الانتخابات في ليبيا.. مَخرج من الأزمة أم تهديد للوطن؟

Blogs- libya
لابد من التنويه إلى أن الدعوة إلى إجراء انتخابات في ليبيا قد حركت الساكن في المشهد السياسي الليبي، ونجحت في زلزلة الأجسام السياسية المتصدِّرة لمواقع صناعة القرار على الساحة الليبية. 
 
فهل ستكون الانتخابات مخرجا من الأزمة، أم ستشكل تهديداً آخر للوطن؟ الاحتمالان واردان، فليبيا تمر بفوضى في جميع المجالات، بما في ذلك المجال الأمني، وسبب هذه الفوضى مخرجات ما يسمى بــ"الثورة المضادة"، والتي تَمثلت في أزمات المهجَّرين، وحصار أهالي درنة، والقتال، والانقسامات السياسية، وغلاء الأسعار المصحوبة بأزمة السيولة، وسعر الدينار الليبي، والتدخلات الدولية، واستباحة سيادة الوطن، والهجرة غير الشرعية، بالإضافة إلى أطماع عديد الدول في وطننا، وغير ذلك من صراعات ومشاكل وأزمات.
 
وبالرغم من هذا المشهد المضطرب، بل المعقَّد مَحليا وإقليميا ودوليا، دعت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، إلى إجراء انتخابات، ما أوجد مزيجاً من ردود الأفعال والرؤى المتناقضة حول دعوة الانتخابات وحول مصداقيتها وأهدافها وتوقيتها وجدواها في حل الأزمة الليبية. وقد تراوحت ردود الأفعال، تجاه هذه الدعوة، وسط هذه الظروف، من التفاؤل والأمل والاستبشار، إلى المخاوف والريبة والتساؤل والتحفظ والشكوك والاستغراب. ولكل من ردود الأفعال هذه، وما صاحبَها من مشاعر وتوقعات وأحاسيس أسبابُها الواقعية.
 
فالمواطن يرى أن الانتخابات قد تُزيح القوى التي تمترست خلف الكراسي، منذ توقيع الصخيرات حتى يومنا هذا، وفشلت في إخراج الوطن من أزماته. فشلٌ مقياسه النتائج، ولا شيء غير النتائج. كما احتل التحفظ والريبة والشك، تجاه الدعوة إلى الانتخابات، حيزاً لا بأس به من فكره وعقله ووجدانه، ولا يُلام على الحالتين: التفاؤل والتشاؤم. فالغريق يتمسَّك بقَشَّة، بالرغم من شكوكه أحيانا، بأن الاعتماد على هذه القَشَّة سيؤدي به إلى الموت غرقاً.
 
ونقف اليوم أمام احتمالين لا ثالث لهما، أولهما أن الدعوة إلى الانتخابات قد تكون دعوة موضوعية حتَّمتها الأزمة والمرحلة. وأن الانتخابات نزيهة ومَحمية بمُراقبة دولية، ومنضبطة بقانون انتخابات، وأنها ستُجرى بعد الاستفتاء على الدستور، وأن يتضمَّن الدستورُ مهامَ الرئيس وأعضاءِ البرلمان ومعاييرَ التقدُّمِ للترشح وشكلَ الدولة، … إلخ. وأن يضمن للمرشح الوقت والإمكانات والحماية الكافية لتقديم نفسه للناس، بما في ذلك التعريف العام، والذمة المالية، وكفاءاته، وإسهاماته في خدمة الوطن، وتوجُّهاته وبرامجه ومخططاته ورؤياه في إخراج الوطن من أزمته في حالة فوزه في الانتخابات. وبمثل هذه البنود أو الشروط أو العوامل أو المواصفات، قد تكون الانتخابات أداة إيجابية لإخراج الوطن من الأزمة. 
  
يقف صف 17 فبراير، وأنصار الدولة المدنية، والوطنيون بصفة عامة أمام مشهد معقد حساس وطارئ، فحالة الوطن من جميع الجوانب في تدهور مستمر، خاصة الحالة الأمنية
يقف صف 17 فبراير، وأنصار الدولة المدنية، والوطنيون بصفة عامة أمام مشهد معقد حساس وطارئ، فحالة الوطن من جميع الجوانب في تدهور مستمر، خاصة الحالة الأمنية
  

أما إذا كانت هناك محاصصة، أو وعود، أو رتق، أوتزوير، أو تسويات، أو ترقيع باسم الانتخابات، أو سيناريو آخر، لا ندري كُنهه، حتى بنوايا ظاهرُها الوصول إلى استقرار الوطن، وباطنُها لا يعلمه إلا الله، فإن الانتخابات، في هذه الحالة، ستصبح مصدر تهديد، وقد تُدخل الوطن في أزمات وحروب وصدامات أسوأ مما نحن فيه.
 
ومن الواضح أن الدعوة إلى الانتخابات هي في الواقع إعلان دبلوماسي رسمي مؤدب عن فشل اتفاق الصخيرات، والذي مات ألف مرَّة ومرَّة، ولم يُدفن بعد. وأن أسباب التمسك به نظرياً من قبل مجلس الأمن هو تحقيق مصالح يراها المجتمع الدولي، أو الدول التي تتمتع بحق الفيتو في مجلس الأمن، مصالح حيوية، كمحاربة الهجرة غير الشرعية، وتحقيق مصالح اقتصادية، ومحاربة الإرهاب (بالرغم من توظيف هذا المصطلح لتحقيق أغراض سياسية من قبَل دول أعلنت عن أطماعها في وطننا ليبيا مثل مصر والسعودية والإمارات). أما مصالح ليبيا والليبيين – بما في ذلك الاستقرار الأمني والسياسي- فمن الواضح أن هذا الاتفاق لا تهمه هذه الجوانب، بل تركها للمواقف والأحداث والصدامات والتعديلات والاجتهادات والكرّ والفرّ والتجرِبة، ولمن تكون له الغلبة سياسيا أو قتاليا. 

