عن إيران والمقاومة.. اختلاط المفاهيم

ما أن نقل القائد العام لحركة حماس في غزة يحيى السنوار، الحديث الذي دار بينه وبين قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني الجنرال قاسم سليماني، حتى قامت الدنيا عليه ولم تقعد. ظاهريا كان الهجوم على شخصهِ، لكنه في الحقيقة طال المقاومة وحاول تشويه صورتها من خلال السعي إلى تأكيد الادعاء والفرضية التي تشير إلى استعدادها إلى التنازل عن مبادئها، واستهتارها بالدم العربي.

 

علينا أن نعي بأننا أحيانا وإن كنا شرفاء ووطنيين، قد نضر بالمقاومة لمجرد تناولنا السطحي لبعض القضايا دون أن نعي خطورة ما نفعله. جميع المنتقدين يتفقون على أن إيران هي "الشيطان الأكبر في المنطقة" وفي طريقهم لإثبات ذلك طعنوا بشخصية معروفة بوطنيتها، والأهم أنهم أظهروا المقاومة الفلسطينية للعالم وكأنها "انتهازية"، لأن السنوار يمثل المقاومة العسكرية بالدرجة الأولى، ومع تحفظي على الأداء السياسي لحركة حماس وغيرها من الفصائل الوطنية في الفترة الأخيرة، إلا أننا لا نستطيع إنكار هذه الحقيقة.

 

قبل أن أكمل هذا المقال، يجب أن أشير إلى أنني لم أكتب بغرض الدفاع عن شخصية السنوار أو إيران، ولستُ ممن يقدسون الشخصيات لأنني على علم بأنهم يخطئون أحيانا، لكن حين يتعلق الأمر بالمقاومة العسكرية التي أعتبرها الأمل الوحيد في تحرير فلسطين يمكن القول إنني أتحول إلى أشرس كائن في الكون، ذلك لأن الدفاع هنا عن فكرة وعن سبيل للخلاص.

بوصلة المقاومة العسكرية دائما متجهة نحو القدس، وكل الانتقادات تهدف إلى إثارة الرأي العام ضد حركات المقاومة الفلسطينية، وتربط الدم السوري بالدعم الإيراني للمقاومة. يكفينا الحصار العربي والإسرائيلي والفلسطيني

الذين اعتبروا أن حديث السنوار يعد انحرافًا عن مبادئ المقاومة عليهم أن يراجعوا تصريحات قادة حماس والجهاد الإسلامي والأجنحة العسكرية حول مصادر الدعم، ليكلفوا أنفسهم ويبحثوا قبل أن ينطقوا بمثل هذه الترهات، فالمقاومة العسكرية تتمتع بأخلاق لا يملكها السياسيون، ولا يمكن أن تنكر فضل من يدعمها ولا فضل من يمشي بنفس الطريق التي تسلكها نحو العدو نفسه، وقد كان موقفها واضحا يوم استشهاد سمير القنطار الذي اعتبره معظم الفلسطينيين والعرب "قتيلا" واستخسروا به كلمة "شهيد"، ذلك الشخص الذي قضى نصف عمره في سجون الاحتلال الإسرائيلي، وتقاسم مع الأسرى الفلسطينيين معاناتهم، تبنته أم الأسير الفلسطيني جبر وشاح، وواظبت على زيارته حتى بعد الإفراج عن ابنها، حيث استطاعت أن تنتزع قرارا من المحكمة الإسرائيلية يقضي بزيارته عام 2000، هذا الشخص حين استشهد نُظر إليه كابن حزب الله "الذي يقاتل في سوريا"، ومسحوا كل تاريخه النضالي لأجل فلسطين، وحدها المقاومة العسكرية الفلسطينية أنصفته، وحدها الأجنحة العسكرية أصدرت بيانا لنعيه ولم تنس ما قدمه، فهل قادة المقاومة العسكرية الذين يعتبرون شرف القضية الفلسطينية على خطأ؟

السنوار نقل كلام سليماني الذي قال بشكل واضح "إن كل مقدرات إيران وإمكانياتها تحت تصرفكم في معركة الدفاع عن القدس دون شروط"، مؤكدا على استعداد حماس لأي تحالف يخدم انتفاضة الشعب الفلسطيني، ولو وضعنا إيران على الرف لدقائق فقط، وفكرنا أين تكمن المشكلة في هذا الكلام؟ ما الذي يضرك كفلسطيني من دعم إيران للمقاومة؟ ستقول لي إن إيران تستخدم القضية الفلسطينية لتلميع صورتها أمام العالم! سأقول لك ربما كنتَ على حق، لكن ما شأنك أنتَ كفلسطيني طالما أنها تقول وتفعل، وربما كانت أرحم من رؤساء العالم الذين يستخدمون فلسطين كشعار في خطاباتهم الإعلامية والانتخابية، وأؤلئك الذين استخسروا فيها حتى الكلام.

ستقول لي إن إيران ساعدت النظام السوري على قتل الأطفال، سأقول لك إنني أتفق معك وكل دماء المسلمين حرام، ونحن كفلسطينيين لن نؤيد أي نوع من أنواع قتل المدنيين في أي مكان بالعالم، ولكن هل سألت نفسك من الذي يقتل في سوريا؟ هل أزودك بإحصائيات تثبت لك أن الجميع يحمل إثم الدم السوري، من النظام السوري وداعميه، إلى داعش والذين يطلقون على أنفسهم "ثوار" كجبهة النصرة وغيرهم من المجموعات المسلحة التي تحالفت مع الإرهاب وانحرفت عن أسمى أهداف الثورة، أبادوا مدنا بأكملها وحضارات عريقة، ولا ننسى التحالف العربي والغربي الذي قتل آلاف المدنيين وحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، كل أؤلئك شاركوا في هدر الدم السوري، وهذا ليس مجرد رأي بل أرقام لمنظمات سورية ودولية، ثم تأتي أنت كفلسطيني تربط الدم السوري بالدعم الإيراني للمقاومة الفلسطينية!

