أغاني "twenty one pilots".. القلق والنستولوجيا والاكتئاب

Blogs- Twenty One Pilots
إن كنت من أصحاب العقول دائمة التفكير، تلك العقول التي لا تهدأ أبداً وتمنح صاحبها ذاك الأرق الذي لا بد أنك مررت به إن كنت تفهم ما أعنيه وقررت أن تكمل معي هذا المقال. قد تكون تمارس نوعاً من الرياضات كي تكبح جماح عقلك بما ينفثه من أفكار قد تقودك أحياناً نحو الجنون، أو ربما أنك تقرأ الكتب أو تتابع الأفلام أو تسمع الموسيقى كما يفعل تايلور جوزيف، المغني الرئيسي في فرقة "twenty one pilots" التي نتحدث عنها اليوم. 
 
بمجرد أن تبدأ الاستماع لهذه الفرقة تبدأ بملاحظة لمسة الاختلاف في أغانيها، هي فرقة شبابية حديثة العهد (تأسست عام 2009 في أوهايو، الولايات المتحدة) تحمل أغانيها العديد من المعاني التي أصبح من النادر اليوم أن نسمع عنها بين كلمات أغنية ما مشهورة محليا أو عالميا. فالمغني الرئيسي وكاتب الأغاني لهذه الفرقة، تايلور جوزيف، استطاع أن يحول آلاماً وأفكارا ومعضلات تحيط به إلى أغانٍ حملته هو وعازف الطبول، جوش دَن، إلى العالمية. التفكير الزائد والاكتئاب ومعضلة الشهرة مقابل العائلة ومشاكل الأرق والعلل النفسية؛ هي أكثر ما يتحدث عنه جوزيف حين يكتب كلمات أغانيه، حتى إن كلماته لا تخلو من الأسئلة الكبرى التي يطرحها كل عقل على نفسه مثل السؤال عن معنى الوجود.
 
و إن كنت قد استمعت إلى أكثر الأغاني نجاحاً عام 2015 فلا بد أنك سمعت عن أغنية  "Stressed out"، في هذه الأغنية من ألبوم "bluryface" يتحدث تايلور عن حنينه إلى ماضيه، إلى طفولته وما كان يصاحبها من الراحة النفسية، حيث يصف طفولته وما صاحبها من ذكريات وروائح تربطه بتلك الذكريات، بعائلته وبأخيه. ويتمنى لو أن الزمان يعود يوماً للوقت الذي كانت فيه أمه تغني له قبل النوم، ولكنه اليوم شديد التوتر والتفكير، يحمل على عاتقه العديد من المسؤوليات بدلا من أن يلعب ببيت الشجرة أو يركب الدراجة الثلاثية لمنزل صديقه جوش، ويلعبا لعبة التمثيل ويتخذا لنفسيهما أدوار رواد الفضاء.
 
لكن اليوم هو مهتم بتحصيل المال، و بأن يكون صوته أجمل وكلماته أكثر تعبيرا وإلا سيصيبه التوتر فيهرب في كل مرة نطق فوه بكلمات أغانيه، فقد قيل له إن مخاوفه ستختفي عندما يكبر، لكنها تضاعفت فأصبحت على شكل فقد الإحساس بالأمان والاهتمام البالغ بأفكار الناس.
 

في أغنية
في أغنية "Car radio" يشرح لنا أن الإيمان هو أن تبقى مستيقظاً، وأن نبقى مستيقظين يعني أن نفكر بعقولنا، وأن نفكر يعني أننا على قيد الحياة
 

في الأغنية التالية يصف لنا تايلور شعوره بالاكتاب، المسبب الأول للعجز حول العالم "Migraine":  "هل أنا الشخص الوحيد ممن أعرف الذي يواجه الحروب المندلعة خلف وجهي و أسفل حلقي؟" هكذا يبدأ تايلور هذه الأغنية التي تعتبر إحدى أجمل ما غنته هذه الفرقة، حيث يرسم تايلور فيها صورة رمزية رائعة واصفة بمخيلة جامحة مرض الاكتئاب وما يسببه من أوجاع جسدية كالصداع النصفي، وهو عنوان هذه التحفة الفنية؛ يخبرنا تايلور أنه مصاب بالصداع النصفي الذي -ولا يخفى على أحد- يعتبر أحد أسوء الآلام التي يمكن اختبارها في الرأس على الإطلاق، واصفاً أنه وبيوم الجمعة يكون أفضل حالاً من أيام الأحد التي يعتبرها "أيام انتحاره".

