شعار قسم مدونات

غزة في فهم سياسة المراوغة

blogs غزة
لعل قطاع غزة هو من أكثر الشعوب معرفةً بمصطلحات المراوغة السياسية والتشبيع الخطابي في كل المؤتمرات والخطابات السياسية التي اعتاد على سماعها، وفي هذا الإطار بات المواطنون يفرقون بين الحقيقة وبين الشعارات الكاذبة التي تتلاءم مع الظروف المحيطة والتي تتعامل بنوع من الغموض والتعتيم، فسياسة المراوغة من حيثُ الصيغة هي سياسة تلاعب في تنصيصات لغوية تعبر عن أهداف المراوغ والرسالة التي يريد أن يوصلها ولكن بطرق مغايرة ومختلفة عن المعتاد، فيخمد فيها سخط الناس ويزرع في مخيلتهم وهم يقلل من حيرة أنفسهم وتساؤلاتهم، وتكون في ظروف وقتية حساسة تُغلقُ فيه الثغرات التي ثقبتها صدى نقمات المواطنيين.

أما من حيثُ المبدأ فهي سياسة من أكثر السياسات رسوخأ واعتقاداً في أذهان المخاطبين السياسيين في تعاملهم مع الجمهور من حيثُ التلقينات السياسية والمبادئ الراسخة بضرورة استخدامها كلما زادت الفرقات وتفرعت الاتجاهات السياسية، وكلما انحرفت دفة الصراع أكثر على سياساتهم، ولكن مصير قطاع غزة أصبح على المحك، فلم تعد المراوغات السياسية ولا الخطط والأهداف تجدي نفعاً، فهذا القطاع المحاصر منذ 11 عاماً قد سأم من المزايدات السياسية والتبريرات الخطابية وتحادف المسؤوليات ومحاولة تصديق أي مبادرات من شأنها تخفيف هذا الحصار.

 سلمَ بعضهم أموره لله والبعض الآخر ما زال ينتظر أحدهم عله يصدق في كلامه، ومن هنا تبدأ الحكاية الرنانة التي يعرفها كل شخص يقطن قطاع غزة ألا وهي "متى ستفرج أوضاعنا؟"، نعم أمورنا معقدة قليلاً وصعبة ولكن أعتقد أنها ليست بالمستحيلة! ألا يجب عليكم أيها القائمون على حكم بلادنا أن تتغاضوا ولو قليلاً عن خلافاتكم وتوجهاتكم السياسية من أجل الوطن؟ هذا الشعب ماتت أحلامه وماتت وروده حتى أشجاره مخرفة طيلة الفصول، أغصانه هشة وأوراقه أصبحت باهتة حتى علم بلادي أصبح كذلك، لم يعد أحد يحترمُ ألوانه.

علينا إنهاء الانقسام الفلسطيني الذي سعت إسرائيل دوماً على توسع أقطاره ومستجداته وإفسادها لكل المحاولات والمبادرات التي من شأنها تخفيف حدة الصراع الفلسطيني

الطفلٌ منا تعلم منذ الصغر على نور الشموع ويأكل وينام على نور الشموع، لا كهرباء بالتأكيد حتي يشاهد البرامج الكرتونية خاصته كباقي الأطفال في مثل سنه، بل وكبر هذا الطفلٌ حازم الخطى واثقاً في شبابه الذي سيعوضه عن نقص الطفولة الذي دمرته السياسة في بلدي، ولكنه ملَ من الانتظار وقرر الهجرة، هو ليس بخائن بالتأكيد ولكنه خشى أن يفقد شبابه كما فقد طفولته! ذهب ليبحث عن كرامة، عن العيش كإنسانٍ حقيقي في بيئة تقدر الإنسان وتحترم إنسانيته.

شاخت وطنيتنا في فرقتنا السياسية وتأزمت مفاهيمنا ومبادئنا في ظل الانقسام الفلسطيني، فلا أحد يستطيع إنكار المعضلات التي خلفها فكر هذا الانقسام، ولكن هل فكرت يوماً أيها المهاجر أن الهجرة التي أقدمت عليها تزيدُ من شرخ الانقسام لا تنقصه! إذا كانت قدرات شبابنا قررت الهجرة خارج حدود الوطن فمن سيبقى في الوطن ليحيي فكره وينمي مهاراته ويطور من قدراته ليصبح أفضل وأقوى؟ من سيبني ركام هذا الوطن ومن سيحرره ومن سيجدلُ ظفائر القدسِ الطاهرة!

 نعم الحياةُ في الوطن قاسية ولكنك لن تجد أغلى من تراب هذا الوطن مهما حييت ! أتقولُ أن فيها ذِلةٌ؟ ولكنه لن يكون كذلةِ غربتك مهجراً بعيداً عن ديارك وأهلك! وأنتم أيها القائمون على حكم بلادنا، ألا يحتاجُ الوطن لفتةً تضمد جرحه الذي استمر لسنواتٍ عديدة لقى فيها الويلات والمصارع! 

نحن لا نميزُ بعضكم على بعض ولا نوجه رسائلنا لفصيل معين بل للكل، فنحنُ في نهاية المطاف أبناء شعبٍ واحد وأبناء قضيةٍ واحدة نحملُ ذات المبادئ والأهداف، وقراراتنا ينبغي أن تكون موحدة تحت إشراف سلطة واحدة يقودها شعبٌ واحد، كلنا ثقة بكم في أن تنهوا هذه المهازل السياسية وأن تفكوا أسرَ مليوني نسمة محاصرين في قطاع غزة براً وبحراً وجواً.

نحن كأبناءٍ لهذا الوطن نقفُ أمامكم وقفةَ رجلٍ واحد في إنهاء الانقسام الفلسطيني الذي سعت إسرائيل دوماً على توسع أقطاره ومستجداته وإفسادها لكل المحاولات والمبادرات التي من شأنها تخفيف حدة الصراع الفلسطيني ولتصرف النظر عنها ليبقى الشعب ملتفتاً لصراعاته فقط دون الحيلولة إلى توجيه دفة الصراع باتجاه المحتل ودحره من أرض هذا الوطن، وليبقي الداخل الفلسطيني وحتى قطاع غزة مشغولاً بلقمةِ عيشه فقط بعيداً عن السياسة وتذبذباتها وبعيداً كل البعد عن قضيتنا الأساسية.