الأم لا تشبه الوطن

Blogs- syria
 كتب فِي أَوَّلِ سَطَّر "الوَطَنُ هُوَ الأُمُّ"، كُنَّا صغارا بِأَحلام لا تتجاوز علامة عالية في الرِّياضِيَّات، وقصيدة نَفْتَخر بِها في حفلِ آخر السَّنة، لم يَشْرح لنا أَحَد المقولة، وَلمْ نَطلُب مِنهم تَبْسيطها، فقد كانت عُقولنا جديدة الاِسْتعمال، تَثِقُ فِي كُلِّ ما يُقال، وتَحْفظ كُلُّ ما يُنْطق، لمجرَّد أَن صاحب المِئْزَر الأَبيض قالها، وهَدَّدنا بِالعقاب لو تجرَّأْنا على نِسْيانها.
 
كبرنا وعلمنا أَنَّ الأوطان لم تعد تشبه الأُمَّهَات، لا أدري زَلَّة من؟ أهي زَلَّةُ وَطَنٍ ضاق بأبنائه، أم أُمَّهَات كُنَّ أرحم، وأحن وأجمل من رقعة جُغرَافِيَّة اِختنقت بأنفاسنا؟ كبرنا وفَتَّشْنَا عن المقولة الَّتِي قالها المُعَلِّم، فوجدنها على الصَّبُورَة، ظلَّتْ حكرا على زمن الطَّبَاشِيرِ الأبيض، وَالفِلِّين الأخضر، كانت تليق بِزَمَنٍ لم تعُد تأتي به النشرة الإخبارية، بأولئك الَّذِينَ ربطتهم بهذه الأراضي علاقة حب، وَبِالشَّجَرِ والحجر علاقة دم.
 
رَأَينا الأُمَّهَات يضربن أَطْفَالَهُنَّ، تلك كانت أَوَّل دروس التَّقويم، فعند الخطأ تُطفئ الأم زِرَّ الخوف وتنهال عليك بحذائها، لم تَكُنْ قاسية بل كانت رحيمة، تَقْبل على نفسها مُعاقبتك، رَافِضَةً عقاب الزَّمن، كانت تَعلم أَنَّهَا المُتَضَرِّرُ الوحيد، شاهدناها وهي تصرخُ من أجل ضعف نتائج التَّحْصِيل المدرسي، كانت تجنبنا صراخ الجهل وَالأُمِّيَّة، تُؤُهِّلنا إلى كسب العلم وَالتَّعَلُّم، فقد كانت أدرى بهذا المجتمع الَّذِي لا يَرْحم.
 
رَاقَبْنا الأوطان وهي تُدمينا حين يَخْرج الأبناء طَلَبًا لحقوقهم أو تَعْبِيرًا عن رفضهم، صُدمنا حين تواجه الإخوة، أحدهم يحمل السِّلَاحَ والآخر يحمل العلم، وكلاهما يُحِبُّ الوطن، لم يُصغي أَحَدٌ لِلدَّم الَّذِي يجري بعروقهم، ولا للون الشَّمْس الباقي على وجوههم، بين الجاني والمجني عليه لا نعلم أين يكمن الحَقُّ، في أوطان لم تَعد تَعْرف الأبناء من الأعداء.
  

الأوطان لم تعد تشبه الأُمَّهَات، أصبحت تُنافس زوجات الأب في القسوة وَالذُّل، تُسَلّمُكَ لُقْمَة مُشبعة بالمن، رغم أَنَّهَا من مَالِ أبيك، تُشْعرك بثقل وزنك وهمك، رغم أَنَّ الأرض أرضك
الأوطان لم تعد تشبه الأُمَّهَات، أصبحت تُنافس زوجات الأب في القسوة وَالذُّل، تُسَلّمُكَ لُقْمَة مُشبعة بالمن، رغم أَنَّهَا من مَالِ أبيك، تُشْعرك بثقل وزنك وهمك، رغم أَنَّ الأرض أرضك
 

