"الإلياذة الفلسطينية".. وردة أدركت الشمس

مدونات - زمن الخيول البيضاء

الرّوايات الملحمّية غالباً ما يهتم كُتّابُها بخلق عمل مرتبط بأحداث منطِقّية أو محتملة الحدوث وليس أحداث وشواهد تاريخيّة مثلما يعْكُف المؤرخ، فعلاقة الملحمة بالحقائق التاريخية تبقى إذن متغيرة بشكل كبير لدرجة أن الرِواية الملحمية تتضمن أحياناً كثيرة بعداً عجائبيّاً وسحرياً فينتقل فيها الرِوائي من التاريخ إلى الأسطورة ومن الأسطورة إلى التاريخ، بمعنى المُراوحة بين الفَنتازيا الخياليّة والواقعيّة التاريخيّة، والهدف دائماً هو خلق تصور مبني على استمالة العاطفة وتسخيرها لتُؤثّر على المضمون الوِجْداني لدى القارئ، ثم ما تَلبث أن تأخذ بعداً إنسانياً يخدم الموضوع الذي يُستدرج إليه القارئ .

لكن العاطفة التي تستهدفها الرّواية الملحميّة، لا تصمد داخل الوِجْدان الإنساني أمام التّسارع الزمني الكفيل بإخفات سطوتها عليه، مالم تُدعّم بالإدراك العقلي ليشكلا معاً وِجْدان الإنسان، فالعاطفة تستكفي بدفيء الفَنْتازيا والخيال الذي تسوقُه الملحمة، والإدراك بحاجة إلى حقائق ووقائع لتُعين على التصديق الواعي وإبقاء الوِجْدان مشتعلاً، وهو ربما لا تعتمد عليه كثيراً الرّوايات الملحميّة.

والملفت للنظر في سياق المنهجيّات التي يقوم عليها هذا النوع من الرّوايات، تلك المنهجيّة التي عكف عليها الكاتب والرِوائي الفلسطيني إبراهيم نصر الله في رِواية "زمن الخيول البيضاء"، (والتي كانت ضمن سِلسلة من الرّوايات التي أطلق عليها اسم "المَلهاة الفلسطينيّة"، كمشروع يهدف إلى التعريف بتاريخ القضية الفلسطينيّة، منذ الجذور حتى البلوغ برؤية نقديّة وفنيّة راقية)، والتي يمكن اعتبارها روِاية شَبَبَتْ عن طوْق الرّوايات الملحميّة وتميزت عنها بأسلوب بِنائي مختلف، يتوق إلى إعطاء التاريخ زخماً بعيون شاهديه، لا كما وصفتها كُتُب النقل والأقاصيص الموروثة، والتي تحوّرت بفعل التراكم الزمني، بل كما تفاعلت معها ذائقة مُعايِشي الحِقَب الزمنية المختلفة التي مرّت خلالها فصول الرّاوية..

مَلْحَمة
مَلْحَمة "الإلياذة" اليونانية قد شَكلت القالب الإلهامي لإبراهيم نصر الله في رِوايته، من خلال التماثل الـموضوعي بينهما من حيث أجواء الصراع والحرب.(إبراهيم نصر الله)

وكما انعكست في نظرهم صور الأحداث والأمْكِنة والشُخُوص والطُقُوس والأحاسيس والمشاعر التي تنوّعت على امتداد السَرْد الرِوائي، وإشعار القارئ بأنه يشاهد صورة حيّة لوقائع الأحداث، مسخراً الشخصيات والطبيعة المحيطة بها في توصيف المشهد الدرامي متعدد العواطف، فأعلى من صوت الواقع وأضمر الخيال الذي لم يستقي من جدوله إلا القليل ليخدم الحُبكة الرّوائية، وليخاطب الوِجدان الإنساني المنهوم بالخيال والتّسامي الإبداعي.

في رِواية "زمن الخيول البيضاء" الـمكان هو فلسطين، فتتمحور أحداثها في قرية "الهادية"، وهي قرية مُتَخيّلة تقع وسط فلسطين في ضواحي القدس، مدلولاتُ اسمها مجازيّة ورمزيّة نابعة ربما من معناه -أي الدالْة-، وأراد الرّاوي اعتبارها شاهد ودليل على بداية بروز قضية فلسطين، وتمتد بتأثيرات الشخصيّات والأحداث إلى حيفا ويافا والرملة والخليل وغزة، لتُعبر عن الترابط الجغرافي والبشري بين مختلف المناطق الفلسطينية شمالاً وجنوباً، وزمانُها هو أواخر الحكم العثماني لفلسطين وحتى النّكبة عام 1948م، وهي فترة تملؤها الأحداث التاريخيّة الـمفصليّة والمؤثرة في نشوء وتطوّر القضيّة الفلسطينيّة .

