2018.. هل تنجو غزة من المجهول؟

blogs - الجيش الإسرائيلي

ودعنا عاماً كان مليئا بالأحداث السياسية على الصعيد الوطني والعالمي وحتى على الصعيد الشخصي الاجتماعي، بعيداً عن التذبذبات والاتجاهات السياسية التي باتَ الغزّي يشعرُ بالملل من تطورات أحداثها وتناغمها مع الأوضاع الصعبة التي يعايشها. بدأ عام 2017 بعد سلسلة من السنوات السابقة التي ما لبثت أن تكون أسوأ الأعوام على قطاع غزة، فمن الحصار المفروض والأزمة الاقتصادية الحادة والنقص المستمر في المستلزمات الطبية والأساسية لحياة المواطن، وصولاً إلى التوترات السياسية الداخلية والخارجية. بالإضافة الى الكثير من الألغاز التي حيّرت وطرحت الكثير من التساؤلات، منها ما كان يتعلقُ بالمصالحة الفلسطينية وتطورات مراحلها بين النجاح أو الفشل، ومنها ما كان يتعلقُ بمصيرِ القدسِ بعد اعتراف ترامب بها، وأخيراً مصيرُ قطاع غزة بعد التوترات الأخيرة ما بين المقاومة الفلسطينية والجيش الاسرائيلي. فأين تتجهُ بوصلة الصراع ما بين المفاهيم والحقوق؟

لا أخفي بأن العديد من الشبان الفلسطينيين فعلَ ما لم يقم بفعله بعض القيادات السياسية بالحراك الشبابي نصرة للقدس لضرورة التأكيد على الحقوق والثوابت الفلسطينية التي يجب عدم المساس بها، ولكن كان هناك حلقة مفقودة في إدارة هذا الصراع ألا وهي حلقة إدارة الصراع بالمفاهيم التوعوية والثقافية التي يجب أن تدير هذه الواقعة بعقول وأهداف واستراتيجيات من شأنها تحقيق نتائج ملموسة وبشكل أفضل من الحراك المتأطر والمشتت، دون أي دعم لوجستي حكومي أو سياسي خارج عن الخطابات فقط. ففي الواجهة الأولى للداخل الفلسطيني تندرج هذه التوجهات الشبابية تحت مفهوم "جمعة غضب" لا أكثر في السياسة الإسرائيلية، وتتعامل معها بمفهوم قوة السلاح في مواجهة اللسانِ والسكين. وبالتالي هي ليست بفارق كبير أو مؤثر في الإدارة الإسرائيلية وإدارتها لهذا الصراع.
 

نحنُ لا ننتقص من قدرات شبابنا ولا نعيبهم بل نشدُ على أياديهم ونستذكرُ بطولاتهم ونحييهم على كل ما بذلوه وما يبذلونه فداء للقدس، بل نحاول أن نعالج بعض القضايا المتعلقة بمفهوم الاحتلال لهذه التحركات، وكيف يتعامل معها وفق رؤية متهيكلة ومتفاوتة ما بين الفعل وردة الفعل. والواجهة الثانية هي قطاع غزة، حيث يخرج الشبان الثائرون على الحدود الفاصلة مع الاحتلال ويقومون بإشعال الإطارات وتعليق الأعلام الفلسطينية على نقاط التماس بصدورٍ عارية دون أي إدراك للفوارق في إدارة هذا الصراع، بينما الجندي الإسرائيلي يكون مدججا بكل وسائل الدفاع وبكل سهولة ودون أي ضمير يقوم بقنص المتظاهرين وإردائهم أرضاً ليستشهد أحدهم ويجرحُ أحدهم. هل هذا يعني أن هذه المظاهرات غير فعالة في تغيير وحرف دفة هذا الصراع؟

كافة المؤشرات تشير إممكانية تهور الحكومة الإسرائيلية وقيامه بشن حرب جديدة على قطاع غزة، وذلك للتخلص من المطالبات الجماهيرية الداخلية الإسرائيلية المتمثلة في القضايا المتعلقة بالفساد الحكومي!
كافة المؤشرات تشير إممكانية تهور الحكومة الإسرائيلية وقيامه بشن حرب جديدة على قطاع غزة، وذلك للتخلص من المطالبات الجماهيرية الداخلية الإسرائيلية المتمثلة في القضايا المتعلقة بالفساد الحكومي!
 

