عملة تفضح حاملها

blogs داني دانون

قال السفير داني دانون، مندوب العدو الصهيوني لدى الأمم المتحدة، إن القدس جزء لا يتجزأ من تاريخ "إسرائيل" ومن عقيدتها، ولا أحد يستطيع تجاهل ذلك. وأضاف دانون، خلال كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة،(21/12/2017)؛ إن "إسرائيل" بنت معبدها في القدس ووجودها في القدس قديم وغير قابل للتجاهل، لا التصريحات الجوفاء ولا اجتماعات الأمم المتحدة ستبعدنا عن "أورشليم".

 

وتابع  المندوب الصهيوني لدى الأمم المتحدة قائلا: "أحمل عملة نقدية تعود إلى 67 بعد الميلاد، مكتوب عليها "حرية صهيون"، وهي دليل واضح على معبدنا الذي بني للمرة الثانية، وفيه كل البصمات اليهودية ونحن وجودنا في القدس وأورشليم قديم وغير قابل للتجاهل، لا تصريح اليونسكو ولا الخطابات الجوفاء ولا اجتماعات الأمم المتحدة ستبعدنا عن أورشليم".

 

في هذا السياق، كتب المتحدث باسم مكتب رئيس حكومة العدو الصهيوني، اوفير جندلمان، عبر حسابه الرسمي على موقع التواصل الإجتماعي "فيسبوك": "هذه العملة طبعت عام 67 على يد يهود بـ"أورشليم" ونقش عليها باللغة العبرية "حرية صهيون" . ما من قرار في الأمم المتحدة يستطيع أن ينكر تاريخنا في عاصمتنا الذي يمتد لـ 3800 عام. الجهود الفلسطينية لإنكار تاريخنا وحقوقنا مجرد تطويل للصراع". وتحت هذا الكلام نشر صورة للعملة المذكورة.   

 

undefined

هنا أجد لزاماً علينا إبداء بعضَ الملاحظات:

– لن أمل من تكرار حقيقة معروفة، وهي أنه بعد مرور أكثر من قرن ونيف على التنقيب الأثري الذي لم يترك شبراً أو حجراً من أرض فلسطين دون قلبه، لم يعثر على أثر واحد يربط "العهد القديم" بها، وأي ادعاء بغير ذلك هو غير صحيح على الإطلاق وتزوير للحقائق.

 

– في القرن العاشر، في فلسطين. لا يمكن للمرء أن يتكَّلم على وجود مملكة "إسرائيل"، لأن وجود مؤسسها، داوود وابنه سليمان، مجرد وهم وخيال، ولا يمكن أن نتكلم عن عاصمة من دونِ بَلدة. تقول عالمة الآثار الهولندية، مرغريت شتاينر في خلاصة كتابها "القدس في العصر الحديدي (1300- 700 ق.م)": "إن الحفريات الكثيرة التي جرت في القدس وحولها، لم يعثر فيها على أي أثر لمدينة محصنة: لا أسوار كبيرة ولا بيوتا ولا حتى أي قطع من أوان فخارية سائبة.. لا وجود لمدينة القدس قبل القرن السابع قبل الميلاد كمدينة مأهولة تدب فيها الحياة".

 

يقول الباحث الفلسطيني في علم التاريخ والمسكوكات، محمد الزرد: "تفرّد اليهود بدراسة نقود تلك الفترة وصنّفوها على هواهم بما يخدم مصالحهم الاستيطانية في فلسطين"

– أما ادعاء داني دانون وأوفير جندلمان حول نسب العملة المعدنية [التي تم سكها في عام 67  بعد الميلاد] إلى اليهود، فهو كذب تاريخي، فلم يسجل على العملة اسم السلطة التي قامت بإصدارها، فكيف تسنى لهم نسبتها لليهود؟! ومن المؤكد أن النقود في هذه الفترة كانت رومانية برموز فلسطينية، ولم يكن لليهود [إن وجدوا] أي كيان سياسي أو أقتصادي مستقل.

 

في هذا الصدد يقول المؤرخ سليم عرفات المبيض في كتابه "النقود في فلسطين"، تحت عنوان "سكة النقود الرومانية في المدن الفلسطينية": "شاعت النقود المدنية واتخذت أشكالاً عديدة. متنوعة، ظهر على وجهها جميعاً رأس الإمبراطور واسمه وألقابه. أما ظهور النقود فقد اختلفت باختلاف المدن، وتميزت بحشد متنوع من الرموز والآلهة، وذلك وفقاً لمعتقدات كل مدينة، واتجاهات حاكمها وتوجهاته.  

 

– العملة -التي يزعم حاملها أنها عبرية-  ليست مكتوبة إلا بلغة أرامية، ولا يوجد أي رمز أو حرف يشير إلى اليهودية أو العبرية من قريب أو بعيد.

 

يقول الباحث الفلسطيني في علم التاريخ والمسكوكات محمد الزرد: "تفرّد اليهود بدراسة نقود تلك الفترة وصنّفوها على هواهم بما يخدم مصالحهم الاستيطانية في فلسطين، وللأسف أخذ معظم مختصي المسكوكات العرب تلك الدراسات دون محاولة إثبات رؤية أخرى لها". ويضيف الزرد: "المسكوكة (العملة) من معدن البرونز، فئة الفلس، ولا دليل بالمطلق على تسميتها بالـ (بروتا) كما يزعم الصهاينة". وحول الكتابة على العملة، قال: "مأثورة (الحرية لصهيون) لا توجد مطلقا على المسكوكة (العملة)"، واستطرد: "بعد ترجمتي للكتابة الآرامية على القطعة (لغة أهل فلسطين في تلك الفترة) وجدت الآتي: "الوجه، ورقة وفرع شجرة عنب، حولها مكتوب ما ترجمته (يوم حرث)، أما الظهر فمكتوب ما ترجمته (سنة ستين). وأعتقد أنها سُكّت بمناسبة يوم أو عيد زراعي، خاصة أن فلسطين تشتهر بأجود أنواع العنب". ويختم الزرد قائلا "طبعا معظم مسكوكات وطرز تلك الفترة موجودة في مجموعتي الشخصية من المسكوكات". [رسالة خاصة من الباحث الفلسطيني في علم التاريخ والمسكوكات، محمد الزرد، إلى كاتب المقال أحمد الدبش].