شعار قسم مدونات

في الرد على المشككين في حجية السنة

مدونات - قرآن
كان الظن الذي استقر في ذهني أن مسألة "حجية السنة النبوية" باتت من الأمور المتجاوزة، ولم تعد إشكالا مطروحا يثير النقاش، وتُكْتَبُ حوله الردود، والردود المضادة، وذلك بعد انكسار فلول المستشرقين وأذيالهم في العالم العربي، وانكِشَافِ زيف شبههم وأباطيلهم بعد الردود القوية التي كتبها محب الدين الخطيب ومصطفى السباعي وعبد الغني عبد الخالق وغيرهم من أفذاذ العلماء. إلا أنني تفاجأت هذه الأيام بمقالة على مدونات الجزيرة لأحد كتابها اللامعين تردد نفس الشبه وتعيد سرد نفس الأوهام، والحقيقة أنني صُدِمْتُ من هذه المقالة ومن الأحكام الإطلاقية والادعاءات غير المؤسسة التي أطلقها صاحبها. اعتمد كاتب هذه المقالة في نفيه لحجية السنة على ثلاث سرديات مشهورة، وهي: 
– أنه لا يوجد دليل قطعي على حجية السنة.
– أن السنة أغلبها ظني والظني منهي عن اتباعه بنص القرآن.
– نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن كتابة حديثه.

فلنأخذها واحدة واحدة، ولنبدأ بالأولى منها وهي قوله أنه لم يرد دليل قطعي على حجية السنة، وقد أسس الكاتب هذا الحكم على رأي لابن عاشور في تفسير آية سورة النحل (44) ومع أن الطريق الذي سلكه ابن عاشور في تفسير الآية وهي قوله تعالى: "وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ" مخالف لما عليه أكثر المفسرين من أن المقصود ببيان الذكر هو سنة النبي صلى الله عليه وسلم، إلا أن هذه الآية ليست هي النص الوحيد على حجية السنة، بل هناك نصوص أخرى كثيرة تدل على حجيتها أغفلها الكاتب، وقبل ذكر هذه النصوص أؤكد هنا أنه لو لم تكن السنة بيانا للقرآن؛ تفسر مجمله وتخصص عامه وتقيد مطلقه لما عرفنا كيف نصلي؟ ولا كيف نؤدي زكاة أموالنا؟ ولا كيف نحج؟ ولا كيف تستقيم معاملاتنا المالية؟ في كثير من المسائل الدينية التي ورد الأمر بها في القرآن بشكل مجمل لا يمكن فهمه إلا من خلال الرجوع إلى السنة، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: "صلوا كما رأيتموني أصلي"، وقال: "خذوا عني مناسككم"، وقال: "ألا وإن ما حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما حرم الله".

ومن هنا فقد لا حظ الإمام الشاطبي أن "تعريف القرآن بالأحكام الشرعية أكثره كلّي لا جزئي… ويدل على هذا المعنى بعد الاستقراء المعتبر أنه محتاج إلى كثير من البيان؛ فإن السنة على كثرتها وكثرة مسائلها إنما هي بيان للكتاب"(الموافقات، ج4 ص180)، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإننا لو اتبعنا هذه الطريقة في تفسير نصوص الوحي والتشكيك فيها بحجة أنها ظنية لتعطلت الشريعة بأكملها، فآيات القرآن التي لا تحتمل إلا تفسيرا وحيدا قليلة معدودة، ولكن حسبنا أن نفسر نصوص الوحي برد بعضها إلى بعض، بدل أن نضرب بعضها ببعض.

 نهي الرسول صلى الله عليه وسلم عن تدوين سنته إنما كان خشية أن تختلط بالقرآن وخصوصا أن المجتمع حينئذ كان مجتمعا أميا، ولهذا أذن صلى الله عليه وسلم لأهل العلم من الصحابة بكتابة الحديث

أما النصوص التي دلت على حجية السنة وأنها جزء من التشريع، فمنها قوله تعالى: "وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ" وقد وردت طاعة الرسول هنا معطوفة على طاعة الله، والعطف يدل على المغايرة، مما يعني أن طاعة الرسول المقصودة في الآية هي طاعة زائدة على طاعة لله؛ فطاعة الله هي اتباع كتابه وطاعة الرسول هي اتباع سنته، وهي واجبة بنص الآية بل إن هذا الوجوب يرتفع إلى تكون طاعة الرسول من طاعة لله: "مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ" وهذه الآية دليل واضح على تهافت "التفرقة بين الله ورسوله في أمر التشريع" كما قال ابن عاشور (التحرير والتنوير، ج4 ص198).

