صراع النبوءات.. تحدي نظرية المسار "عودة ابن خلدون"

آل بنا الحديثُ في المقال السابق إلى وصف النبوءة الليبرالية، وهي كما ذكرنا النبوءة المهيمنة على العالم الآن بلُغتها وأدواتها، وهي في وُجهتها النهائية سعيٌ حثيث نحو إدامة هيمنة الحضارة الغربية في صورتها الحالية على العالم وبقائِها خارج التاريخ وتقلباته، وهي تترجِم هذا السعي في لغتها بمصطلحات مثل "التنوير"، "التقدم"، "التنمية"، "التحديث"، وتستعينُ عليه بأداتي التقدم التكنولوجي والاقتصاد المعولم.

لكن هيمنة هذه النبوءة مذ برزت لم تكن لتحجب عن كثير من العقول الحاذقة في أوروبا مآلاتها الكارثية، فقد تبين منذ البداية أن نظرية المسار الهيجلية هي كسر للدورات الحضارية وأن هذا الكسر المتعسف معناه تسليم البشرية زمامها للعقل المادي القاصر عن إدراك أهمية الدورات الحضارية في حركة التاريخ، فقد تنبه أولئك إلى الكارثة التي ستنشأ عن إيقاف عجلة الحضارة عن الدوران، وعن كسر التوزان بين البداوة والحضارة، وعن فرم العصبيات وهندسة نوازع الإنسان بحسب متطلبات العقلانية الكانطية، وهي كارثة تنبه لها ببصيرة نافذة من قبلُ ابن خلدون في مقدمته، وحذِقها مكيافلي حين كان يسبُر تاريخ روما في مطارحاته. 

نظرية المسار التي تبنتها الحضارة الغربية ما هي إلا ترسيخ لحالة الاحتقان التاريخي، وما سينشأ عن هذا الاحتقان من مفاسد وبلايا ستحيق بالبشرية

تتمثل الكارثة في ما نسميه "الاحتقان التاريخي"، وهي حالة أشار إليها ابن خلدون وسماها "الاستفحال" (1) ومعناها دوام حالة الحضارة ورسوخُها وبلوغها الغاية في الترف والدعة، وهذا الاستفحال يؤدي إلى ما سماه ابن خلدون "فساد معاني الإنسانية" وما سماه مكيافلي في المطارحات "فساد الشعب". وقد شبَّه مكيافلي هذا الفساد بداء البطن الذي يحتاج لعلاجه "دواء مُسهِلا" يتخلص مما في الأمعاء من جراثيم وأوبئة، والدواء المُسهِل هنا هو الحروب والكوارث التي تنهي هذا الاحتقان في حالة الحضارة وتستبدله بدورة جديدة تنعشها وتدفعها قُدُما.

والذي فعلته الحضارة الغربية في مسعاها إلى الخلود وتجاوز الدورات الحضارية هو تثبيت الدورة التاريخية في طور استفحال الترف والدعة مما يعني الإمعان في تكريس مظاهر الفساد، وهو شيء نلاحظه شيئا فشيئا في نكوص هذه الحضارة في قيمها عن الفطرة والطبيعة إلى حد كبير نلحظه في الترويج لما هو شاذ ومصطنع على أنه عقلاني وأخلاقي.

وسنذكر هنا ثلاثة من أبرز العقول التي انتبهت إلى كون نظرية المسار التي تبنتها الحضارة الغربية ما هي إلا ترسيخ لحالة الاحتقان التاريخي، وما سينشأ عن هذا الاحتقان من مفاسد وبلايا ستحيق بالبشرية، وهم على اختلاف مسالكهم في تناول هذه المشكلة قد اجتمعوا على فهمها والتنبؤ بخطرها بالمستوى نفسه، ونحن نبرز هؤلاء الثلاثة لأنهم -بطريقة أو بأخرى- كانوا بذور النبوءات الجديدة التي ظهرت في هذا العصر تناضل النبوءة الليبرالية وتنازعها.