undefined

وبالنسبة إلى التكوين المَلْحَمي، يمكن القول: بأن مَلْحَمة "الإلياذة" اليونانية قد شَكلت القالب الإلهامي لإبراهيم نصر الله في رِوايته، من خلال التماثل الـموضوعي بينهما من حيث أجواء الصراع والحرب والتّشابه في رسم صورة البطل كنموذج مثالي لروح الشعب المدافع عن حقه، بين هيكتور بطل مدينة طروادة الـمحاصرة، وبين الحاج خالد البطل الفلسطيني الذي يتماهى بروحه وقيمه مع أصالة "التراب والبشر"، والذي تتعرّض قريته "الهادية" في نهاية الرواية، لحصار مشابه لحصار طروادة، وتؤول إلى الـمصير نفسه في مشهد تراجيدي للحريق والدمار والـموت والتّهجير، الذي يستحضر بقوة صور القتل والتدمير والرعب وهمجية الغزاة الـمحتلين عند سقوط طروادة.

تميّزت رواية "زمن الخيول البيضاء" أيضاً، بطابَعِها الفريد في كسر الملل وذلك بسبب التقنين من السرد الرّوائي المباشر، وبأسلوبها الماتع الذي يتنقّل بالأحداث والعواطف بين الجديّة والفُكاهة.

حدثتنا الرّواية أيضاً، عن الحب الذي ترعرع في ذاكرة الأيام ولم يكتمل، عن الحرب والحديد والنار، عن كرم الأرض وعن سماحة السماء، عن جلال الموت الخاطف وعن صوت الحياة الهادر، عن نَزق الأطفال العذب وعن شهامة وبأس الأبطال، عن الحق الضائع وعن ثراء الباطل، عن حرارة الدمع الدافق لأجل الفرح ولأجل الترح، عن الحلم الجميل وعن الكابوس المرعب، عن الغزلان وعن الهُيام، عن الأفراس وعن الفرسان، عن الوفاء وعن الفداء، عن الحمام وعن السلام، عن الألوان القاتمة وعن الألوان الباهتة، عن العيون الثعلبيّة وعن الأغراب، عن الأضداد وعن المترادفات .

لقد واجهتْ زيف الرواية الصهيونية التي ساقتْها من خلال ملحمة "الإلياذة"، بأن فلسطين "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض"، لتأكد على صَيْرورَة الشعب الفلسطيني، وعلى جذوره التي تضرب في أعماق هذه الأرض، فلم يكن حالة عابرةً ولا طَيْفاً أفَل، بل كان حالة مِرائِيّة تعكس وجه الأرض، فعليها نما كما نمت محاصيلها المرْويّة بعرقه، فوجد الحَنانَة في أحضان طبيعتها السّهليّة، والعزة والأنفة في جبالها الرمادية، وفي أرجائها امتزج التراب والريح والبشر.

تميّزت رواية "زمن الخيول البيضاء" أيضاً، بطابَعِها الفريد في كسر الملل وذلك بسبب التقنين من السرد الرّوائي المباشر، وبأسلوبها الماتع الذي يتنقّل بالأحداث والعواطف بين الجديّة والفُكاهة وبين الحزن والفرح وبين العقدة والانفراج، موظِّفاً المزاوجة بين ظروف الحياة اليوميّة المتعاقبة، ليصل بالرّواية إلى غاية التّشويق المثير، وعمدت الرواية إلى التّثقيف الضّمني باستخدام المشاركة المعرفيّة لطبيعة التّقاليد والعادات الفُلْكُلُوريّة، كتقاليد الزواج والاحتفال وحسن الكرم والضّيافة والجوار.

إن هذه الرّواية الممهورة بيد فلسطينيّة، هي إخراج إبداعي لأصل حكاية فلسطين منذ أن خاضت "طريق الألآم"، ولطالما كان منتظراً لمعالجة قضيتها بشكل فني بديع، يتجاوز ضِيق ترف المراثي إلى سَعة الوعي والإدراك، ولتكون رسالة الحقيقة لا الوهم، رسالة العلم لا الجهل بهذه القضية، وحَسْبُ القول، أن هذه الرواية هي نفسها وردة الحنّون -التي ذكرتها الرواية- والتي استطالة وترعرعت في الظل لتدرك الشمس.