عن السيدة ليف وما فعلته بالراهبِ المُتعبّد!

Blogs- liv
لا الدواء الذي حلّ موعده، ولا الفيلم الذي اقترب عرضه، ينفعان على معدة فاضية، وكافتيريا السينما لم يكن بها سوى الفشار والمقرمشات التي تُسمن ولا تغني من جوع، لم تكن السينما الصغيرة تقدم شرائح البيتزا وسندوتشات "الهوت دوغ" كسائر سينمات نيويورك، فهي تتبع مركز لينكولن الثقافي الذي ينظم مهرجان نيويورك السينمائي. كنا يومها في خريف 2012 وكنت ذاهبا للغداء لدى أصدقاء يسكنون قرب المركز، وحين رأيت أفيش الفيلم على لوحة إعلانات المركز، وعرفت أنه سيُعرض بعد ساعة بحضور مخرجه، توجهت فوراً إلى شباك التذاكر، وما إن وجدت تذكرة متاحة، حتى اتصلت بالأصدقاء، طالبا تحويل الغداء إلى عشاء، متحججاً بحالة طارئة.

 

لم تكن المنطقة المحيطة مليئة بخيارات الأكل السريع الآمن، اشتريت سندوتشي فلافل وشاورمة من عربة تقف على ناصية المركز، كان عاملها كالعادة مصرياً، من قليوب ككثير من العاملين على عربات الطعام في شوارع نيويورك، لكن ذوقه الغنائي كان مختلفا عن غيره، فغالبية أقرانه يسايرون بالنهار أحدث صرعات الموضة الغنائية الرائجة في مصر، ويخصصون فترتي المساء والسهرة لأم كلثوم، وفترة الصباح الباكر للقرآن الكريم والتواشيح، أما صاحبنا فقد كان يستمع في منتصف النهار إلى الجميل المنسيّ عمر فتحي، منعني ضيق الوقت من سؤاله بالتفصيل عن ملابسات ذلك الاختيار المتفرد، فعزمت أن أعود إليه ثانية، وحين عدت أكثر من مرة بعد ذلك، لم أجده على العربة، لا هو ولا عمر فتحي، حتى بتّ أظن أني تخيلت وجوده.

 

في ركن مجاور للسلالم الطويلة المؤدية إلى السينما، جلست لآكل وأنا في غاية "الصربعة"، لألحق بموعد الفيلم، أمضغ و"أزلُط"، وأترحم على أيام سينما الكورسال التي كنت أدخلها في الشتاء بعلبة شوربة عدس وطلب مكرونة باشاميل و"شويّة يوستفندي"، وسينما الفانتازيو الصيفي التي أختصها بسندوتشات الكبدة والسجق و"شوية جوافة أو كمثرى". قبل أن أشتبك مع سندوتش الفلافل، اقترب مني رجل عجوز يتأبط سيدة شقراء، لولا بعض التجاعيد في وجهها ويديها، لما أدركت أنها ربما كانت فوق الستين، سألني الرجل عن مكان السينما التي كان لا بد أن تمشي قليلا لتصل إليها بعد صعود السلالم الطويلة، أشرت إلى اتجاه السينما، أشرق وجه السيدة بضحكة، وهي تنبهني إلى "تهطيل" الطحينة على لحيتي وقميصي، تبادلنا الشكر ضاحكين، ليتجها نحو السينما مسرعين، وسرعتهما جعلتني أنظر إلى الساعة، فأقرر عتق بقية السندوتش، مسرعا إلى دورة المياه لأخذ الدواء وغسل يدي وقميصي، واللحاق بالفيلم.

 

في الموعد المحدد، ظهر أحد منظمي المهرجان على المسرح، وقال إن هناك مفاجأة سارة بانتظارنا، لو كان مسؤولو المهرجان يتوقعونها لأعلنوا عنها مسبقاً على أوسع نطاق، ولتم عرض الفيلم في أكبر قاعات العرض التابعة للمركز، طالبا من الجميع الترحيب بالممثلة العالمية الرائعة ليف أولمان، والتي كنا على وشك مشاهدة العرض الأول لفيلم تسجيلي بعنوان "ليف وإنجمار"، يحكي قصة العلاقة الفنية والعاطفية التي ربطتها بالمخرج العالمي الشهير إنجمار برجمان. حين دخلت السيدة ليف إلى المسرح منحنية للصالة التي ارتجّت بتصفيق حار محب، اتضح أنها ذاتها الشقراء المتماسكة التي نبهتني إلى تهطيل الطحينة، والتي لم أشك للحظة في كونها ليف أولمان بجلالة قدرها، لأنهم أعلنوا عن حضور المخرج فقط، وأظن أنني حتى لو عرفت بحضورها، لما تصورت أن تلك النجمة التي صورت بعض أفلامها مع برجمان بالأبيض والأسود قبل حوالي خمسين عاما، ستظل متألقة بذلك الشكل الذي لا بد أن يثير شجون أناس مثلي، بهدلوا أجسادهم فـ"مرمَطهم" الزمان.