فريدريك نيتشه
فريدريك نيتشه (مواقع التواصل)

كان نيتشه أول من تحدى نظرية هيجل بالقول أن مسار الحضارة الغربية كان مسارا متداعيا لا تقدميا، وأنه بلغ في نهايته ذروة الانحطاط، وقد قدَّم بين يدي هذه الدعوى المُعارِضة لهيجل وكانط أولى المحاولات الشاملة لتفكيك فلسفة التنوير والتنبيه إلى أثرها في شرعنة تدمير التوازن الطبيعي بين "السادة" و"العبيد"، وقد تمثلت عنده الثورة الفرنسية كلحظة انقضَّ فيها العبيد على السادة، وحلَّت طبقتهم الواسعةُ الكبيرة محلها، هكذا تمثلت عنده المساواة التي طالب بها التنوير بكونها إعلانَ سيادة العبيد على التاريخ طبقةً واحدةً مهيمنة في أخلاقها وقيمها، ولذلك فقد رأى هو أن مسار التاريخ بعد الثورة الفرنسية مسار انحطاط لا تقدم. وأن فلسفة التنوير أرادت متذرعة باعتماد العقلانية ومقتضياتها محركا للتاريخ جعلَ أخلاق العبيد معيارا للفضيلة والخيرية، بعد أن كان مدارُ الفضيلة على أخلاق السادة أو النوازع الطبيعية (السيادة والغلبة وأخلاق التوحش). (2)

ويُمعنُ نيتشه في جميع كتاباته في وصف عملية فرم العصبيات وتغيير نوازع الإنسان ويعتبرها عملية "ترويض" و"تدجين" شامل للبشرية، نشأ عنها "الإنسان الأخير"، وهو إنسان تمَّت هندسة نوازعه الطبيعية، وانفك عن ارتباطه بعصبية أو عائلة أو قبيلة ارتباطا عضويا، فأصبح كائناً مفرداً مكشوفاً تنتهكه الحضارة ومفاسدها. 

فثورة نيتشه على الحداثة كانت محاولة يائسة لإرجاع التوازن الطبيعي بين البداوة والحضارة (البداوة باعتبارها مصدرا لأخلاق السادة والحضارة باعتبارها مناخا لأخلاق العبيد) وهو بهذا الاعتبار ليس ثائراً عبثياً على كل القيم، بل على القيم التي فرضها التنوير وفلاسفته، أما مسعاه فقد كان لتبيان أن التاريخ لا يمكن تحديده بمسار يصل إلى غاية وقيمة مطلقة، بل هو صراع دائم بين القيم، آل بعد الثورة الفرنسية إلى انتصار قيم العبيد وفرضها قيماً عقلانية كونية.

أوزوالد شبنغلر
أوزوالد شبنجلر (مواقع التواصل)

لم يُخفِ شبنغلر في كتابه الضخم المهم "تدهور الحضارة الغربية" تأثره بنيتشه ونظرتِه للحضارة الغربية، وقد كان فعله في كتابه هذا أشبه بفعل هيجل حين بنى على آمال كانط وفلسفته نظرية لوصف حركة التاريخ، فقد تناول شبنجلر نموذج نيتشه في تفسير تدهور الحضارة الغربية واستخرج منه قانوناً عاماً يصف مراحل صعود الحضارات وتدهورها مطلقاً، وقد جعل نظريته الكبرى هذه تفسيراً مشروعاً لحركة الحضارة الغربية.

فعند شبنغلر أن جميع الحضارات الكبرى مرت بأطوار مختلفة أشبه بفصول السنة، وهي تبدأ بالتدهور حين تهيمن النزعة العقلانية على النوازع الطبيعية، وقد حدثت هذه الصورة من التدهور في الحضارة الغربية حين استولت العقلانية على مسارها الثقافي والفلسفي بعد إحيائها في عصر التنوير مع كانط وهيغل في القرن الثامن عشر على النحو الذي ذكرنا.

قدَّم شبنغلر نظريته في تفسير حركة الحضارات باعتبارها ثورة كوبرنيكية في فلسفة التاريخ، فهي تنقض نموذج هيغل، الذي يعتمد الحضارة الغربية غاية ومركزا لحركة التاريخ، وتثبت أن الحضارة الغربية -كغيرها من الحضارات التي سبقتها- تتحرك في دورة حياة مكتملة تنتهي بتدهورها وانتفائها، ما يمثل عودة تامة إلى نظرية الدورات الحضارية الخلدونية.

فلا وجود لتاريخ شمولي يتحرك بمسار خطي نحو غاية، بل إن كل حضارة تمثل في ذاتها فضاء ودورة حياة خاصة لها ثقافتها وقيمها الخاصة، وقد قدم شبنغلر للتدليل على ذلك شرحا مفصلا لدورات حياة تسع حضارات كبرى على مر التاريخ، مثبتا أن الحضارة الغربية لم تكن سوى دورة حضارية خاصة في سلسلة دورات أخرى مشابهة.

