فلسطين وواجبات المرحلة (2).. قوّة الصّهاينة المزعومة!

blogs - الصهيونية
تحدثّنا في التدوينة السّابقة من هذه السّلسلة التي بعنوان "نشأة القضيّة" عن نشأة الصّهيونيّة ومن يقف خلفها ومن أين تمّ دعمها وبقوّة، كما تحدثّنا عن علاقة "نابليون بونابرت" بالقضيّة الفلسطينيّة ولماذا أصبحت قضيّة؟ عن الصّهيونيّة المسيحيّة وكيف وقفت بقوّة وراء نشأة الصّهيونيّة اليهوديّة، عن "ثيدور هرتزل" مؤسّس الصّهيونيّة الحديثة، عن محمد علي باشا وفكرة توحيد مصر وسوريا، وعن بداية الاستيطان الصّهيوني الاحتلالي والإحلالي. وسنتابع عرض القضيّة والغوص أكثر فيها وسنتحدّث في هذه التدوينة عن:

1-دور روسيا القيصريّة وعلاقتها باليهود ودعمهم.

2-مشروع توطين اليهود في كينيا "مشروع أوغندا"، ولماذا كينيا ؟

3-قوّة الصّهاينة المزعومة.

4-فكرة الهيكل، ومن أين أتت؟

5-وثيقة "مستقبل فلسطين".

 

دور روسيا القيصريّة وعلاقتها باليهود ودعمهم

حين كانت ألمانيا وتركيا متحالفتين، كان الألمان الصّهاينة المسيحيون من أخذوا هرتزل إلى قيصر ألمانيا وعّرفوه عليه، وهذا الأخير كان صديق السّلطان عبد الحميد ومتحالف معهم سياسيّا وبالتّالي في سنة 1889 حاول أن يخبر السلطان عبد الحميد برغبته في تفريغ ألمانيا من اليهود، وهذا ليس حبّا باليهود، وإنّما رفضا لوجودهم، ولذلك وعد القيصر بمفاتحة السلطان بالموضوع وحصل ذلك بالفعل ولكن إسطنبول رفضت الفكرة، وفشلت فكرة إقامة وطن يهودي صهيوني في فلسطين في ذلك الوقت.

وفي عام 1903 التقى فون بلفيه وهو وزير داخليّة روسيا القيصريّة بهرتزل، ولاحقًا بعث إليه برسالة كتب فيها "تستطيع الصّهيونية أن تعتمد على تأييد معنوي ومادّي من روسيا"، وفي نفس الرسالة قال "إنّنا لا نريد التّخلّص من جميع اليهود الرّوس، إنّنا نريد فقط التّخلّص من المعدمين والمضطربين". روسيا في ذلك الوقت كانت تعاني من صراعات كثيرة ولاحقا سوف تصبح روسيا "البلشفية"، وبالتّالي هذه التصريحات والرسائل لم تؤت ثمارها فلم تُحْدث تغييرا حقيقيّا على فلسطين في نفس السنة 1903. اللّاسامية كانت موجودة في أوروبا في تلك الفترة، وليس فكرة الهولوكوست، ولم تكن فكرة محرقة وقتل اليهود بهذا الشّكل، كما حدث سنة 1917 لليهود في شرق أوروبا وروسيا.

عندما سأل بلفور وايزمان:
عندما سأل بلفور وايزمان: "هل هناك الكثير من اليهود يفكّرون أنّهم يريدون فلسطين؟" أجابه: "أنا أتحدّث باسم ملايين اليهود"!
 

مشروع توطين اليهود في كينيا "مشروع أوغندا"

في سنه 1903 ظهر تصريح بلفوري بريطاني، آرثر بلفور سنة 1903 كان رئيس الوزراء وليس وزيرا للخارجيّة، وبالتّالي وافق على توطين اليهود في كينيا، وهذا المشروع كان يهدف إلى منع هجرة يهود شرق أوروبا الفقراء، ممّا يعني أن بلفور نفسه كان ضدّ اليهود وكان لا ساميا ولا يريدهم أن يهاجروا إلى بريطانيا، فقد أقّر قانونا في ذلك الوقت وقام بدعمه بشكل كبير سُمّي بقانون "الغرباء" في سنه 1903 ،1904 ،1905 وكان يخطّط لتوطين اليهود في كينيا سُمّي بـ"مشروع أوغندا" لأنّ أوغندا كانت تضمّ كينيا. كان آرثر بلفور نائبا من محافظة مانشستر، أصبح رئيسا للوزراء، وكان يسعى وغيره من السّياسيين إلى مشروع توطين اليهود في كينيا ليس اليهود البريطانيين في الأساس، وإنّما يهود شرق أوروبا الذّين كانوا يهاجرون إلى بريطانيا، وكان يقول: "هؤلاء اليهود لا يتزوّجون منّا" فكانوا يعيشون في أحياء منفصلة منغلقين على أنفسهم ولا يتعاطون كثيرا مع الحياة المدنيّة الأخرى.
 
ولكن لماذا كينيا؟ كانت بريطانيا دولة استعمارية وقوّة عظمى، فكانت لها أرض تسيطر عليها في كينيا وكانت تراها مناسبة لليهود، وحتى الحركة الصّهيونيّة في المؤتمر الصّهيوني السّادس وافقت بالأغلبيّة على استعمار كينيا.