ولهذا جزم الرازي أن هذه الآية من أقوى الدلائل على عصمة النبي صلى الله عليه وسلم "في جميع الأوامر والنواهي وفي كل ما يبلغه عن اللَّه" (مفاتيح علوم الغيب، ج10 ص149)، ويؤكد هذا أَمْرُه سبحانه وتعالى بالتسليم التام لحكم النبي صلى الله عليه وسلم "فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا"، "وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ" وتحذيره من مخالفة أمره "فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ"، وأمره برد القول إليه "فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ" والرد إلى الله هو الرد إلى كتابه والرد إلى الرسول هو الرد إلى سنته، كما بين ذلك الإمام الشافعي (الرسالة، ص81). فهذه الآيات بالإضافة إلى آيات أخرى كثيرة لا يتسع المقام لذكرها، فضلا عن كون كل واحدة منها دليلا مستقلا بذاته على حجية السنة، إلا أن ضم بعضها إلى بعض يفيد بشكل يقيني لا شك فيه أن السنة حجة قائمة بذاتها وأنها جزء من التشريع الإلهي والبيان المعصوم.

وأما القول بأن السنة أغلبها ظني والظني منهي عن اتباعه بنص القرآن، فإن الظن الذي ورد النهي عنه في القرآن -كما أوضح الشاطبي (الاعتصام، ج1 ص235)- هو الظن الذي لا يَنْبَنِي على أصل؛ غير الأوهام والتخرصات ولهذا قَرَنَ القرآن بينه وبين اتباع الهوى "إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ"، وَوَصْفُ السنة بأنها ظنية إنما هو مبالغة من علماء الإسلام في الاحتياط والدقة العلمية، وإلا فإن السنة النبوية وضع لها المسلمون علوما منهجية صلبة لتوثيقها ومنع تسرب الدخيل إليها تقترب بها من اليقينية، مثل علم الجرح والتعديل الذي عُنِيَّ بتدوين تاريخ رواة السنة؛ جرحا وتعديلا، وعلم المصطلح الذي وَضَعَ أصولا واضحة لتميز الحديث الصحيح من الحديث الضعيف، مثل اشتراط عدالة الرواة واتصال السند وسلامته من الشذوذ ومن الاضطراب.

وأما استناد الكاتب في نفي حجية السنة على حديث مسلم "لا تكتبوا عني شيئاً إلا القرآن، ومن كتب عني شيئاً فليمحه" فهو استدلال أوهي من بيت العنكبوت، وذلك لاعتبارين: أولهما أنه نَاقَضَ نفسه بنفسه، حين استدل على نفي حجية السنة بنص من السنة نفسها ! فكيف ينفي حجية السنة ثم يؤسس هذا النفي على نص هو لا يعترف بحجيته؟! وكيف تكون السنة كلها ليست بحجة في الدين ثم يكون هذا النص منها حجة يبنى عليه مثل هذا الحكم الخطير؟! ثانيهما أن هذا الحديث ليس هو الحديث الوحيد الذي ورد حول كتابة السنة وتدوينها، بل وردت أحاديث أخرى تفيد مشروعية تدوين السنة وأنها الحق المبين، ونكتفي هنا بما رواه أبو داود عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: "قلت يا رسول الله: إني أسمع منك الشيء فأكتبه. قال: نعم. قلت: في الغضب والرضا؟ قال: نعم فإني لا أقول فيهما إلا حقاً". ولهذا قال العلماء إن نهيه صلى الله عليه وسلم عن تدوين سنته إنما كان خشية أن تختلط بالقرآن وخصوصا أن المجتمع حينئذ كان مجتمعا أميا، ولهذا أذن النبي صلى الله عليه وسلم لأهل العلم من الصحابة مثل عبد الله بن عمرو وعلي وأبي هريرة بكتابة الحديث لأنهم فقهاء لا يخشى عليهم من أن يختلط عليهم القرآن بالسنة.