والفكرة التي تهمنا هنا في بحث شبنغلر أنه اعتبر أن لكل حضارة روحا خاصة تحدد شخصيتها وجوهرها، وقد اعتبر أن الحضارة الغربية -وعلى نحو مميز- تتمثل في جوهرها حالة فاوست، تلك الشخصية الخيالية التي وهبت نفسها للشيطان مقابل تحصيل معرفة مطلقة وقوة لا تنتهي، فالحضارة الغربية في نزعتها هذه نحو الخلود حضارة فاوستية، ولا شك أن هذا الملمح عند شبنغلر يومئ إلى حالة الاحتقان التاريخي الذي تسعى إليه هذه الحضارة (نهاية التاريخ أو الخلود في الزمان) وأن مآلها هو مآل فاوست بأن يستولي الشيطان على روحه.

ريني جينو (عبد الواحد يحيى)
رينيه جينو (مواقع التواصل)

يعدّ النموذج الذي قدمه ريني جينو في وصف حركة التاريخ شبيها بنموذج شبنغلر، غير أن استمداده مختلف نوعا ما، فبينما اعتمد اشبنغلر أفكار نيتشه منطلقا إلى نموذجه في الدورات الحضارية، كان جينو قد استقى نموذجه في الدورات التاريخية من تعمقه في الديانات الشرقية، وخصوصا "البراهمية". فقد اعتمد جينو في تمثله للحضارة الغربية على فكرة "الدورة الروحية" التي قدمتها البراهمية كوصف للتاريخ البشري بكونه قصةَ ابتعاد البشرية عن الحقيقة الروحية الخالدة واستغراقها في المادة شيئا فشيئا. وتنتهي هذه الدورة الكبرى، كما يرى جينو، عند هيمنة الحضارة الغربية وثقافتها المادية.

فلم يكن عصر هيمنة الحضارة الغربية إلا علامة على الانتكاس من الروحانية إلى المادية، ومن الكيف إلى الكم. وهي عند البراهمان آخر أطوار الدورة الروحية في تداعيها المسمى "كالي يوغا"، وهو طور سينتهي إلى كارثة كبرى وخراب تام. وقد كان إيمان جينو بإمكان حفظ هذه الحقيقة الخالدة في دوائر من الممارسات الطقوسية السرية إلى حين حلول الكارثة ونهاية هذه الدورة وبداية دورة جديدة. وسنذكر في المقالات المقبلة النبوءات التي وُلدت من رحم هذه النظريات.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هوامش 
1- من معاني الاستفحال في العربية تفاقم الأمر وانتشاره، ومنها أيضا قولهم: استفحلت النخلة: إذا أصبحت ذكرا لا تثمر، وهو معنى يهمنا هنا، إذ أن الحضارة في منتهاها تعجز عن توليد القوى العصبية التي تديمها.
2- يرجع نيتشه بالجذور الفلسفية لهذا الصراع بين السادة والعبيد إلى الإغريق، حين كانت التراجيديا الإغريقية قائمة على التوازن بين النزعة الديونيسية (نسبة إلى ديونيس إله الشهوة والعاطفة)  والأبولوية (نسبة إلى أبولو إله العقل والمنطق) وقد بين أن اللحظة التي سيطرت فيها النزعة الأبولوية على الديونيسية في التراجيديا الإغريقية كانت علامة على بداية انحطاط الحضارة الإغريقية.



حول هذه القصة

إنها مقولة للفيلسوف الألماني فريدريش نيتشه، أما الكاتب والشاعر الإنجليزي ويليام ووردزوورث فقد قُدِّر أنه مشى في حياته 290 ألف كيلومتر، فما هو سر العلاقة العجيبة بين المشي والتفكير؟

يؤرخ الأميركي إرفين د. يالوم في روايته “عندما بكى نيتشه” لتاريخ الفلسفة في أوروبا بالنصف الثاني من القرن الـ19، ويوثق المستجدات والأحداث التي ساهمت في تشكيل مدارس فلسفية عالمية.

تغيرت الدول التي تعاقبت على حكم المغرب، لكن جامعة القرويين في فاس (شمال شرق) ما تزال شاهدة على عصور أنجبت “منارات” المعرفة الإنسانية بينها ابن خلدون وابن رشد وغيرهما كثير.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة