"غوانتنامو قصتي".. حياة المعتقلات

غنَّى الطائر حتى جفَّ حلقه، ثم أوى إلى إفريز النافذة، يرمقني وأنا أنظر إلى جُرحه الذي هو جُرحي، وظل يغنّي في هذا الليل، هنا حيث تتسلل، عبر فراغات النافذة، أصواتُ السُّـفُـن والزوارق وهي تَمْخَـرُ عُـباب الخليج العربي، أما هناك، في الخليج الآخر، خليج غوانتنامو، فلم تكن ثمة مراكب تُسمع أو تَعبُر، وإنما كانت هناك جُثثٌ هامدةٌ تخرج، وأجسادٌ ذاويةٌ تدخل! كنا نتعرض للاضطهاد حين نصوم رمضان، وكنا نُعذَّب، لا بالجوع وحده؛ بل بالإذلال والاستخفاف كذلك، إضافة إلى الضغط النفسي، وجلسات الإغواء والإغراء، والتحقيقات الطويلة المستمرة، كان ذلك يجعلني أحسّ كما لو كانت السماء ستنطبق على الأرض وأنا بينهما أتنفس من ثقب إبرة، وسط أموات هم في موتهم يتنفسون العذاب!

في هذا العالم، أناسٌ ساديون لا يشعرون بأنهم أحياء إلا عندما تتداعى الكائنات الحيّة تحت أقدامهم، تُزجي الأنين حتى في موتها. بعد أن قررتُ عدم التعاون مع الاستخبارات الأمريكية، أذكر أنني عُدت وأنا أحمد الله وأشعر بأنني قمت بعمل كان ينبغي أن أقوم به، وأنني أسير في طريق يُفترض أن أسير عليه، راضيَ البال، سليمَ الضمير.

أما كلمات اللُّطف تلك، فسرعان ما تبددت أحرفها وطارت في الهواء لتتحول سياطاً للتعذيب، والتجويع!
عندما أهلَّ علينا أول رمضان وفهم الحراس أننا لا نتناول شيئاً إلا بعد مغرب الشمس، باتوا يؤخرون وجبة العشاء، لا يأتوننا بها إلا بعد أربع ساعات على الأقل من وقت الأذان. الوجبات التي كانت تقدم لنا لم تكن معلّبة، بل كانوا يطبخون لنا طعاما رديئا من حيث النوع، قليلا من حيث الكمّية، وحبّات الأرز القليلة لم تكن ناضجة بما يكفي.

نقلوا الناس أكثر من مرة، ومزجوا الجنسيات، وغيروا المجموعات على أساس هذه الدرجات، فجعلوا المعسكر الأول مكاناً لأهل الدرجة الأولى "A"

كنا نجد عَنَتاً في معرفة اليوم الأول واليوم الأخير من رمضان. ومع أن إدارة سجن غوانتانامو كانت تسطيع معرفة ذلك بسهولة، إلا أن القائمين عليها كانوا يرفضون إخبارنا، إمعانا في التعذيب النفسي! لقد كانوا يشككوننا، ففي المعسكرات الأول والثاني والثالث، كنا نرى الشمس والقمر، خصوصاً من كانوا منّا في الزنزانات رقم (1 و24 و25 و28) فهؤلاء يمكن أن يروا الهلال، مع أن مناخ غوانتانامو مَداريٌّ في الغالب، تكثر فيه الغيوم، فكنا نكمل العدة ثلاثين يوماً، وإن كان بعضنا يفطر إذا بلغه ثبوت الشهر.

بعد رمضان مكثنا فترة ثم نُقلنا إلى عنبر هوتيل (H)، وهو مقابلٌ للعنبر الذي كنا نقيم فيه، وفي تلك الأيام أحدثت الإدارة نظام الدرجات: الدرجة الأولى، وهي الممتازة، تليها الدرجة الثانية ثم الثالثة، وكانت الرابعة هي أسوأ الدرجات، إذ لا يملك صاحبها من المتاع إلا الحصير واللباس الذي يلبسه. والمقصود من هذه الدرجات معاقبة السجين الذي يعترض على سوء المعاملة، أو الذي يطالب بأبسط حقوقه، أو الذي لا يتعاون مع المحققين. والغرض من كل ذلك هو أن يتنافس المعتقلون على الدرجات، فيصبح كل واحد منهم لا تهمه إلا نفسه، وكان معظم المعتقلين يرفضون التمييز والتفضيل، فهم يعلمون أن لذلك نتائج وخيمة.

الدرجة الأولى يسمونها "A"، والدرجة الثانية "B"، والدرجة الثالثة "C"، والدرجة الرابعة "D". عندما هموا بتطبيق هذا النظام، نقلوا الناس أكثر من مرة، ومزجوا الجنسيات، وغيروا المجموعات على أساس هذه الدرجات، فجعلوا المعسكر الأول مكاناً لأهل الدرجة الأولى "A"، وتتابعت المجموعات على ذلك النحو. وضعوني مع كثيرين آخرين في المعسكر الثاني، وهنا افترقت عن حماد ومحمد ورشيد.