 

بوستر الفيلم تسجيلي
بوستر الفيلم تسجيلي "ليف وإنجمار" (مواقع التواصل )

 

كانت صورة ليف الأكثر حضوراً في ذاكرتي، مأخوذة من مشهد في فيلم برجمان "سوناتا الخريف"، اختارتها دار المدى كصورة غلاف النسخة العربية من سيرتها الذاتية "أتغير"، أحد كتبي المفضلة والملهمة، والذي أدين له بالكثير، لأنه كان عاصماً من القواصم النفسية في فترة عصيبة من حياتي، لم أكن قد تصالحت فيها مع متاعب غياب اليقين ودوام القلق، ولم أكن قد أدركت بعدُ مثل ما أدركت ليف أهمية التوقف عن الإيمان بوجود السعادة الدائمة، أهمية التعايش مع الإحساس بالذنب والندم على أخطائك، أهمية البحث الدائم عن الهدوء والسكينة "لعلك تتمكن من الإنصات إلى ما يجري داخلك دون أي مؤثرات دخيلة"، أهمية القتال من أجل الحب في حرب مصيرية تعلم أن مكاسبها لن تدوم، وأن خسائرها أيضاً لن تدوم إلا إذا أردت لها أن تدوم، أو كما جاء في الأثر المُبتذل: "واهوه من ده وده، الحب كده".

 

كان الفيلم عند حسن ظني به وأكثر، لم تكن قصة صنعه نفسها تقل جمالا عنه، فمخرجه الهندي الشاب ديراج أكولكار، خريج هندسة العِمارة الذي عمل لسنوات في الأفلام التجارية الهندية، عثر على كتاب "أتغير" بالصدفة في مكتبة أستاذ له عام 2006، وكان تأثير الكتاب عليه مزلزلا. بعدها بعام كان قد سافر إلى لندن لدراسة السينما، ليعرف هناك بخبر وفاة برجمان، وحين لم يجد في الصحافة الإنجليزية أي تصريحات منسوبة إلى ليف عنه، أدرك أنها لن تضيف إلى ما قالته في كتابها، تملكه الحلم بأن يحول ما كتبته إلى صورة، فوجد نفسه يكتب قصيدة عنها وعنه وعن برجمان، وبمساعدة صديقة له حصل على عنوان ليف في النرويج، وأرسل إليها القصيدة مصحوبة برسالة بها فكرة الفيلم كما يحلم به، ليفاجأ بها تتصل به بعد أشهر متأثرة جدا بما كتبه، وتعده بأنها ستكسر صمتها وتمنحه مقابلة لو وجد فرصة لتمويل المشروع.

 

حين ذهب إلى أغلب منتجي السويد بلد برجمان، وجد من الجميع رفضاً غير مفهوم للمشروع، وبعد فترة عثر على جهة إنتاج في النرويج بلد ليف، لكنه فوجئ بأنها لم تعد راغبة في المشاركة، لم ييأس، وأصر على اللقاء بها، وحين طلبت منه أن يخبرها لماذا يرغب بشدة في عمل فيلم كهذا، شرح لها في خمس دقائق فقط، أنه لا يرغب في صنع فيلم عن شخصها هي وبرجمان، بل يرغب في صنع فيلم يخصه عن الحب والزمن والصداقة، وبعد أن أنهى حديثه، أمسكت بيده وقالت له: سأشترك في الفيلم، لكنه سيكون فيلمك أنت وحدك، تفعل به ما تشاء، فقط سأضع بندا في العقد، يضمن لي حق دعوة الجميع لعدم مشاهدة الفيلم إذا لم يعجبني.

 

undefined

    

أخذها ديراج إلى الجزيرة السويدية، التي ولِدت فيها قصة حبهما، فور مجيئها من وطنها، لتشارك في بطولة "بيرسونّا" فيلمها الأول مع برجمان، حكت ليف كيف ترك كل منهما زواجه، وارتبطا ببعضهما فنيا وإنسانيا، كانت خائفة لأنها كانت أصغر منه بحوالي عشرين عاما، لكنها كانت مغمورة بمشاعر حبه، وهو بدوره قال لها: "منذ أن رأيتكِ أصبحتِ في كل مكان"، تتأمل بداية علاقتهما، فتقول إنها كانت تبحث عن الأمان المطلق والحماية والانتماء، أما هو فكان يفتش عن الأم وعن ذراعين دافئتين مُشرعتين لاستقباله بدون تعقيدات.