الإجابة هنا متفاوتة بين نعم ولا، فنعم هي غير فعالة إذا استمرت على هذا الشكل ولا هي مجدية وذات ثِقل إذا ما تعلق الأمر بقيادة توعوية ثقافية سياسية من شأنها توعية المتظاهرين وإدراك المعطيات والتعامل وفقاً معها باستراتيجية موحدة ذات أهداف تعبر عن رفض هذا القرار بكافة الوسائل سواء كانت التقنية أو العسكرية المتمثلة بمحور المقاومة أو حتى الإعلامية التي من شأنها أن تكون بمثابة رسائل تكون موجهة للعالم، وما يترتب على خلفيات هذا القرار من انعكاسات ميدانية قد تتخذُ صورةَ حرب، فكيف ذلك؟ ازدادت مؤخراً وتيرة إطلاق الصواريخ من قطاع غزة على الداخل المحتل تزامناً مع عدم تبني أحد من فصائل المقاومة في الغالب المسؤولية عن عمليات الإطلاق التي تخرج من داخل غزة، والذي بدوره أشعلَ فتيل أزمة داخلية للقيادة السياسية الإسرائيلية في كيفية منع عمليات إطلاق الصواريخ.

بالإضافة الى مطالبة مستوطنين غلاف غزة الحكومة الإسرائيلية بضرورة منع عمليات الإطلاق وردعها والرد بكل قوة على حركة حماس كونها هي المسؤولة عن إدارة قطاع غزة، وهنا يستحوذنا تساؤل آخر: هل الوضع المتوتر الذي تشهده إسرائيل الآن من الممكن أن يجر الحكومة الإسرائيلية إلى دخول جولة رابعة لقطاع غزة؟ وما هي مؤشرات هذه الاحتمالية وكيفية ردعها؟ في الحقيقة كافة المؤشرات تشير إلى إمكانية تهور الحكومة الإسرائيلية وقيامها بشن حرب جديدة على قطاع غزة، وذلك يعود الى هذه الأسباب:

أولاً الفساد: للتخلص من المطالبات الجماهيرية الداخلية الإسرائيلية المتمثلة في القضايا المتعلقة بالفساد الحكومي والتي طالت لائحتها العديد من السياسيين والوزراء ورؤساء الأحزاب الإسرائيلية، فمن الممكن أن تشعل الحكومة حرباً ذات أهداف سياسية من أجل التخلص من هذه الانشقاقات ولمحاولة التأثير على الشعب الإسرائيلي بضرورة الالتفاف حوله بذريعة حماية إسرائيل من الجماعات الإرهابية في قطاع غزة، فضلاً عن ترك ملفات الفساد الحالية والتهرب من مسؤولياتها.

ثانياً التصريحات الإعلامية: حيثُ بدأت مؤخراً حملات كبيرة تنتقد فيها الحكومة الإسرائيلية واتهامها بالتهاون وعدم قدرتها على ردع حماس، وكانت أيضاً هناك تصريحات من أعضاء الكنيسيت وبعض الوزراء السياسيين بتحميل نتنياهو فشل حكومته بردع حماس في غزة، والتي تقتضي بأن هناك تأييدا كبيرا في إسرائيل لشن عدوان جديد من أجل إخماد الصواريخ العبثية على حد زعمهم.
 

من سياسة الحروب بين الأطراف معرفة قدرات عدوك وهو ما يودُ الاحتلال معرفته إلى أي مدى تطورت حماس بعد الحرب الأخيرة وكيف يتمُ ذلك دون عدوان يكشف خبايا جعبة المقاومة
من سياسة الحروب بين الأطراف معرفة قدرات عدوك وهو ما يودُ الاحتلال معرفته إلى أي مدى تطورت حماس بعد الحرب الأخيرة وكيف يتمُ ذلك دون عدوان يكشف خبايا جعبة المقاومة
 