لا يبقى لدى صاحب الدرجة الرابعة إلا بطانية واحدة مع الحصير، ويفقد حتى فرشاة الأسنان والمعجون والصابون. ولم يكتفوا بذلك بل جاؤوا بدرجة أخرى، في مرحلة معينة يفقد صاحبها كل شيء

عقوبات الدرجة الأولى:
في عنبر كيلو (K) من المعسكر الثاني، التقيتُ معتقلين من جنسيات مختلفة من السعودية والعراق واليمن.، مكثت في ذلك العنبر يومين، ثم نقلت في اليوم الثالث. وأثناء النقل، وفي منتصف العنبر، رأيت جمال أبو الوفا، وهو يمني كان يعمل مديراً لمؤسسة الحرمين في أذربيجان، وكانت تلك أول مرة أراه فيها. ناداني لكنني لم أعرفه، فالتفتُّ إليه مجدداً ودقَّقت النظر لأدرك أنه هو، فسلمت عليه وسألته: لمَ جاؤوا بك إلى هنا؟ فلم أسمع رده لأن الجنود بادروا بإخراجي ونقلوني إلى عنبر تانغو (T) المخصص للدرجة الرابعة، ولم يَـفُتْني أن أسألهم: لماذا نقلتموني من الدرجة الثانية إلى الرابعة، فردوا بأنهم لا يدرون وبأنهم مكلفون بتنفيذ أوامر لا يسألون عن مدلولاتها ولا عن عللها.

وضعوني في عنبر تانغو (T) يوماً واحداً، ثم نقلوني إلى عنبر سيارة في المعسكر الثالث، وهناك وجدت جنسيات مختلفة. كان بجواري عبد الرحمن العمري من السعودية، وجزائري يُعرف بالشيخ مطيع وهو من طلبة العلم، وقد درس في سوريا. وكان هناك شخص يدعى محمد السبيعي، وأشخاص آخرون. كانت تلك الدرجات عبارة عن تصنيف جديد في العقوبات، فمنذ مقدمنا إلى غوانتانامو كانوا يعطون كل واحد منا، كما أسلفت، قارورة ماء تستبدل كل شهر، ومعها كوب خفيف من الفلين، ومرتبة وحصيرة من البلاستيك بسيطة يصلي عليها ويستر بها نفسه عند الخلاء. كما يسلمونه شرشفاً واحداً وبطانيتين ومنشفتين عاديتين ومنشفة أخرى صغيرة لليدين.

فلما طُبّق بنظام الدرجات، جعلوا هذه الأشياء مجتمعة لا يستحقها إلا من هم في الدرجة الأولى. أما من هو في الدرجة الثانية، فتسحب منه المرتبة وقارورة الماء. وصاحب الدرجة الثالثة يفقد تلقائياً المرتبة والقارورة وكوب الفلين إضافة إلى إحدى البطانيتين. ولا يبقى لدى صاحب الدرجة الرابعة إلا بطانية واحدة مع الحصير، ويفقد حتى فرشاة الأسنان والمعجون والصابون. ولم يكتفوا بذلك بل جاؤوا بدرجة أخرى، في مرحلة معينة يفقد صاحبها كل شيء ولا يبقى معه في الزنزانة إلا ملابسه التي يرتديها. اعتُبرت تلك الدرجات عقابيّة، فكان من يخالف النظام يرسل إلى الدرجة الأصعب. وفي مرحلة تالية صارت هذه الدرجات تصنيفاً من قبل المحقق الذي يأمر بوضعك في درجة كذا تبعاً لرضاه عنك أو نظرا لدرجة التعاون التي يريدها منك.



حول هذه القصة

احتشد محبو الأميرة البريطانية الراحلة ديانا فجر اليوم الخميس على أبواب قصر كنسينجتون لإحياء ذكرى المرأة التي أعادت تشكيل صورة بريطانيا والعائلة المالكة لدى وفاتها قبل 20 عاما.

قالت المنظمة العربية لحقوق الإنسان ببريطانيا إن منع السعودية الحجاج القطريين من أداء فريضة الحج هذا العام ستكون له تداعيات خطيرة، وسيفتح نقاشا موسعا حول أهلية المملكة لرعاية الأماكن المقدسة.

وقع انفجاران ترافقا مع تصاعد دخان أسود في مصنع “أركيما” الكيميائي بمنطقة كروسبي في ولاية تكساس، وذلك بعدما غمرته المياه نتيجة الأمطار الغزيرة والفيضانات التي رافقت إعصار “هارفي”.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة