الحبّ في زمنِ الحرب

blogs فتاة سورية

كل مرة يراها يكاد لا يصدق إن كانت هي ذاتها، تلك الفتاة التي علمها الكتابةَ، والعود، والرسم، وأهم من ذلك كله علمها الحب. الحب الذي يجمع كل هذا. حبها كان أكثر ما يعتصر قلبه. كانت بالنسبة له كالنسمة التي تمر مرور الكرام، ترسم بسمة على شفتيه، بالرغم مما هم فيه من الأحزان، كيف لحزن أن يسعدك؟ أي النساء تلك التي تحزنك وتسعدك في الوقت نفسه؟ أيحتاج الإنسان إلى الحزن كي يعشق إلى هذا القدر؟ أيحتاج إلى أن يبكي؟ أيجعلنا الحب أكثر إنسانية وإشفاقا وانهزاما أمام أحزاننا واختلافاتنا؟

 

كتب الجميع عن الحب، وصفوه بكل الصفات، أعطوه مسميات كثيرة تجاوزت حدود معاجم اللغة وقواميسِها. غريبة هي اللغات كيف تختلف وتتشابه؟! تختلف في مسمياتها، تتشابه في أحاسيسِها، تتسابق وتتنافس في مخزون كلماتها التي تصف الحب. يتفوق الحب، لا تعبر عنه لغة، ولا يعطيه حقه وصف. 

 

كانت أكثر النساء جاذبية، أكثر الفتيات شقاوة، أكثر الأطفال عنادا. رأى الحياة في أشهرها الأولى، ومنذ اللحظة الأولى، شعر أن روحه تطلب روحها، تشتاق إليها. كمغناطيس يتنقل في عروقه وعروقها، يمسك يديها، يمسح على شعرها، يضمها إلى صدره في كل مرة تجيء فيها حزينة، فيمتلئ قلبه حبا لها.

 

 ما زال يذكر الليلةَ التي أيقظته فيها، كانت في الثانيةَ عشرة من عمرها، دخلَت إلى غرفته تبكي وتشهق، استيقظ، أخذها بين ذراعيه، كان يدرك أنها كبرت قليلا، لم يكن باسطاعتِه أن يحضنها بعد الآن، لكنّه فعل، فعل من أجلِ الإنسانية والحب والحرب التي تركتها طفلة وحيدة في هذا العالم المُوحش وحيدين، عاجزين، يتيمين.

 

الحربُ لا تنتهي ببساطة، الحرب تولد حربا أكبر منها، تنتج بشرا لم يتبق عندهم ما يمكن خسارته،، ولا تبقي لديهم خيارات، تلِد وحوشا على هيئة بشر
الحربُ لا تنتهي ببساطة، الحرب تولد حربا أكبر منها، تنتج بشرا لم يتبق عندهم ما يمكن خسارته،، ولا تبقي لديهم خيارات، تلِد وحوشا على هيئة بشر
 

يومذاك بكَيا بمرارة، كان يجلس خلفها مخفيا دموعه عن وجهها، لم يكن يريدها أن تراه يبكي يوما، لم يتبق لها أحد في هذا العالم سواه، وضعت رأسها على الوسادة أمامه، بكت. مرر يده على شعرِها، دموعها تنهمر على وجهها البريء، تختلط بدموعِه، عندما تكلمت تحدثت بغصّة:

– أنا أيضًا أريد أن أموت. 
-لا، عليك أن تكبري، وتُحققي حلمك بالتخرج والزواج، وإنجاب الكثير من الأولاد.
-لكنني خائفة، خائفة جدا.
-لا بأس عليك. الخوف هو ما يبقينا على قيد الحياة..
– تسأله: فلم أرحل إذا؟
– لأن الحرب تدمر كلّ شيء، تجعلك تكره كل شيء، تحقد بالرغم من كرهك للحقد، تجرك نحو الجنون، لا شيء يعوض الإنسان إن فقد عقله وإيمانه، أخاف أن تخسري ذلك كله، ارحلي مع الراحلين، أنتِ أجمل من أن تكرهي.

 

هل يحتاج الإنسان إلى من يشاركه ذكرياته في فرحه.. وبكائه، كم تتمنى لو كان ينتظِرها في الخارج.. مِن بينِ كل ذكريات حياتِها لا تذكر سِواه، ولا تعرف أحدا غيره شاركها كل شيء، دموعَها

– متى تنتهي الحرب؟
– الحرب لا تنتهي ببساطة، الحربُ توَلدُ حربا أكبر منها، تُنتج بشرا لم يتبق عندهم ما يمكن خسارته، ولا تبقي لديهم خيارات، تَلدُ وحوشا على هيئة بشر. تبدأ بينَ طرفين، تُولَد أطراف أخرى، تصبحُ بين جماعات متوحشة. الحرب تقيم الدنيا ولا تقعدها.

علمها عزف العُود، لأنه يرى أن الموسيقى غذاء كل شيء، الأحلامِ، والخيالات، والقصص التي تفتنك كي تبقيك حيا. مَن يعزف الموسيقى لا يعزف لحنا فقط، وإنما يعزف القسوة، والحب، والخوف، والوحدة التي عاشها، بها تدرك ما في الروح من مشاعر.

بين العود والعرب الكثير من التشابه، العود أكثر الآلات تعاسة، والعربُ أكثر الشعوبِ حزنا، وأكثر البشر تعاسة. العود عاشق لعازفه، والعربي رأى من البلاد الغدر، والخيانة، والحرب، والخوف، وما زال عاشقا لها. عاشقا حتى الثمالة. 

 

تأملت ثوب التخرج ودمعة حبيسة في عينيها، أتغبِط صديقاتها اللواتي لبسن الثوب قبلها بساعات، وبدأن بالتبرجِ المُعتاد، هي التي لم تخلع عنها ملابس النومِ، وبقيت حبيسةَ الفراش والدموع تنهمر على وجنتيها. هل يحتاج الإنسانُ إلى مَن يشاركُه ذكرياتِه في فرحَه.. وبكائه، كم تتمنّى لو كان ينتظرها في الخارج.. مِن بينِ كل ذكرياتِ حياتِها لا تذكر سواه، ولا تعرف أحدا غيره شاركها كل شيء، دموعها، صراخها، لقيمات طعامها.. 

 

لكنه لم يأت لأن بينها وبينه أبحرا وأنهارا وجداول كثيرة، لا يستطيع تجاوزها، فهو في بلاد وهي في أخرى، لا تعرف كيف تصِل إليه ولا هو قادر أن يتجاوز نقاط التفتيش والأكشاك على طولِ الطريق، هي في بر أمان وهو بقي محاصرا بِويلات الحرب وصراخ الأطفال. كتبت له الكثير من الرسائلِ التي لم تصِل، وراحت تحلق في سماء العالم الأزرقِ بحثا عنه، يوم يومان، شهر وشهران، حتى وجدته حرا في وطنه. فكتبت له:

– رحلت أبحث عن الحب، ولكن الحب والكره كانا هناك في وطني كلاهما معاً.