علمتني الغربة أن أخاف المحبة يا أمي

blogs - كآبة
عندما كنا صغارا كنا أقوى حتى إن مخاوفنا لم تكن تتعدى الخوف من أشباح غير موجودة أصلا، وما إن كبرنا شيئا فشيئا وكبرت مخاوفنا؛ ما إن نقص الحب الطفولي البريء تزداد مخاوفنا من الأقرباء قبل الغرباء، فتزداد الكراهية اطرادا والمحبة، تنقص بحجة أننا نتألم فقط فنتشبث أكثر بالماديات، أما الروح فتتألم في صمت، لأنها تنسلخ من طبيعتها التي وجدت من أجل السمو والارتفاع عن سفائف الأمور..

أنا لست أخاف من الكراهية يا أمي

، لأنها من خصائص دنو الدنيا، أنا أخاف من الحب واللطافة لأنها من خصائص الارتقاء التي تتحدى قانون الجاذبية، فتسمو، أخاف أن أظلم الودودين معي -المتصفين بالمحبة غير المشروطة- بقسوتي، أخاف أن أجرحهم أخاف أن يتألم بسببي لأن قلبي أصبح صلبا حد القسوة ربما.

فبعد غربتي عن مدينتي ذقت مرارة لم أكن أعرف أنها موجودة أصلا، ربما لأنني ترعرعت في أسرة أغدقت وأغرقتني في الحب والمحبة، ولم أكن أعلم بوجود كل هذا الخبث، وبعد تجربة دامت عامين من الغربة أصبحت قاسية، بل لنقل تصلبت أحاسيسي فعدت أرى أن الكل يسعى لاستغلالي من أجل مصلحته ليس إلا؛ أضف إلى هذا اشتياق الروح للوطن، عندها تسعى الروح إلى الانشقاق عن الجسد لتسافر لذكريات الوطن الجميلة

، فيصبح الجسد جثة بلا روح..

لم أشفى بعد من عقدة الخوف تلك، فبعد تجربتي تلك أخاف من أن ألتقي الودودين الرحماء، أخاف مني خشية إيذاء الحب؛ ولا يسعنا سوى أن تهتف ألسنتنا باللهم امنحنا القوة لقلوبنا، قوة العطف

في الغربة صديق الوطن غريب، أما الغريب يصبح الصديق الوفي لغربتنا؛ علمتني الغربة كيف أقف وحيدة من دون مساعدة أحد سوى الأحد! وأنه في الغربة لا يتبقى لنا أحد سوانا، وأن الرحمة أصبحت هي العملة الأصعب على الإطلاق؛ في المقابل علمتني كيف أرى الله معي في كل ضعف وفي كل قوة، بل إن المحن قد حاكها القدر لي بإتقان ليجنبني الأسوأ.

ربما لأن اختياري كان فاشلا فيهبني طوق النجاة الذي أتى على هيئة العسر؛ ولا أنكر أنني في الغربة رأيت الكثير من الجمال، حيث كسرت تلك القاعدة التي ما انكفأنا على حفظها وترديدها فثبت لي العكس، بأن فاقد الشيء يعطي، بل هو الأكثر عطاء.. أذكر في أحد أيام نهاية الأسبوع ذهبت وزميلاتي في السكن لسوق الخضر فحدث أن التقينا بـ"بائع الموسيقى" يعزف الكمان، فلم يعره أحد أي اهتمام، لكن بائع الثوم -الذي لم يبع شيئا هو الآخر- فَعَل.. ابتسم وأعطى "اشترى بعض الموسيقى"، فدخلا في عالم منسجم تماما.. العازف والمبتسم كلاهما كانا مبتسمين، لكن الذي أعطى كانت ابتسامته طاهرة.

كنت قريبة منهما بعض الشيء، أحسست بطاقة الأرواح الجميلة الطاهرة وكم كانت قوية، قوية بالحب.. البسطاء هم مركز الحب المنبثق من شدة الألم.. البسطاء هم من يستطيعون تحويل الألم والمعاناة إلى روح طاهرة مليئة بالحب.. البسطاء يحبون فقط، بلا قيد ولا شرط، بل إن "الأنا" ليست في قاموسهم النفسي.

أما الغربة فجعلتني رغما عني أنانية كي أبقى! في ظل هذا العالم الساخر نتعامل بحياة مسيرة بالتنافس القاسي من أجل البقاء، علمتني حياة الغربة كيف أرحم وكيف أقسو، كيف أحب وكيف أكره، كيف أستطيع وكيف أعجز، وأن الحياة بتناقضاتها معجزة ؛ كيف لا والإنسان مزيج متناقض، جسد بشهوات وروح فاضلة، الجسد المتعلق بالدنو والدنيا والروح المرتبطة بالعلو والرقي، أما الآن فبدأت أتعافى من مرض الغربة بعدما عدت للوطن وللأسرة، عدت للحب والألفة للود والإيثار.

لكنني لم أشفى بعد من عقدة الخوف تلك، فبعد تجربتي تلك أخاف من أن ألتقي الودودين الرحماء، أخاف مني خشية إيذاء الحب؛ ولا يسعنا سوى أن تهتف ألسنتنا باللهم امنحنا القوة لقلوبنا، قوة العطف والرحمة، قوة تجعل قلوبنا تصبر لضربات الصديق قبل العدو، اللهم امنحنا قلوب البسطاء آميــن.