ماذا قالت تسريبات "تمام يا أفندم"؟

blogs تسريب القدس

كطلاب في الصف الأول من مدرسة ابتدائية مأخوذين بكلّ كلمة يقولها معلمهم وكأنها وحي منزل من السماء، بدا حال الإعلاميين والفنانين المصريين الذين سُرّبت مكالمات ضابط المخابرات المصرية "أشرف الخولي" معهم. ومن محاسن التسريبات أنها أرتْنا أن إعلاميين وفنانين ممن ينبهر بهم قطاع واسع من الجمهور ليسوا سوى نعال رخيصة في أقدام موجهيهم وصائغي وعيهم في دوائر التهريج الأمنية العربية.

 

ما بين فواصل: (تمام يا أفندم، صحيح، أكيد، حاضر، الله ينور عليك)، جاءت تفاصيل الإستراتيجية القومية المصرية "العظيمة" في التعامل مع موضوع القدس بعد قرار ترمب إعلانها عاصمة للكيان الصهيوني، وكان عماد تلك الإستراتيجية:

 

* لا فرق بين القدس ورام الله عاصمةً للفلسطينيين، وفي سبيل إنهاء معاناة الشعب الفلسطيني يجب الترويج إلى أهمية القبول بأي تسوية تنهي تلك المعاناة، وهذا ما تقوله صفقة القرن.

* أهم شيء ألا تندلع انتفاضة لأنها خطر على الأمن القومي المصري وستمنح الإسلاميين نفَساً، وستعيد إنتاج حماس على حد قول ضابط المخابرات.

* نحن سنستنكر مثل غيرنا من العرب عبر الفضائيات، لكن المهم أن نَفهم ونُفهم المشاهد بأن القرار سيصبح أمراً واقعا.

 

تبيّن التسريبات وجوه المهارات البائسة لإعلاميي النظام المصري وموظفي مخابراته، وكيف يتذاكى بعضهم وهو يلقي على مسامع ضابط المخابرات اقتراحات التدليس والتضليل

ليس الجهل مَن يحمل نظام الانقلاب المصري ومثله بقية الجوقة على اختزال مأساة الفلسطينيين في الحاجة إلى عاصمة لدويلتهم المجزأة وفاقدة الملامح، فليس خافياً عليهم مكانة القدس وقيمتها في وجدان الأمة، ومعنى أن يُسكَت عن تهويدها، لكنه التنافس في مضمار الخيانة وتقديم قرابين الولاء للإدارة الأمريكية ممثلة في ترمب، ولحكومة الاحتلال التي تراها تلك الأنظمة ضامنَ بقائها.

 

أما ذلك الهلع من اندلاع الانتفاضة وحسبانها مصدر تهديد للأمن القومي المصري، فواضح ما يقرّره هذا من تواؤم وتجانس وتماهٍ بين أمن سلطة الانقلاب في مصر وأمن كيان الاحتلال، لكنه يقول أيضاً إن الإسلاميين عموماً هم رواد المواجهة وعناوينها، وإنها منبعثة من صُلب مشروعهم، وبها يحْيَون وتكبر أفكارهم وتدنو أهدافهم، وهو أمر يعيه أعداؤهم جيداً مستبدين كانوا أم محتلين.

 

تبيّن التسريبات كذلك وجوه المهارات البائسة لإعلاميي النظام المصري وموظفي مخابراته، وكيف يتذاكى بعضهم وهو يلقي على مسامع ضابط المخابرات اقتراحات التدليس والتضليل، وحشد مفردات بالية بين يدي استنكار قرار ترمب، ليتحقق الهدف المنشود وهو التحذير من تحرك الشعوب، درءاً للفتن والحروب والدماء، وتجنّباً لمصير شعوب وبلاد أخرى حملت لواء الثورة، مع ما يتطلبه ذلك التحذير من قبول بالأمر الواقع، والتهوين من شأن القدس ورمزيتها وقدْرها.

 

أما الحقيقة المعروفة التي جاءت التسريبات لتؤكدها من جديد فهي موقف النظام المصري الأساسي من حماس والمقاومة الفلسطينية، وهو يبدو عقيدة عداءٍ راسخة أكثر من كونه موقف جفاء وضغينة وخصومة، لأن حلم صفقة القرن كما يرتسم في مخيلة أجهزة المخابرات المروّجة للصفقة، يقضي بخروج حماس من المشهد التالي لها تماما، وليس التغاضي عما يمكن أن ينعشها أو يمدها بأسباب البقاء.

 

لم تسجل هذه التسريبات -سواء أكانت متعمدة أم سُربت سرا- موقف النظام المصري فقط، بل كلّ عرّابي الخنوع والخضوع في العالم العربي، فلسان حالهم جميعا: استنكروا قدر ما تريدون، انفثوا لهيب غضبكم كلماتٍ وإدانات، إنما المهم أن يبقى الفعل معطلا، وأن تُدَس سموم التثبيط بين فواصل الكلام المستنكر الغاضب، أما الأهم فهو التحذير من بدعة الانتفاضة والتظاهر، لأن التظاهر قد يتدحرج إلى أفعال غير قابلة للاحتواء، وسيحرر الناس من خوفها، وسيعيد للميادين حرارتها، ولأن الاحتشاد يُشعر الناس بقوّتها وأسرار بأسها ومعاني تمردها على قوانين الطغاة، إذا سارت في سيل بشري واحد حاملة هماً واحدا.

 

علينا أن نعي مجدداً بأن مطالبة جماهير الأمة وأنظمتها بتحييد خلافاتها الداخلية والتوحد في معركة القدس هو مطلب خيالي حالم، أما الأكثر واقعية منه فهو أن ندرك ويدرك معنا أحرار الأمة أن المطلب الواقعي والمحق هو أن يشرعوا في هدم هذه الأوثان من حولهم، لأنها أوثان لم تَخلق العبودية وحسب، بل شرّعت الخيانة وجعلتها مسلكا وطنيا، وصبّت جهودها وأوقاتها وأموالها لتضليل الناس وتخدير إراداتهم. وحين تتحرر جماهير الأمة من سطوة أصنامها وتعرف أنها عدوّتها وأصل مأساتها، فإن الطريق إلى فلسطين سيكون مفتوحا، وستكون مفاتيح القدس مرئية لكل سالكي ذاك الطريق.