السلطان عبد الحميد وأرطغرل وخرافة المستبد العادل

المسلسلات والأفلام السينمائية والمسرح، والفن عموما هو محطة من محطات رحلة ترجمة الأفكار والرؤى التي يخطها المفكر والقائد لترسيخها في عقل الفرد، فهناك الكتاب والصحيفة والخطب والمؤتمرات والمعارض والمناهج التعليمية والبرامج الثقافية وما إلى ذلك، جميعها تساهم في تشكيل شخصية الفرد. وفي المجتمعات الديمقراطية يشارك الشعب عادة بواسطة مؤسسات المجتمع المدني بمختلف أطيافه في هذه العملية، بينما في الأنظمة المستبدة يقوم بها القائد والمجموعة المحيطة به.

ومن أهم الأعمال الفنية الدرامية التي تساهم في عملية التشكيل والقولبة والتي يتابعها الملايين من المشاهدين من مختلف أصقاع العالم الإسلامي مسلسلا "السلطان عبد الحميد" و"قيامة أرطغرل"، إذ يتحدث هذان العملان عن حقبتين من التاريخ التركي، الذي هو جزء من التاريخ الإسلامي، وأحد الأهداف التي يمكن أن نقرأها من خلال مشاهدتنا لهذين العملين هو إبراز الجانب المشرق من هذا التاريخ الإسلامي واستعراض التحديات الكبيرة التي يحفل بها هذا التاريخ، من مكائد داخلية وخارجية، تعمل على إحباط أي نجاح للمشروع الإسلامي.

ولا شك في أن السياق التاريخي يختلف عن السياق المعاصر، إلا أن صراع المصالح والسلطة والمشاريع المليئة بهما حلقات هذين المسلسلين هو الأمر الثابت والذي لا يتغير بالزمان والمكان.

مسلسل السلطان عبد الحميد (مواقع التواصل)

كما أن المشاهد يمكنه أن يلاحظ فكرة مشتركة تجمع بين هذين المسلسلين وهي فردانية واستبداد القائد في كل صغيرة وكبيرة في ما يتعلق بشؤون القبيلة أو الدولة والتي تظهر بشكل درامي يجعل المشاهد يتعلق بهذا القائد المخلص ويحلم بمثيل له يخرج علينا من بين أكوام الآلام والجراحات لينتصر بفضل فكره الثاقب وسيفه القاطع على قوى الشر والظلام.. وتبرز فكرة التفرد بالسلطة في مسلسل "أرطغرل" وبصورة ملحوظة في الجزء الثالث، بينما كان لمجلس القبيلة والمعلم ابن عربي في الجزء الأول والثاني دور بارز في التوجيه واتخاذ القرار.

ومن الملاحظ أن ما تقوم به تركيا من إنتاج مسلسلات كهذه يصبّ في رؤية للقيادة التركية تريد من خلالها المساهمة في بناء شخصية وعقلية جديدة للمواطن التركي. ولكن السؤال الكبير الذي يهمنا هو: هل تتوافق هذه الرؤية التركية مع تطلعات ورؤى الجماهير العربية التي خرجت في ثورات الربيع العربي؟

هذه الثورات التي لم تكن فقط ثورة على الظالم الفاسد المستبد وإنما كانت في الحقيقة ثورة على عقلية الاستبداد التي تعشعش في عقولنا. فقد عاشت الجماهير العربية لعقود خلال القرن الماضي في ظل أوهام القائد العربي الملهم وشعاراته. وقد كان يقف وراء هذا ويدعمه تيار عريض من مفكري القومية العربية وبعد فشل هذا المشروع واقتناع التيارات القومية والإسلامية الواعية بفشل هذه المشاريع القائمة على الحزب الواحد والفكر الواحد والقائد الواحد، جاءت جماهير ثورات الربيع العربي داعمة لهذا التوجه.

 

أعطى هذين المسلسلين لملايين المشاهدين الأمل بالخروج من هذه المحنة والأزمة الكبيرة التي تعيشها الأمة من خلال وصفة للنصر ليست معقدة كثيراً فهي تحتاج فقط إلى قائد مخلص
 

ولكن من الملاحظ أنه وفي ظل أجواء الانتكاسات التي منيت بها هذه الثورات ونجاح العديد من الثورات المضادة المدعومة من بعض القوى في الداخل والخارج، بدأت تبرز أفكار ثورة مضادة تؤمن بنفس قيم تيار القومية العربية والتيار الإسلامي الذي يحلم بالخليفة القائد الملهم. وجاء هذين المسلسلين في هذا التوقيت العصيب ليستعرضوا مشاهد عن التحديات والمكائد الداخلية والخارجية تحاكي ما تتعرض له ثورات هذه الشعوب من مكائد ومؤامرات.

فأعطى هذين المسلسلين لملايين المشاهدين الأمل بالخروج من هذه المحنة والأزمة الكبيرة التي تعيشها الأمة من خلال وصفة للنصر ليست معقدة كثيراً فهي تحتاج فقط إلى قائد مخلص، وهكذا نعود مرة أخرى إلى الأفكار التي عاشت عليها شعوبنا خلال قرون طويلة وهي تحلم بالقائد المستبد العادل كصلاح الدين وعبد الحميد. فقضية القائد المستبد العادل قضية قديمة ويحاول البعض الآن إخراجها بطريقة عصرية ومقنعة من خلال الإيحاء بأن النموذج التركي يسير نحو هذا النموذج.

والغريب أن تجارب الاستبداد المريرة التي مرت بها الأمة الإسلامية والعربية خلال القرون الماضية لم تشفع لها بإلغاء هذا النموذج من عقول الكثيرين والذي يقول عنه الكوكبي أن الاستبداد أصل لكل فساد وأن دواؤه هو الشورى الدستورية والتي من أحد تمثلاتها في عصرنا الحديث هو نموذج المنظومة الديمقراطية.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

لم ينصف كثير من المؤرخين والكتاب السلطان العثماني عبد الحميد الثاني، لكن فئة قليلة من الباحثين، القارئين التاريخ بتمعن، والمتفحصين الوثائق والمخطوطات الرسمية؛ تمكنوا من استخراج "صك البراءة" للسلطان.

ألهمت الموسيقى التصويرية الساحرة للمسلسل التاريخي التركي "قيامة أرطغرل"، المنشدَ الفلسطيني ناصر الغزاوي -المقيم في لبنان- فحولها إلى أنشودة حققت نجاحا واسعا على اليوتيوب.

الأكثر قراءة