لا تعيش القدس في القصائد

blogs القدس
بينما يضج العالم الإلكتروني بالمشاعر الرقمية عن حب القدس والقصائد المنمقة، تجلس جدتي أمامي على الأريكة تكفكف دمع عينيها وتدعو بحرقة للمسجد الأقصى، وأنا كلي عجزٌ عن أن أرفع رأسي لأنظرَ إليها وأقرأ تلك القصائد وأسأل نفسي من أصدّق! 
 
الجدات لا يُتْقنَّ نشر التغريدات أو كتابة منشورات تترك في نفس القارىء قناعة أن هذا الشخص مهتم، ولكن هُنّ اللواتي علمننا معنى حب الوطن! تركت هاتفي وقراءة المنشورات التي تخص القدس واستمعت إلى حديثها عن القدس.. كُنتُ حينذاك في حاجةٍ لأن أعود بالزمن إلى الوراء لأبحث عن معنى القدس في عينيها الصادقة، لا في حروف المنشورات ذات العواطف المؤقتة.
  
جدّتي، التي ما إن حل بالقدس ما حل، حتى تذكرت كل مواقفها مع الوطن وبدأت تسرد لي قصصها وكيف كان التنقل بين بلدة من داخلِ فلسطين إلى خارجها أسهلَ من شربة ماء.. ما عليك سوى ركوب "الباص" وستروح وتغدو متى تشاء من القدس إلى عمان.. تذكر لي بعد ذلك أيام صِباها في الحرب حين دفعها حُب وطنها لأن تتطوع مع الصليب الأحمر لتداوي جرح الوطن في صدور أصحابِه. تذكر لي شخصاً شخصاً، ورصاصةً رصاصة.. تذكر لي السيدة الحاملَ التي أصيبت برصاصة في بطنها فماتت هي وجنينها. تذكرُ لي الشاب الذي حاولت إنقاذه لكن الرصاصة التي وصلت قلبه كانت أسرعَ من الزمن. تسرد وكأنها كانت البارحة معهم. تسرد وحب الوطن أراهُ ينسابُ من مُقلتيها. رأيتُ وطني من عينيها ولم أرهُ قط من شعاراتكم.
  
بعد كل هذا يأتي أشخاص يحكمون عليك وعلى وطنيتك ويحددون انتماءك من خلف الشاشة؛ فإذا كتبت عن قضيةٍ ما بكثرة فيعني أن انتماءك أعلى من انتماء شخص كتب عن الموضوع مرةً واحدة. يزايد عليك ويطعن في وطنيتك، وأظنهُ بلا جدّة ولا يرى القدس من عينيها، مسكين، هل الشعارات هي ما سيحرر القدس؟!
  

عند إعلان ترمب القدس عاصمة إسرائيل، تفجرنا غضباً وصارت الأرض في عيوننا أغلى من السابق! ما الذي تغيّر؟ ومن أين جئنا بهذه العاطفة! القدس مأخوذة منا منذ أن وطأتها قدم شارون!
عند إعلان ترمب القدس عاصمة إسرائيل، تفجرنا غضباً وصارت الأرض في عيوننا أغلى من السابق! ما الذي تغيّر؟ ومن أين جئنا بهذه العاطفة! القدس مأخوذة منا منذ أن وطأتها قدم شارون!
 

نحن الشباب المؤثرين على مواقع التواصل لا يجب أن تأخذنا الموجة فنركبها فقط كي يُقال عنا أوفياء، فنبدأ في إخراج مواهبنا الأدبية نكتب ولا يقرأ ما نكتبُ إلا نحن. بالطبع يجب أن نؤمن بقوة "السوشال ميديا" وقوة كلمة الحق، ونلوم كل شخص لديه هذه القدرة على التأثير مثل الشيوخ وأصحاب الرأي العام أن يكتبوا ولا يكتفوا بالكلام وإنما بالصعود على المنابر وقول كلمة الحق وإعلاء شأن المقدسات الإسلامية، لا طُرق المسح على الجوارب.. لكنْ ما دور الأقليات! هل ملاحقة الفيديوهات التي تنشر احقاداً ستُجدي نفعاً، أم التوعية ونشر تاريخ وحاضر القدس؟ إن التحرير يبدأ بدراسة القدس، متى كانت لنا ومتى سلبوها مِنا والتوقيت هو لُبُ الحكاية.
 
متى فقدنا القدس! عند إعلان ترمب القدس عاصمة إسرائيل، تفجرنا غضباً وصارت الأرض في عيوننا أغلى من السابق! ما الذي تغيّرَ؟ ومن أين جئنا بهذه العاطفة! القدس مأخوذة منا منذ أن وطأتها قدم شارون الوضيع، حينذاك فقدنا القدس. فقدنا القدس حينما قررت إسرائيل منع فلسطينيي الخارج من أن يدخلوها.. فقدنا القدس بعد ذلك حينما مُنع فلسطينيو الداخل من الصلاة في القدس. فقدنا القدس والعروبة و الشرف والعزة، لكنْ حال على هذه الأشياء الحول فنسينا وفقط ذكرنا ترمب بكل هذا، حينما قالها بصريح العبارة، ليثبت بأننا قومٌ نائمون، أقل فِطنة من أن نُدرك هذا.
  
أتعبنا النحيب كتبنا كثيراً والعاطفةُ أغرقتنا وما أعلنه ترمب هو صفعة لتذكرنا بقباحة السابق والعجز القديم الذي سول لكل وقح أن يتمادى أكثر، لكن لا بأس كلنا مكلومون والجرح أكبر منا والعجز كشف عن هشاشتنا، ونعلم أنه قد بُحّتِ الحناجر تنادي ولا حياة لمن تنادي.
  
وقع علينا ما وقع وانقسم الوطن العربي إلى غاصبٍين ناقم آخرون مباركين لإسرائيل انتصارها. وأمام هذا الخليط من الخيانة أصبحت المشاعر تُقاس بالكلمات والصو! عودوا إلى عيون جداتكم، اسألوهن عن القدس القديمة. كفوا عن قراءة أحقاد العرب النائمين. سيروا على نهج الذين عرفوا القدس قبل أن نعرفها، توقفوا عن التعلم من أصحاب الشعارات، واعلموا أن القدس عقيدة وميثاقٌ من الله غليظ ولا تعود القدس إلا بالافعال لا الأقوال.. فأعدّوا لهم ما استطعم من قوة فإن استطعتم فاقتلوهم حيثُ ثقفتموهم وإن لم تستطيعوا فقاطعوهم حتى تعود دياركم.. وإن لم تستطيعوا فاكتبوهم ليحفظ التاريخ حقكم وذلك أضعفُ الإيمان، وليكن في الحسبان أنّ أضعف الايمانِ لا يُعيد البلاد.