نسيتَ كل هؤلاء القتلة وتشبثتَ برفضكَ لهذا الدعم، متجاهلا أنه سبق ورفضت حماس التدخل في الشأن السوري وانسحبت قيادتها السياسية من هناك في بداية الثورة، وبالطبع يعتبر هذا موقفا واضحا منها، على الرغم من أنها كانت بضيافة النظام، ونفس الذين ينتقدون اليوم صفقوا لموقفها سابقا، فهل المطلوب منها سب وشتم النظام بسبب سياسيته في سوريا ونسيان فضله عليها! هل هكذا تكون السياسة؟

هل سألت نفسك عن البديل؟ ماذا ستفعل المقاومة في حال لم تتلق الدعم من إيران؟! هل ستصنع من كلامكم صواريخ تقصف بها إسرائيل، أم أن أفكاركم الرهيبة ستعطي المقاوميين تدريبات عسكرية عبر صفحات الفيسبوك خاصتكم؟ ومع أننا شعب يصنع مقاومته بنفسه ويبتكر ألف طريقة للقضاء على العدو إلا أننا لن نكذب على أنفسنا ونقلل من جدوى الدعم للمقاومة العسكرية، وهنا أكرر بأنني لا أدافع عن إيران كما قد يفهم البعض، لأن كل هذه الدول والسياسات لا تعنيني، وكل ما كتبته ليس إلا تلخيصا لرأي قادة المقاومة العسكرية في فلسطين.

 

لسنا مجبرين على التدقيق في سياسات الدول الداعمة للمقاومة في الوقت الذي تخلى فيه الكل عنا، السؤال الذي يجب أن يُطرح فهو إلى أين تتجه بوصلتكم أنتم؟ وإلى متى سيظل يُفتي القاعد للمجاهد

فلستُ أنا من قال إن "إيران لم تقطع الدعم عن المقاومة العسكرية على الرغم من توتر العلاقة السياسية بينها وبين حركة حماس مع انطلاق الربيع العربي، وفي ذروة الخلاف"، ولستُ أنا من أكدت على "جدية إيران في مواجهة الكيان الإسرائيلي"، بل نائب رئيس حركة حماس صالح العاروي هو الذي صرح خلال حوار مع فضائية القدس على أن "ما تقدمه إيران للمقاومة ليس شكليًا بل جوهريًا وحقيقي لاستمرار فعالية المقاومة"، لافتًا إلى أن "إيران تواجه الكيان الإسرائيلي بدعمها المقاومة في لبنان وغزة". وذكر أن حركته تبحث عن مصالح حقيقية لشعبها وقضيتها ولها، مضيفًا أن "حركة حماس لا تشترك في الصراعات في المنطقة"، وكلامه لا يعني أنها غير مهتمة بها، "فحرمة هذه الدماء مثل دمائنا، لكن تدخلنا لن يفيد في شيء سوى الكيان وسنجمع مصادر القوة التي تساعد في تحقيق فعل حقيقي على أرض الواقع"، على حد تعبيره.

 

تهاجمون تصريحات إيران الداعمة للمقاومة الفلسطينية، في الوقت الذي أدرجت دول عربية حركة حماس على قائمة الإرهاب، وعاقبت دول أخرى الشعب الفلسطيني بأكمله وقطعت النفس غزة من أجل إسقاط فصيل فلسطيني لا يعجب أمريكا وإسرائيل. وفروا لنا البديل ثم أمتعونا بنقدكم وارمونا بحجر إن نحن فتحنا أفواهنا. ثم إن تصريحات البعض توافقت تماما مع تصريحات وزير الأمن الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان، الذي قال إن يحيى السنوار وصالح العاروري "قد أصبحا وكلاء مبيعات للشيعة ولإيران داخل قطاع غزة، يخدمون المصالح الإيرانية، ومصالح الحرس الثوري الإيراني". ألم تخجلوا من أنفسكم حين تتشابه تصريحاتكم مع تصريحات هذا المجرم؟ أليس من المعيب أن تسأل وسائل إعلام عربية إلى أين تتجه بوصلة حماس؟

 

بوصلة المقاومة العسكرية دائما متجهة نحو القدس، وكل هذه الانتقادات تهدف إلى إثارة الرأي العام ضد حركات المقاومة الفلسطينية، وتربط الدم السوري بالدعم الإيراني للمقاومة. يكفينا الحصار العربي والإسرائيلي والفلسطيني. لا أحد يتمنى كل هذا الخراب في سوريا والعالم، ولكن لسنا مجبرين على التدقيق في سياسات الدول الداعمة للمقاومة في الوقت الذي تخلى الكل عنا. إن كان هناك سؤال يجب أن يُطرح فهو إلى أين تتجه بوصلتكم أنتم؟ وإلى متى سيظل يُفتي القاعد للمجاهد!



حول هذه القصة

بدت أحدث تصريحات لقائد حركة حماس في قطاع غزة يحيى السنوار منسجمة مع الحالة الفلسطينية الصعبة، وبعيدة عن آمال طرحها سابقا باقتراب تحقيق المصالحة على أرض الواقع وتحسن الأوضاع بالقطاع.

30/12/2017
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة