كركوك.. النار الأزلية

Blogs- kirkuk
جعل الموقع الجغرافي المهم من مدينة كركوك تاريخياً محل صراع بين البابليين والآشوريين والساسانيين والعرب المسلمين ومن ثم العثمانيين، فقد شهدت المدينة معارك عديدة بين تلك الإمبراطوريات وتعاقبوا على حكمها. وتعتبر كركوك من المدن التاريخية المهمة لقدم تاريخها، تدل على ذلك شواهد الآثار وما تناقلته كتب التاريخ عنها، ونتيجة ذلك تعددت الأعراق والأديان فيها، فقد أصبح يقطنها الكورد والعرب والتركمان والسريان، كما تعايش فيها المسلمون واليهود أيضاً، إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية، لكن اليهود هجروها بعد الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين.
 
في العصر الحديث تعرضت كركوك لصراعات عدة، تم فيها ترحيل الكرد من قبل النظام العراقي السابق، الذي عمل على تعريب المدينة عبر جلب سكان محافظات وسط وجنوب العراق إلى المدينة. بعد سقوط النظام العراقي عاد الكرد إلى بغداد ليشاركوا بقية العراقيين قيام عراق ديمقراطي موحد ذا سيادة، وشاركوا في كتابة الدستور الجديد مطالبين بأراض تم تعريبها خلال حكم الرئيس العراقي السابق صدام حسين، وأدرجت المادة 140 في الدستور لصالح الكورد، والتي تتعلق بالمناطق المتنازع عليها، وكان من المقرر تطبيق هذه المادة سنة 2007، لكن بغداد ماطلت في تطبيقها.
 
منذ ذلك الوقت اتجهت العلاقة بين الحكومة الاتحادية وإقليم كردستان نحو التصعيد بسبب عدم تطبيق بغداد أكثر من خمسين مادة دستورية، وقيام رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي آنذاك بتشكيل قوة عسكرية اتجهت إلى كركوك في محاولة للاستيلاء عليها ومن ثم دخول أربيل، حسب ما تناقلته وسائل إعلام عراقية آنذاك، وساءت العلاقة بين أربيل وبغداد وقطعت ميزانية الإقليم، وفي منتصف سنة 2014 تم تسليم الموصل ومحافظات أخرى مثل كركوك وصلاح الدين والأنبار لتنظيم الدولة الإسلامية بطريقة غريبة عليها عديد علامات الاستفهام إبان حكم المالكي، لكن الكورد استعادوا كركوك وبقية المناطق المتنازع عليها وسيطروا عليها، ليدخل العراق في مرحلة جديدة واستقبلت كوردستان أكثر من مليون ونصف نازح من المحافظات العراقية، وساهمت قوات البيشمركة، أيضا، في تحرير مدينة الموصل وفتحوا الطريق أمام الجيش العراقي لدخول الموصل .
 

يفكر البعض أن دخول كركوك من قبل القوات العراقية هو بمثابة نصر للحكومة العراقية واعتبروا حيدر العبادي بطلا بناء على ذلك
يفكر البعض أن دخول كركوك من قبل القوات العراقية هو بمثابة نصر للحكومة العراقية واعتبروا حيدر العبادي بطلا بناء على ذلك
 

بعد انتهاء معركة داعش، قرر الكرد إجراء استفتاء الاستقلال لمعرفة رأي الشعب الكردي، هل يريد الاستقلال عن العراق أم لا؟ صوت ثلاثة ملايين كردي بنسبة 92٪ لصالح الاستقلال هذا الأمر أزعج العراق ودول الجوار التي تملك ميليشيات داخل العراق، وكانت هناك إجراءات قاسية بحق الشعب الكردي، منها فرض الحصار الجوي وإغلاق مطاري أربيل والسليمانية، وأيضا قامت إيران بإغلاق حدودها مع كوردستان عدة مرات، حتى جاء يوم 16 اكتوبر يوم الخيانة كما وصفها رئيس الإقليم مسعود بارزاني، قامت جهة محلية كردية بالاتفاق مع أطراف أخرى عراقية وإيران، وحسب وجهة نظري بعلم أمريكا وبريطانيا، على انسحاب القوات الكردية من كركوك التابعة للاتحاد الوطني الكردستاني لتحل محلها القوات العراقية والميليشيات، وقاموا بأعمال عنف ضد المدنيين وحرق منازلهم وسرقتها، كما شاهدناها بالفيديو على وسائل إعلامية، واستولوا على مدينة كركوك بالكامل وكافة المناطق المتنازع عليها

يفكر البعض في أن  دخول كركوك من قبل القوات العراقية هو بمثابة نصر للحكومة العراقية، واعتبروا حيدر العبادي بطلا، ولكنها في الأساس، حسب وجهة نظري، اتفاق دولي لسيطرة بريطانيا على حقول النفط في المدينة، وبذلك تحاول بريطانيا أخذ حصتها من الكعكة التي لطالما تقاسمتها الدول في ما بينها على حساب حقوق الشعب الكردي.

استغلت إيران هذا الوضع وقامت بالاتفاق مع الحكومة العراقية بنقل نفط كركوك من خلال الأراضي الإيرانية وبشكل رسمي، وبذلك فإن المعادلة أصبحت دولية نوعا ما، بريطانيا تسيطر على آبار نفط كركوك وإيران تستفيد من نقل النفط عبر أراضيها مقابل سكوت هاتين الدولتين أمام القرار الأمريكي الذي اتخذته، وهو الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وبذلك فإن الكورد خسروا قدسهم كركوك والمسلمون خسروا قدسهم القدس.