 

بعد فترة وجيزة أنجبت له ابنتهما لين، وعاشا معاً في جزيرته التي حاولت أن تحبها بطريقته، لكنها فشلت برغم محاولتها التغلب على مشاعر العزلة، كلما تركها طويلا ليغرق في كتابة أفكاره ومطاردة أحلامه، لتدرك بعد وقت قصير خطورة ما كان يرويه في أفلامه عن الشر الوجودي المغوي الذي لا يمكن تفسيره، وتجد نفسها مواجهة بتصاعد غيرته وعنفه، لم يكن عنفه جسدياً بالضرورة، لكنه كان يستطيع قول أشياء مؤلمة تبقى للأبد، شعرَت بالرعب حين أدركت خطورة غضبه الموجه ضدها، والذي بدأ يظهر حين يوجهها كمخرج في مشاهد خطيرة، كمشهد يأمرها فيه أن تقترب أكثر من اللازم من نار مشتعلة، أو مشهد داخل قارب في عرض المحيط، يجبرها فيه ألا ترتدي ملابس ثقيلة في جو مميت البرودة، وبعد أن فقدت قدرتها على تحمل تعذيبه، اتفقا على الانفصال، ورحلت بصحبة طفلتها ذات الرابعة، لتجرب بعدها ألماً جارحاً وحزيناً، ألمُ أن تُترك، وهو الألم الذي غيّر ما بداخلها للأبد.

 

فيما بعد أرسل إنجمار إليها قائلاً إن الانفصال كان ضرورياً، لكي لا يشعلا النار في بعضهما البعض، قال إنه لا يزال يحبها، وإنه يثق في قدرتهما على إيجاد طريقة للحياة "قريباً من بعض"، قررت ألا تعيش محتفظة بالمرارة داخلها، لم يكن تحقق ذلك سهلا، كانت تشرب حتى الثمالة، وتتصل به وتقول أشياء سيئة، وحين تفيق في اليوم التالي، تتصل لتقول ضاحكة: يجب أن تكون سعيدا لأني لم أتصل بك أمس، فقد كنت غاضبة جدا، فيقول ضاحكا: لقد اتصلت بي فعلا. شيئاً فشيئاً بنى الاثنان جسرا بينهما، فأصبح كل شيء أفضل من ذي قبل، وكان أفضل ما في الأمر أنها عادت للعمل معه ثانية، مع أنها ذهبت أيضاً إلى هوليوود وبرودواي، وحققت نجاحات كبيرة هناك، لكنها ظلت تعتبر أن أفضل إنجاز مهني حققته، حين قال لها إنها ممثلته المفضلة.

 

قرأت ليف في الفيلم بعضا من أجمل رسائله لها، قرأت مقتطفات مما كتبته عن رحلتهما الطويلة، أجلستنا في أماكنهما، لامست العلامات التي كان يرسمها خلف باب غرفته، ليسجل الأيام التي عاشاها سعداء سوياً، حكت عن وقائع اليوم الذي أدركت فيه أنه سيغادر الحياة، ليكمل رحلته في مكان آخر في الكون، نظرت إلى الكاميرا وقالت: "أؤمن دائما أنه معي، بدليل أنني حين أقول الآن شيئاً سخيفاً عنه، يرسل الذباب ليقتحم الكادر ويفسد التصوير".

 

رأينا كيف تصالحت أكثر مع برجمان، لتصل صداقتهما في سنينه الأخيرة إلى أجمل ذراها، بينما كانت لا تزال غاضبة منه حين كتبت الكتاب
رأينا كيف تصالحت أكثر مع برجمان، لتصل صداقتهما في سنينه الأخيرة إلى أجمل ذراها، بينما كانت لا تزال غاضبة منه حين كتبت الكتاب
 

وحين أنهت ليف حكاية قصتها مع إنجمار، وصل الفيلم بالصدفة إلى ذروته التي منحته بصمة فريدة، حدث ذلك حين أمسكت متأثرة بدبدوب صغير، كان إنجمار يحتفظ به منذ طفولته، وكانت قد رأته على فراش الموت ممسكاً به، لتلحظ وجود ورقة داخل "سلوبيت" الدبدوب، وحين فتحت الورقة، فوجئت أنها رسالة كانت قد أرسلتها إليه في أيامه الأخيرة، لتنهمر دموعها وهي تقرأ الرسالة أمام الكاميرا: "عزيزي بنجمار ـكانت وحدها التي تدعوه هكذاـ يمكن أن يجرب أناس كثيرون ما أعطاه لي لقائي بك في الحياة، إنها 34 سنة منذ أن جلسنا هنا، وقلْتَ لي يومها نحن مرتبطان سويا بشكل مؤلم، نعم، يا له من ارتباط مليء بالنعم، شكرا لك، أنا مرتبطة بك بشكل مذهل، ليف"، لينتهي الفيلم على وقع تلك اللحظة التي كثّفت مسيرة إنسانية وفنية حافلة ومدهشة.