 

مصير المشروع: في سنة 1906 التقى وايزمان مع آرثر بلفور وناقشا مشروع توطين الصّهيونية اليهودية في كينيا "مشروع أوغندا" ولكنّه فشل !من هو "وايزمان"؟ في سنة 1904 توفى ثيودور هرتزل، وظهر على الشّاشة شخص يريد تغيير محاور القضيّة، وهذا الشخص هو حاييم وايزمان، كان أكاديميا أصله من روسيا البيضاء درس في ألمانيا كما معظم الصهاينة في ذلك الوقت، وحصل على الدكتوراه في الكيمياء من سويسرا، ثم غادر إلى بريطانيا ودرس في جامعة مانشستر ولم يتوقع أحد أن يصبح من أهم الشخصيات وأبرزها في الحركة الصهيونية.

في 1915 قّدّم صموئيل هربرت للحكومة البريطانيّة وثيقة سرّية اسماها
في 1915 قّدّم صموئيل هربرت للحكومة البريطانيّة وثيقة سرّية اسماها "مستقبل فلسطين" أكّد فيها أن قادة العالم سيرحّبون بضمّ فلسطين إلى الإمبراطوريّة البريطانيّة!
 

وايزمان التقى آرثر بلفور، وبعد ذلك أصبح أوّل رئيس للكيان الصّهيوني، وفي عام 1906 دافع عن خيار فلسطين. وعندما سأل بلفور وايزمان: "هل هناك الكثير من اليهود مثلك يفكّرون أنّهم يريدون فلسطين؟" أجابه: "أنا أتحدّث باسم ملايين اليهود" وكان قوله كذبا خالصا لأنّ الأغلبيّة العظمى من اليهود في ذلك الوقت كانت ضدّ الصّهيونية أو غير مهتمّة من الأساس. إذن فقد بدأ وايزمان حراكه السّياسي بالكذب، ولم يكن قد زار فلسطين بعد، فقد قام بزيارتها أوّل مرة عام 1907 حين شارك في تأسيس الاتّحاد الصّهيوني لشركة "تطوير أرض فلسطين" التّي كان الهدف منها شراء الأراضي أثناء الحكم العثماني، وتوطين أكثر عدد من الصّهاينة حيث وصل عددهم في تلك الفترة إلى 20000 مستوطن صهيوني تقريبا.

وقد حصل وايزمان الرّوسي على الجنسيّة البريطانيّة عام 1910 وكثيرون ممّن رأوْا في فلسطين وطنا لدولتهم المزعومة. ملحوظة: قصّة الأسيتون والمادّة الحارقة كلّها كذب التّي ادّعى وايزمان أنّه اخترعها. ومن هذه الإضافات الصّهيونية التّي وضعوها في مصادرهم أنّ وايزمان كان ذكيّا جدّا ودليل هذا الكلام موجود في الجزء السّادس من موسوعة الدكتور عبد الوهّاب المسيري "اليهود واليهودية والصّهيونية"، والتّي يذكر فيها كيف أنّ الصّهاينة حاولوا أن يصوّروا أنفسهم أذكياء جدّا. وهنا سؤال من أين أتت قوّة الصّهاينة؟ لم يكن لديهم قوّة، لذلك كانوا يحاولون الاختباء تحت جناح قوّة أخرى، فقد قالت الأوراق البريطانيّة السّرّيّة: إنّ وايزمان كان محدود الذكاء، ولكن كان من الماكرين الذّين فهموا أن اختباء الصّهيونيّة تحت جناح قوّة كبيرة سيضمن لها الاستمرار.

فكرة الهيكل، ومن أين أتت؟ سنة 1894 قبل سنتين من خروج كتاب هرتزل "دولة اليهود"، أخذ أحد الصّهاينة المسيحيّين هرتزل إلى بيته، وأطلعه على مجسّم لهيكل وقال له: "نحن (الصّهاينة المسيحيّين) جهّزنا لكم كلّ شيء وهذا هو الهيكل الذي سوف تعيدون بناءه". وهذا يوضّح من أين أتت هذه الأفكار. وثيقة "مستقبل فلسطين": في شهر يناير 1915 قّدّم "صموئيل هربرت" للحكومة البريطانيّة وثيقة سرّية اسماها "مستقبل فلسطين" هذه الوثيقة من أربع صفحات أكّد فيها أن قادة ومناصري الصّهيونيّة في العالم سيرحّبون بضمّ فلسطين إلى الإمبراطوريّة البريطانيّة، وهذه الوثيقة فيها خطوات مفصّلة لبناء كيان صهيونيّ في فلسطين، يقول صموئيل بوضوح في هذه الوثيقة: "ضروري وضع أربعة ملايين يهودي صهيوني في فلسطين".

وهذه الأفكار التّي وضعها استندت إلى أفكار بريطانية سياسيّة متراكمة عمرها 80 سنة، فهم كتبوا في الصّحف والمجلّات والجرائد عن هذه القصّة عام 1839. في التدوينة القادمة بإذن الله سنوضّح: من هو "هربرت صموئيل" ودوره في دعم وتطبيق تصريح بلفور على أرض الواقع؟ من هو مارك سايكس؟ وما هو صندوق استكشاف فلسطين؟ ودخول أمريكا على خط الحرب العالميّة الأولى سنة 1917 ودورها في دعم الصّهيونيّة.