شعار قسم مدونات

الغيرة بين الماضي والحاضر

Blogs-couple
حظيت يا عود الأراك بثغرها
أما خشيت يا عود الأراك أراك

لو كنت من أهل القتال لقتلتك

لم ينجو مني سواك يا سواك  

       

حين قرأت أبيات الشعر التي قالها سيدنا علي لفاطمة رضي الله عنهما وإن كان قد أورد هذه الأبيات من باب المزاح إلا أنها تدل على الغيرة التي كانت تمتلك قلوب الرجال في تلك الأيام، حدثتني نفسي ماذا لو كان علي بيننا اليوم ماذا سيقول عن البشر الذين نزعت منهم هذه الخصلة التي يفخر بها النساء والرجال على حد سواء فالمرأة تحب غيرة الرجل والرجل كذلك يحب غيرة المرأة، وكيف وصلنا اليوم إلى هذه المرحلة من فقدان هذا الشعور الذي كان أصلاً من أصول عاداتنا وتاريخنا ومبادئنا لا وبل أصبح الرجل الغيور اليوم، رجل تقليدي شرقي ضد التقدم ورجل غير حضاري! فأي حضارة تلك التي لا تتبنى الغيرة فالغيرة هي الحب وقد يقول بعضكم أنها حب التملك فهذه الصفة من صفات الله وهي أن لا يشاركه في الملك أحد فهو الذي لا شريك له.

        

لذلك فكل إنسان سواء كان إمرأة أو رجل يحبون التملك فالمرأة تغير من أن يتقاسم أحد قلب زوجها معها والرجل كذلك، وهذا ما يجعلنا نعترف بأن الغيرة أمر فطري وأن بعض الحيوانات يتقاسمون معنا هذه الفطرة، فعلى سبيل المثال الإبل في موسم التناسل يهيج ويصبح غاضبا بحيث لا يقترب أحد من أنثاه، وأما ذكر الشمبانزي هذا الحيوان الهادئ يتحول فجأة إلى وحش عندما يشتبه أن شريكته تخونه أو عندما تذهب إلى ذكر آخر وتقيم معه فتثور ثائرته حتى يصل به الأمر إلى تشويه الأنثى وهذا لا يقتصر على ذكور الحيوانات فقط، إنما أيضا أنثى البط مثلا لديها غيرة شديدة على زوجها يقابلها الزوج بالولاء والوفاء فعندما تغار أنثى البط من أنثى أخرى تريد إفساد الحياة الزوجية لهما يقوم البط بفرد جناحيه وملاحقة غريمة زوجها حتى يبعدها عن عش الزوجية ليكملا حياتهما بدون أي منغصات تذكر.

       

وسأورد لكم خبراً عن حزام العفة الذي كان منتشراً عند الغرب سابقاً وهذا الأمر بالطبع تأنفه العقول البشرية والنفوس السوية والأديان السماوية، فكل ما يحط من مكانة المرأة التي هي أم وأخت وزوجة مرفوضا لدينا رفضا باتاً، ولكن سأتحدث عن موضوع حزام العفة لأخبركم أن الغيرة كانت موجودة أيضا عند الغرب سابقاً وإن كانت منبوذة لأنها ليست أزمة غيرة إنما أزمة ثقة أيضاً، وهذا الحزام عبارة عن حزام يصنع من الجلد أو الحديد ليوضع على الأعضاء التناسلية للمرأة في حالة سفر الزوج ليمنع الاتصال الجنسي مع أي رجل آخر أثناء سفره ويغلق هذا الحزام بواسطة مفتاح، يبقى مع الرجل إلى أن يعود ولكن هذه الغيرة باتت معدومة لدى الغرب فهم لم يجدوا الوسطية في هذا الأمر فليس لديهم سوى إما حزام العفة أو تبادل الزوجات الذي أصبح رائجا هناك.

               

الغيرة لا تحتاج لمبرر إنما هي الحب بذاته، وقد لا تكون الغيرة فقط بين الرجل وزوجته بل أن الغيرة على أشياء كثيرة لا تستطيع إحصاءها فكل شيء قد تحبه قد تغار عليه
الغيرة لا تحتاج لمبرر إنما هي الحب بذاته، وقد لا تكون الغيرة فقط بين الرجل وزوجته بل أن الغيرة على أشياء كثيرة لا تستطيع إحصاءها فكل شيء قد تحبه قد تغار عليه

          

وأما العرب فهم منبع للغيرة فلم تكن الغيرة تقتصر فقط على نسائهم بل أيضا كانت تمتد لتصل إلى كل النساء فهذا "عنترة بن شداد" الشاعر في عصر ما قبل الإسلام عندما رأى جارته قال:

وأَغُضُّ طرفي ما بدَتْ لي جارَتي

حتى يُواري جارتي مأْواها 

       