 

خلال الندوة التي أعقبت الفيلم، رفعت يدي مراراً للمشاركة دون أن يستجيب منظم الندوة، نظرت ليف إليّ مبتسمة، وقالت له مشيرة إليّ: "أرجو أن تسمح له بالسؤال الأخير فلولاه لما عرفت مكان السينما"، وأنا أحاول مغالبة حماسي لكي أتقن توصيل ما سأقول، حدثتها عن تأثير كتابها الجميل علي، وعن اختياري لمقتطف منه يتحدث عن علاقتها بالكتب، لكي يتصدر كتاباً أعده عن علاقتي بالكتب، تأثّرت بما قلته، وعلّقت مبتهجة: "حين يصل تأثير كتابي إلى شابين من الهند ومصر، ماذا يمكن أن أطلب ككاتبة أكثر من ذلك؟"، واصلتُ أنني سعيد لأن الفيلم عكسَ صدق التزامها بفكرة التغيّر التي اتخذتها عنوانا لكتابها، ولذلك رأينا كيف تصالحت أكثر مع برجمان، لتصل صداقتهما في سنينه الأخيرة إلى أجمل ذراها، بينما كانت لا تزال غاضبة منه حين كتبت الكتاب، حتى إنها أحياناً لا تذكر اسمه بل تدعوه "والد ابنتي لين"، ثم قلت إنني أتوق لمعرفة ما الذي يمكن أن تضيفه الآن إلى الكتاب، مما تعلمته خلال السنين التي أعقبت صدوره، لم تفكر طويلاً، وقالت بحماس: سأضيف كلمتين فقط أعتبرهما أهم ما تعلمته في الحياة: "let go"، وحين صفقت القاعة، سارعت لأكتب ترجمتي لما قالته، مفضلا اختصاره إلى كلمة واحدة: "عدّيها".

 

بعد أن انتهت الندوة، تواصل لطف السيدة ليف معنا، حين تحلّق بعضنا حولها، متجاهلين رجاء المنظمين لنا بأن نخلي القاعة فوراً، ليبدأ فيلم آخر، كان أول من أخذ مبادرة الذهاب إليها، قسيس وسيم أشيب الشعر، كان يرتجف بشكل ملحوظ فور اقترابه منها، وحين سلّمت عليه بلطف بالغ، تشجع قائلا لها بتأثر حاول إخفاءه بالضحك، إنه أصبح راهباً، فقط حين أدرك استحالة اللقاء بها في الواقع، تأثرت ثم قالت ضاحكة "للأسف تأخر الوقت لتصحيح خطأ كهذا"، ضحكنا، في حين بدا أن الرجل على وشك أن يقضي نحبه بفعل جرعة زائدة من النشوة، وهي أجهزت عليه حين قالت له: "هل تسمح لي باحتضانك؟"، فصدرت عن الرجل أصوات غير مفهومة، اعتبرتها ليف إذنا لها بأن تحيطه بذراعيها بمودة غامرة، كنت ممن نجحوا في منع أنفسهم من البكاء، لم يوفق الآخرون في ذلك، ولعلّ تماسكي جعله يحسن الظن بي، ليهتف قائلا: "أرجوك هل يمكن أن تلتقط صورة لنا؟"، قلت له: "طبعاً طبعاً هات موبايلك"، ليفاجئني بقوله: "ليس لدي موبايل"، قلت متعجبا: "كيف سأرسل لك الصورة إذن؟"، ولن ألومك لو لم تصدق أنه قال بهدوء عجيب: "المهم أن يحتفظ أحد، أي أحد، بهذه اللحظة"، جاءت إجابته صاعقة بشكلٍ دفعت ثمنه الصورة المزرية التي التقطتها للحظتهما الرائعة.

 

undefined

  

  قبل أن أحصل على فرصة لتجويد الصورة، بتشغيل الفلاش الذي كان ضرورياً في ذلك الركن المظلم من القاعة، جاءنا صوت رجل أمن حازم يطلب منا ترك القاعة فوراً، ولأن "أوبشن" السيلفي لم يكن قد أصبح متاحاً بعد، ولأن الراهب العاشق كان الأقرب إلي وقتها، فقد مددت يدي إليه بهاتفي، طالبا منه أن يصورني مع ليف قبل أن تغادر القاعة، وقد كان ذلك قراراً خاطئاً كما ترى، وأنا لم ألُمه حين رأيت الصورة المهتزّة، ليس فقط لأنه اختفى تماماً، وكأنه رُفِع إلى السماء بعد أن نال ما تمنى، بل لأنه لم يكن ليليق أن تطلب من عاشق قديم أن يلتقط لك صورة مع محبوبته، ثم تلومه على ارتعاش يديه.

 

undefined