 
فأيام الأحد هي أيام العطل في الولايات المتحدة، و زيادة على ما قد تسببه العطل ووقت الفراغ من إمكانية للتفكير حد الجنون، يصفها أيضاً بأنها "كئيبة". في المقطع الثاني يرسم لنا تايلور صورة عما قد يدور في رأسه من معارك محتدمة، ما بين وحوش الاكتئاب التي تلتهم عقله وبين جبينه الذي شبهه بباب، وبأن ما يخفيه خلفه يجعل ما في صندوق باندورا يبدو "أليفا" ، ففي الميثولوجيا الإغريقية احتوى هذا الصندوق على جميع الشرور في الحياة من كذب وحسد وافتراء وجشع وغرور وضعف ووقاحة ورجاء. وتختتم الأغنية بافتراض أننا، من نحس بالاكتئاب، قد نحتاج ليوم استراحة من كل الآلام التي يولدها دماغنا، فقد يكون في الحياة أمل خفي مفرح في مكان ما.

"Car radio"هي الأغنية التي استطاعت أن تنقل الفرقة من الصيت المحلي إلى الشهرة العالمية، هي المفضلة عند معجبي الفرقة بلا منازع والأكثر تأثيراً على الإطلاق؛ وهي تصف ببساطة أن شخصا ما سرق راديو سيارته! بسيط جداً أليس كذلك؟ لكن ليس لتايلور؛ فالراديو ما هو إلا استعارة عن كل ما يمكنه كبح جماح عقلك شبه المختل الذي لا يكف عن التفكير مطلقاً، هو كل ما يمنعك من الالتفات لاكتئابك في كل لحظة تظن أنك ستضعف ويظهر ضعفك للعلن.

 
قد لا تعجبك الضجة المصاحبة لأغاني الفرقة، لكن إنكار أن هذه الأغاني تمس عمق العلل النفسية قد يكون مشكلة خصوصاً لو وافقها من يمر بتلك الاعتلالات
قد لا تعجبك الضجة المصاحبة لأغاني الفرقة، لكن إنكار أن هذه الأغاني تمس عمق العلل النفسية قد يكون مشكلة خصوصاً لو وافقها من يمر بتلك الاعتلالات
 

يبدأ تايلور الفيديو و هو واقف أمام المرآة واصفاً شعوره وقد اختفى الراديو الخاص بسيارته وهو جالس بصمت قائلاً: "أحياناً يكون الصمت عنيفاً صارخاً". ثم يتذكر خلال صمته هذا كيف أن ما بداخله أصبح صعب الإخفاء، وكيف أنه يحاول جاهداً ألا يتذكر أنه قد قتل نفسه داخل أحلامه غير المتحققة، وهو الآن يكره "هذه السيارة التي تفتقر لمخبئ له" فهو مضطر الآن لمواجهة ما يشعر به، وهو قاس للغاية لدرجة قد تجعله يحرك عجلة القيادة نحو الهاوية.

 
وأثناء قيام تايلور بحلق شعره كاملا، تبدأ المواضيع الأساسية الكبرى في التاريخ البشري تمطر بسهامها داخل رأسه، فيفكر بالوجود والإيمان والقلق المترتب عن التفكير فيها حد الغرق. ويضعنا تايلور بين خيارين: إما الإيمان أو النوم، ويشرح لنا أن الإيمان هو أن تبقى مستيقظاً، وأن نبقى مستيقظين يعني أن نفكر بعقولنا، وأن نفكر يعني أننا على قيد الحياة. ويقول إنه سوف يحاول مع كل قافية أن يدخل حتى يخبرك بأنه عليك أن تحاول التفكير! فالتفكير وبرغم أنه قد يكون سبب العلل النفسية التي أحاطت به، لكنه بدونه كما النائم أو الميت. يختتم تايلور هذه الأغنية في مشهد صارخ بكل معنى الكلمة، فهو يصرخ بأنه "الآن يجلس في صمته" ولكن صراخه جلي واضح بأن صمته يعكس صورة كاذبة عما في داخله.

قد لا تكون هذه الفرقة متناسبة مع ذوقك العام في الموسيقى، وقد لا تعجبك الضجة المصاحبة لكثير من أغانيها والغناء بصخب مصحوباً بمشاعر متقدة بالألم والغناء السريع الذي يبدع فيه تايلور. لكن إنكار أن هذه الأغاني تمس عمق العلل النفسية قد يكون مشكلة، خصوصاً لو وافقها من يمر بتلك الاعتلالات يوماً بعد يوم.