودها في تطوير وبناء سلاح الأنفاق الذي شكل تهديدا استراتيجيا لها وخاصة في حرب 2014. فإسرائيل ترجو من ذلك أن تتردد ومن المحتمل أن تتباطأ عن بناء الأنفاق طالما شعرت أن إسرائيل قد وجدت -وفي نهاية المطاف- الحل السحري لمشكلة الأنفاق الاستراتيجية، إلا أن حماس لم تُظهر حتى هذه اللحظة أي نوع من أنواع الخوف أو الإرباك أو التردد في المضي قدما في تطوير مشروع الأنفاق.
 

" يظهر موقف المقاومة في قطاع غزة من الادعاءات الإسرائيلية السابقة ذكاءها، حيث لم تُستدرج للرد على هذه الادعاءات بالنفي أو التأكيد، ولم تسهم بهذا في تعزيز الدعاية الإسرائيلية "

قد تحقق إسرائيل من خلال عزوها تدمير نفقين استراتيجيين في القطاع في الآونة الأخيرة وبفترة قياسية نسبيا الى التكنولوجيا المتقدمة هدفا آخر عدا عن الهدف النفسي: وهو التمويه والتغطية على قدرات أخرى لها في مجال الاستخبارات، أي تمكنها من اختراق منظومات معينة للمقاومة، من خلال عناصر بشرية أو تكنولوجيا الاتصالات والتنصت، وبالتالي حصولها على معلومات قيّمة أدت إلى التوصل لهذين النفقين وتدميرهما مع احتمالية توصلها الى معلومات مستقبلية أخرى. وقد أشار رئيس الأركان "ايزنكوت" إلى دور الجهد الاستخباراتي في ملاحقة الأنفاق دون أن يركز الإعلام على ذلك، كما ركز على التكنولوجيا المتطورة.
 

ومن جهة أخرى، فإن إسرائيل مصرة على المضي قُدُما في بناء جدار "تحت أرضي" والذى تبنيه حاليا حول القطاع، وتزعم أنه سيتمكن بعد الانتهاء من إنشائه من إغلاق حدودها مع قطاع غزة بشكل كامل، مما يمنع اختراق الأنفاق الهجومية لهذه الحدود. إن هذا يطرح العديد من الأسئلة حول القدرات الحقيقية لتكنولوجيا كشف الأنفاق المزعومة، فما هي الحاجة الأمنية لإنفاق أكثر من 60 مليون دولار، والمخاطرة بتصعيد مع المقاومة في غزة من خلال استمرار بناء الجدار "التحت أرضي" إن كانت التكنولوجيا تحل مشكلة الأنفاق كما تدّعي إسرائيل.
 
من الممكن أن يكون لاستعراض اسرائيل قدراتها في مجال الأنفاق أهدافا اقتصادية تتعلق برغبتها في تشغيل صناعاتها العسكرية من خلال تصدير أسلحتها، الأمر الذي تعتبره استمرارا لدبلوماسيتها الهادفة لإنشاء تعاون وتحالف مع العديد من دول العالم، فهي تهدف لتسويق منظومة أمنية جديدة تعتبرها رائدة في محاربة سلاح الأنفاق، ولقد أشار ليبرمان إلى هذا المعنى قبل أيام في تصريح لمراسل "يديعوت أحرنوت" بأن دولا عديدة طلبت معلومات ولكن إسرائيل لا ترغب حاليا في بيع هذه التكنولوجيا لحين إكمالها على حد زعمه.

يظهر موقف المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة من الادعاءات الإسرائيلية السابقة ذكاء معينا، حيث لم تستدرج للرد على هذه الادعاءات بالنفي أو التأكيد، ولم تسهم بهذا في تعزيز الدعاية الإسرائيلية، وفي المقابل أظهرت المقاومة ثباتا ووضوحا في موقفها من استمرار مشروع المقاومة بكل أدواتها واعتمادها على سلاح الأنفاق الاستراتيجي للدفاع عن غزة، كما أنها لم تتدخل جديا في تعطيل مشروع الجدار "التحت أرضي" بإدراكها قواعد الاشتباك مع العدو، ولثقتها على ما يبدو في ما تمتلكه من وسائل تتجاوز العقبات الإسرائيلية.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

شرع الجيش الإسرائيلي ببناء مدينة تدريبات عسكرية بالجولان المحتل، من أصل ثلاث مدن ستبنى بالنقب وحيفا بهدف تحديث وحدات الجيش وجعل تدريبات ذراع اليابسة والمدرعات أكثر نجاعة وملاءمتها للتطورات التكنولوجية.

الأكثر قراءة