 
ولا يمكننا الحديث عن الانتخابات في هذه المرحلة دون أن نُعرّج على موقف أنصار ما يسمى بـ "الكرامة"، الذين تبنَّوا خيار التفويض وبقوة، على غرار سيناريو السيسي، ثم تراجعوا عن ذلك فجأة. وأصدروا بيانا جمَّدوا بموجِبه خيار التفويض. ومن الواضح أن معسكر الكرامة رافض لنتائج الانتخابات مقدَّما، أي قبل إجرائها. بالرغم من إعلانه القبول بها. ويتضح ذلك في الرسالة التي تَم فيها تجميد مسار "التفويض"، حيث ورد في تلك الرسالة لفظة "مؤقتا"، أي أن التفويض يعتبر مجمدا مؤقتا. ما يعني أن خيار التفويض ما زال قائما، انتظارا لنتائج الانتخابات. فإذا جاءت النتائج في صالح هذا المعسكر (الكرامة ومصر والسعودية والإمارات) كان بها، وإذا جاءت النتائج عكس ذلك، فسيُفتح خيار التفويض من جديد. هو -إذا- رفضٌ لخيار الانتخابات عبر رفض نتائجها مقدَّما، ورفض بالتالي للديمقراطية، ولتبادل السلطة سلميا، بل وللحلول السلمية بصفة عامة، والاتجاه لعسكرة الدولة على أيدي عسكريين يرتدون البدلات المَدَنية، مدعَّمين بقوى إقليمية منحازة لطرف في ليبيا دون طرف.
 

سواء كانت الانتخابات مخرجا أو تهديدا، فلا يجب أن يترك صفُ 17 فبراير وأنصارُ الدولة المدنية بصفة عامة، الساحةَ لغيرهم من القوى، بل يجب أن يشاركوا في الانتخابات، وأن يكونوا في المشهد بقوة 
سواء كانت الانتخابات مخرجا أو تهديدا، فلا يجب أن يترك صفُ 17 فبراير وأنصارُ الدولة المدنية بصفة عامة، الساحةَ لغيرهم من القوى، بل يجب أن يشاركوا في الانتخابات، وأن يكونوا في المشهد بقوة 
 

يقف -إذا- صف 17 فبراير وأنصار الدولة المدنية، والوطنيون بصفة عامة، أمام مشهد معقد حساس وطارئ، فحالة الوطن من جميع الجوانب في تدهور مستمر، خاصة الحالة الأمنية، واتفاق الصخيرات فَقَد القداسة السابقة، وهو قابل الآن لكل شيء (التلاعب، التعديل،الاستبدال، التجميد، التوظيف السلبي، … الخ)، ومعسكر الكرامة يدلس على المجتمع الليبي والدولي، فيقبل بخيار الانتخابات، ويهدد في  الوقت نفسه بخيار التفويض، بل ويدشن عمليات اغتيال تطال من يرشح نفسه من خارج معسكر الكرامة (عملية اغتيال في الأبيار، ومحاولة اغتيال أخرى في بنغازي حتى الآن). وأنصار النظام السابق يحشدون أيضا، ويعلنون قبولهم للانتخابات، بالرغم من أنهم صدَّعوا رؤوسنا لأربعة عقود في محاولة فاشلة لإقناعنا بأن التمثيل تدجيل، وأن الانتخابات خداع للشعوب، وغير ذلك من شيطنة هذه الآلية. أضف إلى كل ذلك، غياب الدستور والضوابط وقانون الانتخابات. هذا هو المشهد المعقد والحساس والطارئ الذي يفرض نفسه على صف ثورة 17 فبراير وأنصار الدولة المدنية بصفة عامة. 

 
وسواء كانت الانتخابات مخرجا أو تهديدا، فلا يجب أن يترك صفُ 17 فبراير وأنصارُ الدولة المدنية بصفة عامة، الساحةَ لغيرهم من القوى، بل يجب أن يشاركوا في الانتخابات، وأن يكونوا في المشهد بقوة وتركيز وثقل. عليهم أن يبادروا للتسجيل ضمن الناخبين، حتى تكون لهم كلمة في خيار الانتخابات، قبولا، أو احتجاجا، أو تعديلا، أو أي مطالبات أخرى ذات علاقة بعملية الانتخابات بما في ذلك المطالبة بالاستفتاء على الدستور قبل إجراء الانتخابات، فصوتك قد يكون مسموعا إذا كنت ضمن الناخبين، ولكن بالتأكيد لن يصغي لك أحد إذا كنت خارج المشهد.
 
بل وأشجع الوطنيين الأكفَّاء المخلصين، على ترشيح أنفسهم، أو قبول ترشيحهم من قبل من يثقون بهم، بدلاً من العزوف عن الاشتراك في الانتخابات، حتى وإن كان -للعزوف السابق- ما يبرره من الناحية النظرية. فما وصل الوطن، إلى ما وصل إليه، إلا بسبب عزوف أو تراجع الشريحة الوطنية المخلصة، وترك الساحة لعقليات أقل ما يقال عن البعض منها إنها مُعاقة ثقافيا وسياسيا واجتماعيا. ليس ذلك فحسب، بل على صف فبراير وأنصار الدولة المدنية، أن يكونوا جزءا رئيساً من جميع الاستحقاقات المستقبلية التي تمس الوطن من تعديلات، أو مؤتمرات، أو حوارات، أو مفاوضات، أو غير ذلك مما يمس الوطن ومصير الوطن.