ثالثاً التدريبات العسكرية: شاهدنا مؤخراً تدريبات مكثفة لجنود الاحتلال في محاكاة نموذج حرب قام الجيش الإسرائيلي بها والتدرب على كيفية التعامل مع الأنفاق وتفجيرها واقتحام منازل مجهزة بألغام لترفع من مؤهلاتهم القتالية؛ ليكون الجندي على أهبة الاستعداد عند الإشارة بالدخول إلى قطاع غزة. وهنا نستذكر التدريبات العسكرية المشابهة التي قام بها الجيش الإسرائيلي قُبَيل العدوان الأخير للعام 2014، حيثُ قام بتدريب جنوده في صورة مطابقة لما يفعله في الفترة الحالية.
 
رابعاً المقاومة الفلسطينية: حيث إن الكرة الآن في ملعب المقاومة، فسياسة التصعيد والهدوء بيدها وهي قادرة على التصعيد وقادرة على امتصاص واستيعاب هذه التوترات والاستفزازات التي يقوم بها الاحتلال ليجرها إلى حرب مفتوحة معه، فالمقاومة الآن أشدُ ضراوة من أي وقتٍ مضى وقدراتها الصاروخية ودفاعاتها تطورت أضعافاً مضاعفة بعد الحرب الأخيرة.

والاحتلال يعلم بذلك ويتابعُ عن كثب ما تحمله المقاومة من ذخيرة في جعبتها، بل ولا أكذب إن كان يطمعُ بمعرفة كممن صاروخ وطلقة تملك، فهي معلومات كنزية تعني الكثير له، ومن سياسة الحروب بين الأطراف معرفة قدرات عدوك وهو ما يودُ الاحتلال معرفته، أي إلى مدى تطورت حماس بعد الحرب الأخيرة؟ وكيف يتمُ ذلك دون عدوان يكشف خبايا جعبة المقاومة؟ والأمر الثاني هو التوقيت، حيثُ كان التوقيتُ مناسباً للطرفين؛ لإعادة ترميم القدرات العسكرية وتطويرها بعد آخر جولة. واليوم وبعد مرور ثلاث سنوات على الحرب الأخيرة نجد أن الجميع بات مستعداً للدخول في هذه المواجهة.

هذه الأسباب كانت هي دوافع رئيسية ومساعدة لإعلان قيام حرب تتوقُ المقاومة لها ويُهَوِّلُ الإسرائيلي منها، فلم يعد يحتمل مرارة ما ذاقه عندما اتخذت الحكومة قرارها الأحمق بالدخول إلى قطاع غزة في الحروب الماضية، فهذه المعركة بالنسبة للمقاومة هي بمثابة معركة كرامة لتأسرَ الجنود وتساومهم على الأسرى المعتقلين في السجون لتحريرهم، بالإضافة إلى المفهوم العقائدي بالدفاع عن أرضها على عكس الجندي الإسرائيلي الذي يكون قد دخلَ الحرب من أجل تنفيذ الأوامر فقط، فهي في الميدان تكون فارقة جداً، فالجندي الذي يكون قتاله دفاعاً لعقيدته يكونُ أشد ضراوة في مفهومه وتعامله.

أما الذي دخلها دون عقيدة وإيمان بها فيكونُ جباناً يخشى طيلة المعركة على حياته من أن يفقدها، وهذا يُفقده تركيزه ويشتتُ إيمانه بنفسه. ولنا في التاريخِ شاهدٌ على ما قامت به المقاومة اللبنانية في جنوبِ لبنان في حرب تموز عام 2006، حيثُ كانت عقيدة جنود حزب الله فارقاً وعاملاً رئيسياً في انتصارها بالحرب على إسرائيل واعتراف القيادة الإسرائيلية بفشلها في هذه الحرب ووصفها شراسة المقاومة اللبنانية في دفاعها عن أرضها أمام الجندي الإسرائيلي. تكلمنا عن الدوافع التي من شأنها إشعالُ فتيل الحرب، ولكن ما هي روادع إعلان قيام هذه الحرب؟ سنتكلم عنها في الجزء الثاني من المقالة بإذن الله، وإلى حينها كلُ عام وشعوبنا العربية بألفِ خير.