لَمْ نقرأ عن أُمٍّ قتلت ابْنَهَا، اَللَّهُمَّ في حالات شَاذَّة، تجمع بين الجنون، والانتقام، وفور مُبَاشَرَة التَّحْقِيقَات تُحَال إلى مصلحة الأمراض العَقْلِيَّة بَدَلًا من السِّجْن، لم نسمع عن أُمٍّ تُبِيتُ أطفالها في العراء، تَمنع عنهم الأكل، وَالشُّرْبُ، والهواء، حَتَّى في حالات الكدر، كانت تضعُ الصَّحْنَ في المطبخ، تَمنعُكَ فقط من الجلوس على طاولة الأكل، رغم أَنَّ قلبها يكاد يَنْفَطِر، لَكِنَّهَا تتسلَّحُ بتلك القسوة، تَهْرع عند أَوَّل نزلة برد في غَلْيِ مَخْزونها من الأعشاب، وشق فستانها ثُمَّ تحويله إلى كمادات.

  
سَمِعْنَا عن أوطان تزيد في تسعيرة الكشف الطِّبِّي، وتمنع الدَّوَاءَ المَجَّانِي، تُوقفك عن الدِّرَاسَة بِحُجَّة أَنَّ المدارس للأغنياء، وتُجَمِّدُ التوظيف تحت ذريعة التَّقَشُّف، تَحْشرك في سكنات كالكهوف، تعاملك معاملة العَالَةِ في هذا الوطن، تَحْقنك يَوْمِيًّا بالخوف والذعر، بالإحباط والملل، تضع في طريقك سِلْسِلَةٍ من العراقيل، والكثير من الأشواك، عِنْدَمَا تَيْأَسُ من موتك تُسَلِّمُك جُثَّةً للبحر، تود طمس جرمها في قتلك حَيًّا.
  
الأوطان لم تعدْ تشبه الأُمَّهَات، أصبحت تُنافس زوجات الأب في القسوة وَالذُّل، تُسَلّمُكَ لُقْمَة مُشبعة بالمن، رغم أَنَّهَا من مَالِ أبيك، تُشْعرك بثقل وزنك وهمك، رغم أَنَّ الأرض أرضك، تَسْتَكْثِرُ عليك الفرح وَالضَّحِك، تُعاقبك عن كُلِّ مراسيم البهجة بِخَصْمٍ أو زِيَادَةٍ، تُعطيك الشَّيْءَ الزَّهِيد، لَكِنَّها تُقَيِّدُهُ في سِجِلِّ الإنجازات، تُمَثِّلُ أمام الجميع أَنَّهَا الأكثر حرصا عليك فقط عندما تُسَلِّطُ الأضواء حولك، تخاف أن تُعاقبها حقوق الإنسان، تحاول في كل مناسبة إظهار حُبِّهَا لكن سرعان ما يسقط القناع عند أَوَّل طَلَبٍ تَتَقَدَّمُ به.
  
الأُمُّ لم يُخْلق لها شَبِيهٌ، والوطن لم يُنْتج له بَدِيلٌ، ونحن المُرَاهِقُونَ في الحُبِّ نرفض أن نُغادر الأحضان حَتَّى لو كانت كُلُّ النُّدُوبِ ظاهرة على الوجوه، و كُلُّ الحُرُوقِ مَوْشُومَةٌ فِي القُلُوب، نَحمل حقائبنا عند الغضب، تُرفع أصواتنا، نُغادر لساعات أو أعوام، نبكي في زوايا الغربة عن وَطَنٍ لم يفهم حُبِّنَا، تَبَرَّأَ مِنَّا حين ثُرنا، تَخَلَّى عَنَّا حين كبرنا، وبعد كل هذا سنعود حين يُصبح بإمكاننا ممارسة الشجب بِالصَّمْتِ، وَالرَّفْض بِالتَّجَاهل، وَالمُوَافَقَة بالإيماء.