قاصِرات الأطلس.. عرائِس فقدن جمالهن!

Blogs- morroco
هناك في ذاك المكان السحيق، في تلك القرية النائية، في سلسلة جبال الأطلس بالمغرب الأقصى، حيث مسقط رأسي في منزل طيني ضارب في القدم والتواضع، يقبع فوق تلة على سفح جبل شاهق.
 
أنا "يَطُّو الأنمزية" ذات الخمسة عشر ربيعا، أعاني في صمت وأبوح في حشرجة للطبيعة العذراء، هنا في قريتي الأمازيغية الصغيرة "أنمزي" بضواحي إملْشِيل، أستيقظ كل صباح لأروي قصتي المُرة من جديد، وأكشف عنها وشاح التعاسة؛ أتوكأ على عصاي وأهش بها على غنمي حاملة طفلي الرضيع فوق ظهري متوجهة صوب المرعى، في طريقي أرى صبايا يتلاعبن في فرح وسذاجة حاملات حقائبهن المدرسية يسرن نحو المجهول، آه أيتها الفتيات المسكينات لو تعلمن ما أعلم!!
 
كلما رأيتهن أخذتني رعشة وحزن يُدمي القلب، أكاد أختنق والدموع هَطَّالة على خدِّي الوردي، والعَبرات تخنق حنجرتي، أتذكر تلك الأيام بتفاصيلها المملة، في اليوم الذي جاء لخِطبتي شاب يكبرني بخمس سنوات من القرية، كان يحمل جَدْيا على كتفَيْه ويبتسم في خبث، كنت حينها في الثالثة عشر، في عمر الزهور، لكنني زهرة وسط بستان ذابل؛ درستُ كسائر الفتيات هنا إلى مستوى السادس ابتدائي، بعدها أخرجني أبي لأعين أمي في البيت وأرعى الغنم وأجمع الحطب والحشائش وأسقي الماء من وادي القرية، سرعان ما مرت السَّنَة وصرت في سن البلوغ، سن البلوغ هو الجحيم لكل فتاة بجبال الأطلس، إذا لم تتزوجي في هذا السن القاصر فسترمين بالعانس و"البَايْرة" من نساء المنطقة، ولن ترحمكِ نظراتهن المستفزة وهمزاتهن ونبزاتهن الحادة، فترمي الطفلة البريئة بنفسها في حضن زوج مستهتر وهي لم تعرف بعد ما تُقْدِم عليه من مسؤولية عظيمة استجابة للتقاليد العمياء.
 
قدَّم لي الشاب الذي صار فيما بعد زوجي ثم طليقي.. نعم طليقي، أثوابا وبعض الهدايا كالسكر والحلوى ومهرا بخسا يتراوح بين المائة والمائتي درهم، وأراق الأهل دم الجدي لتراق معه أول قطرة دم من مأساتي، ارتفعت الأهازيج الأمازيغية واهتزت الأكتاف بنسق متناغم تحت إيقاع رقصة أَحِيدُوسْ، أتذكر تلك الليلة المظلمة الكالحة السواد حين فقدت طفولتي، حين اغتُصبت في ريعان شبابي، حين صرخَتْ طفولتي ببراءة تلتمس المغيث.. ولا مجيب؛ وما هي إلا أيام يسيرة حتى صرت حاملا، وبعدها بأربعة أشهر طُلِّقت، نعم هكذا بكل بساطة، يكتفي الزوج بأن يلفظ بفيه الطلاق ويُشهد عليه شخصين ولا ضير أن يكونا من الأطفال.
 
undefined
 
لا أدري ما هذه التقاليد المنكرة، أين من يُحس ببراءتنا، بجمالنا؟ من يُقَدِّر أحلامنا وآمالنا في هذا الأطلس المنسي؟ أين القانون بل أين الدين من هؤلاء! أسمى أماني الفتاة هنا أن تدرس وتهرب من هذا الواقع البئيس، أو أن تتزوج برجل يبقيها في عش الزوجية، وهيهات لها من ذلك.
 
كل الفتيات تنتظرن موسم جَنْي الورود الذي يقام كل سنة في شهر آيار/مايو بقلعة مَكُّونة بمحافظة تِنْغِير، موسم الزهور والعطر والجمال، تشعر النساء فيه ببعض من القيمة والاحترام خصوصا تلك اللواتي يتبارين على ملكة جمال الورد؛ تقليد قديم يربو عن نصف قرن من الزمن، حيث انطلق سنة 1962 وكانت الفائزة به آنذاك السيدة تَوْدة أَمزْرِي، وتقتصر شروطه على أن تكون الفتاة أمازيغية جميلة الوجه ومُلمة بثقافات وعادات المنطقة، وخاصة بقلعة مكونة الشهيرة بإنتاجها للورد.
 

الطبيعة هنا خلابة، خُضرة وينابيع ماء صافية، كل صباح أمر بغنمي حَدْو تلك النسوة اللاتي ألجأهن الفقر إلى العمل، يجنين التفاح من الحقول كما تَمَّ جَنْي طفولتهن من قبل، يُغَنِّين في لا مبالاة بواقعهن المرير. كلما ضاقت بي الحياة واختلفت أضلاعي من شدة الحسرة أهرع لأُلْقي بأثقالي بضفاف النهر العذب، تاركة خلفي الغنم تسيح في السهول المزهرة، أشْخَص ببصري لعلي أرى قمة شجرتَيْ البلوط والصنوبر الشامختان، توحيان إليَّ بالثبات وعدم الاستسلام، أداعب بأناملي جدول الماء وأستمتع بصوت خريره وزقزقة عصافير الوادي، أرى صورة وجهي المنعكسة فوق صحن الماء وكأنِّي أرى ملاكا حزينا.

 
يا إلهي!! قد أوشك موسم الشتاء والبرد القارص والعزلة؛ البرد و"أبْرِيدْ" كلمات لا تشتركان فقط في الجذر اللغوي، بل يجمعهما قاصم مشترك أيضا؛ معاناة ساكنة جبال الأطلس، فأبريد بالأمازيغية هي الطريق، تهطل الثلوج هنا بكثرة فتكتسي السهول والجبال وشاحها الأبيض مُغلقة جميع المسالك، تاركة الساكنة في عزلة وكأنها محاصرة بجيش من المسؤولين غير المبالين.. هذه قصة الصغيرات الأمهات بعجالة، تكالب علينا الجهل والعزلة واللامبالاة، في انتظار أذن صاغية تحمل شُعلة النور لهذا الربع المنسي من بلاد المغرب.