القرضاوي في ميزان الحقد

blogs القرضاوي

هاجت دول الاعتلال وماجت، نفخت في كير الحقد، وغذّت منطق الجهل والاستعباد في المنطقة، مطلقة أذرعها الإعلامية لنهش لحم رجل قبلته الإمارات يوما في دبي، ومنحته جائزة شخصية العام الإسلامية، وقال له محمد بن راشد صراحة: كان والدي الشيخ زايد يحبك ونحن تلاميذك.

هو ذات الشخص الحائز على جائزة الملك فيصل، العائد منذ أشهر قليلة من السعودية بعد لقاء مع مفتيها العام الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، وأكدا في اجتماعهما على ضرورة "ترسيخ القيم العليا في الإسلام الداعية للمحبة والبر والتسامح ". وحذرا إثارة النعرات المذهبية والطائفية، وتجريم هذا العمل، مع التصدي للقنوات والوسائل الإعلامية التي تثير الكراهية بين المسلمين أو بينهم وبين غيرهم. فما الذي حدث حتى ينقلب آل الشيخ ومن ورائه السعودية وأتباعها على كل ما وقع مع الشيخ يوسف القرضاوي؟!

إنها السياسة عندما يزج بها للتلاعب بالقيم والمبادئ فيحركها كيفما يشتهي ربان الحظيرة، فالقرضاوي الذي ألف مقارعة الحكام والملوك منذ العهد الملكي في مصر، تمكن من بلورة مفهوم واضح للإسلام الوسطي، له فيه وعليه، ولكن ما ميزه نهج رسمه بين تيارين متناقضين؛ أحدهما انبطاحي ملوكي لا يرفع القائمون عليه أعينهم على حاكم يبجلونه باسم الإسلام ويبررون له كل جريرة بحق الأمة مهما عظمت.
 

كانت الجريرة الكبرى للرجل سياسية كيدية، تتمثل بتأييده لثورات الربيع العربي التي هدت حكاما وهددت آخرين، عندما دعا إلى إنشاء دول عصرية في المنطقة بمرجعية إسلامية

والثاني هجوم تكفيري لا يراعي مآسي الأمة وضعفها وتحكم الأعداء فيها، فاتخذ من السيف منهجا بعد أن خلع عن الناس والحكام عباءة الدين فلبسها مستحلا دماءهم بأيديه وأيدي أعدائه! هنا، أي صراع مع الجهاديين كانت أسسه واضحة، فالقرضاوي مرجئ مداهن للحكام يسعى لتشويه فريضة الجهاد بالسيف باسم العلم.

فما بال الصنف الأول من مشايخ السلطة وحكامها؟ وأعني هنا صراعه مع دول لها وزنها في المنطقة، فالسعودية مثلا والتي ما فتئت تصدح بأنها قبلة المسلمين وحكامها، هم خدمة الحرمين الشريفين، اعتنقت وروجت لتيار من السلفية التي نزعت رداء الإسلام ضمنا عن معظم التيارات الإسلامية الفكرية والروحية.. من بينها الإخوان المسلمون والصوفية.

بينما احتضن آل زايد النهج الصوفي وبثوا أفكاره القائمة على التعبد والزهد وترك ما لله لله وما للشيخ للشيخ، والشيخ هنا بالمعنى القبلي، في محاولة لكسر انتماء الإماراتيين للمدرسة السلفية التي يتزعمها مشايخ تحت عباءة حكام السعودية. فأطلقت حدثاء الأسنان على فضائياتها لتسفيه كل مخالف أيا كان نهجه.

في أتون هذا الطحن الديني الإقصائي جمعت قطر بين جنباتها كل تلك التيارات. ومن هنا بدأ الاحتراب ضد قطر التي سمحت لبعض المضطهدين من المفكرين الإسلاميين غير السلفيين بالعيش على أراضيها دون أن تتدخل بآرائهم، وكان من أبرزهم الخارج حديثا من سجون جمال عبد الناصر، أي القرضاوي، الذي سخر كل وقته للعلم والاجتهاد في نوائب المسلمين بعيدا عن الروحانيين وأصحاب النص الجامد، مسخرا كل وقته للفقه ونوازله الشائكة في أوروبا والعالم الإسلامي، ساعيا بذلك لتعبيد طريق يعيد فيه للمسلمين هويتهم التي يحاربها القوميون والعلمانيون من جهة، والراديكالية الإسلامية من جهة أخرى.

بلغ الرجل اليوم من العمر عتيا، اجتهد فأصاب وأخطأ، ولكنه لم يفت فيما أفتى يوما لصالح ملك أو رئيس أو أمير
بلغ الرجل اليوم من العمر عتيا، اجتهد فأصاب وأخطأ، ولكنه لم يفت فيما أفتى يوما لصالح ملك أو رئيس أو أمير
 

وكانت الجريرة الكبرى للرجل سياسية كيدية، تتمثل بتأييده لثورات الربيع العربي التي هدت حكاما وهددت آخرين، عندما دعا إلى إنشاء دول عصرية في المنطقة بمرجعية إسلامية لا مكان فيها للديكتاتوريات التي تقتات على دماء الشعوب وقوت يومهم. ومن هنا أيضا اتفق عليه حكام الإمارات الساعون لكسر المد الإسلام السياسي في المنطقة من جهة، وحكام السعودية الراغبون باعتناق كل المسلمين لنهجم في التذلل لهم من جهة أخرى باسم الحرمين. وكلاهما حانق على الإسلاميين خوفا على كراسيهم.

فجندوا لتشويه صورته الأموال ومشايخ السلطة وغربيين، وكذا الإعلام الذي اعتمد في محاربته نهج "ويل للمصلين" دون إكمال ما بعدها، فاقتطعوا من كلامه أحاديث روجوا لها وزجوا بها في وسائل التواصل الاجتماعي، المائدة الكبرى للشعوب تستقي منها دون تأكد. فنهش لحم الرجل وعرضه.

يحسب للقرضاوي أنه عاش حياته مناضلا من أجل قيمه، وما نزع لامته مدهنا رغم قساوة وبشاعة سنين الحرب التي خاضها ابتداء من زنازين العهد الملكي مرورا بسجون جمال عبد الناصر وصولا إلى سحب جنسيته في عهد السيسي… بلغ الرجل اليوم من العمر عتيا، اجتهد فأصاب وأخطأ، ولكنه لم يفت فيما أفتى يوما لصالح ملك أو رئيس أو أمير.