وما قاله عنترة في الجاهلية يختلف عما عليه شباب الحضارة اليوم فالكثير من شباب اليوم إلا من رحم الله يتحينون الفرص لكي يتجسسون على جاراتهم، وقد قال الشاعر العباسي "أبو تمام":

بنفسي من أغار عليه مني وتحسد مقلتي نظري إليه    

و لو أني قدرت طمست عنه عيون الناس من حذري عليه

        

وأما ما قاله "أبو تمام"  فهو ند لما نراه اليوم حيث الزوج أصبح يتباهى بظهوره مع زوجته ونظرة الناس اليهم كعاشق ومعشوق، وإذا أردت معرفة سبب دنو مستوى الغيرة ليس عليك سوى تتبع بعض المسلسلات اليوم، نعم إنه الإعلام الذي استطاع تغيير الكثير من القناعات بدون شعور الشخص المستهدف فإذا نظرت إلى المسلسلات الكثيرة التي تعرض في بعض القنوات والتي لا تكاد تخلو من قصص الحب، ولكن القصة الأكثر شناعة هي الحب الممنوع والذي أحرى به أن يسمى الخيانة، فهو الخيانة بذاتها ولكنهم أرادوا تشريع الخيانة فحاولوا تصويرها بأنها حق،  فالحب لا يعرف القوانين ولا الحدود وأصبح المشاهد العربي عندما يتابع المسلسل يخشى على أبطال هذا المسلسل الممثلين لدور المحبين أو بالأحرى الخائنين يتعاطف معهم ويخاف أن تظهر قصة الحب اللعينة للعلن.

       

الغيرة عاطفة والعاطفة بالرغم من ضعفها إلا أنها ستتحول لعاصفة حتى تعود الأملاك حرة، وأن الغيرة ليست دافعاً للحب دائما بل ربما دافعاً للكرامة وأن للنفس كرامة تعلو كل المشاعر

وهكذا تنتشر في عقل الإنسان الأفكار المسمومة التي تغير من سيكولوجية الإنسان من خلال الأفلام والمسارح والكتب التي أصبحت المصدر الوحيد الذي يعتمد عليه الناس سواء في التسلية أو الأخبار أو غيرها و أن الانحطاط الأخلاقي وقد يسميه الآخرون انفتاح أو تحرر أو غير ذلك الكثير مهم جداً لتعايش المجتمعات فالمجتمعات المنحلة أخلاقيا لا تقبل بأن تجلس على طاولة واحدة مع المحافظين، فمن الخطوات المهمة لإرساء مشاريعهم التناسق الفكري والمجتمعي رغم أن المنحلين أخلاقيا كانوا أقلية ولكن في هذه الأيام الأقلية هم الأغلبية! وهكذا قد تكون جعلت الإنسان خاملاً لا يتحرك فيه شيء سوى جسده الظاهر، أما باطنه فحدث ولا حرج فالغيرة تجعل العلاقة أكثر فعالية ونشاطا بدلاً من جعلها علاقة خاملة روتينية خالية من مشاعر يحتاجها طرفي العلاقة.

     

أنا لا أود المبالغة بموضوع الغيرة وأهميتها فالغيرة منها المحمود ومنها المذموم وأنا أحدثكم عن المحمود منها، وقد يقول البعض أن المحمود منها أو المذموم منها لا مبرر له فأقول له أن الغيرة لا تحتاج لمبرر إنما هي الحب بذاته، وقد لا تكون الغيرة فقط بين الرجل وزوجته بل أن الغيرة على أشياء كثيرة لا تستطيع إحصاءها فكل شيء قد تحبه قد تغار عليه، فإذا أحببت بلدك تشبثت بأرضها لأخر قطرة من دمائك ومن دنس أرضك بقدمه قاتلته حتى تعود أملاكك حرة، والغيرة تكون أيضا على المبادئ نعم المبادئ فإذا سألتك إلا ترى نفسك عندما تدخل في بعض النقاشات كيف تثور ثائرتك ولا ترضى أن يمسها أي أحد كائناً من كان.

              

الغيرة أيضاً أن تدافع عن قضيتك بكل ما أوتيت من قوة لا وبل مستعد لتقديم روحك فداء لها فبالله عليك قل لي ما هذه أليست الغيرة بذاتها فإذا سألك سائل هل تغار فقل دون تردد نعم أغار على كل شيء من أي شيء، فكل ما أحب هو شيء والذي أكره هو لا شيء، فالظلم عندي لا شيء لأني أبغضه والعدل عندي شيء لأنه قضيتي، واعلموا أن الغيرة عاطفة والعاطفة بالرغم من ضعفها إلا أنها ستتحول لعاصفة حتى تعود الأملاك حرة، وأن الغيرة ليست دافعاً للحب دائما بل ربما دافعاً للكرامة وأن للنفس كرامة تعلو كل المشاعر.