الموت الذي نختاره

blogs + امرأة تبكي
ما قهر الإنسان على وجه الأرض شيء مثلما قهره الموت، الموت هو الحقيقة المطلقة التي مهما حاولنا الهروب منها لن نسلم منها أبداً، هو نقطة سوداء في حياتنا باختلاف أعمارنا، ذلك الشعور بانقباض القلب واعتصاره، ربما نشعر به عندما نقف بالسيارة ليمر موكب جنازة، أو عندما نمر بجانب بيت ونرى عنده أفواج المعزين، أو عندما نسمع الإمام وهو يقول: “صلاة جنازة …”. نحن لم نرَ من عاشوا قبلنا بمئات السنين ولن نرى من قد يعيشون بعدنا، جيل يطوي صفحة جيل شيئاً فشيئاً تلك هي سنة الحياة، ولو كان الموت خياراً لما اختارناه، بل هو لزام علينا أن نرى موت من نحبهم من العائلة وصولاً لعابر سبيل مرّ في حياتنا يوماً، وإن لم يكن فالعكس سيحدث.
لكن هل سمعت يوماً عن الموت الذي نختاره؟ هناك العديد من الأشياء التي نشهدها ترتدي ثوب الموت لكنها ليست هو، تأتينا في كل مرة بلون مغاير ووجه مغاير وصوت مغاير أيضاً، لكن بنفس الشعور القاهر، الفراق إحداها.. ذلك القوي الذي يولد فينا حزنا كلهيب الشمس، يبخر الذكريات من القلب ليسمو بها إلى عليائها، فتجيبه العيون بنثر مائها لتطفئ لهيب الذكريات، لهيب ليس له حدود، لا يشعر به إلا من اكتوى به، لاحظ معي لو أنك جئت بقطعتين من الخشب وزرعت في أحشاء إحداها مسماراً لتحولهما لقطعة واحدة، وحاولت فصلهما بعد ذلك لأي سبب من الأسباب، حتماً ستضطر من دون شك لأن تطرق على الخشبة وتنزعها عن قرينتها، ستسمع بأذنيك صوت الانفصال، وستخسر بالتالي إحدى الخشبتين أو كلتاهما شيئاً من فتات ما صنعت به، وربما تنقسم كلياً إلى أجزاء متفرقة لا تستطيع تكوينها، أتكلم هنا عن المادة، عن كل ما له شكل وحجم، فما بالك بالأرواح؟ 

نحن لا نستطيع إيقاف الموت المحتوم، لكننا نستطيع أن نخفف من أشكاله، أن نكتم صوت الغصة ونقلل ملح الدمعة، بإمكاننا أن نحافظ على متانة علاقاتنا فلا نهدر جمالها سُدى

أما رأيت يوماً عاشقاً يفارق معشوقته وملامحه تنضح بكل أنواع الآلام؟ يريد أن يقول لها بكل ما أوتي من حب وقوة أن قفي ها هنا لا تذهبي سأموت، صحيح أنه لا يموت فعلياً لكنه يتذوق من طعم الموت شيئاً، وهكذا فراق الأحبة والأصدقاء، لما كانت امتحانات العام تنتهي معلنة غياباً عن رفاقي.. أتألم، لما سافر صديقي الذي جاورني في مقعد الدراسة سنوات ولم أره بعدها.. تألمت، ولما غادرت لبلد آخر وخلفت أبي وأمي وبعض إخوتي مات في نفسي شيء وبقي الفراق والألم.

نحن نتألم إن فارقنا بيتنا، أشياءنا، أحباءنا، علاقاتنا، نحن نحزن إذا تركنا نهاراً جميلاً أو فاتتنا ليلة سعيدة، ربما نستسلم للفراق أحياناً، لكن أحياناً تتملكنا قوة جامحة في داخلنا تجعلنا فجأة نحارب الجميع مهما كانت قواهم وأسلحتهم، نقاتلهم على ضعفنا، لا نريد الاستسلام هذه المرة، رغماً عن طاقاتنا الهزلية نقاتل، ورغماً عن سيطرتهم نحاول أن ننتصر، لكن في النهاية إرادة الله نافذة، وعلى السهم أن يترك القوس حتى يصيب.

نحن لا نستطيع إيقاف الموت المحتوم، لكننا نستطيع أن نخفف من أشكاله، أن نكتم صوت الغصة ونقلل ملح الدمعة، بإمكاننا أن نحافظ على متانة علاقاتنا فلا نهدر جمالها سُدى، ولا نشهر سلاح الغياب بوجهها، كم تمنيت لو أن هناك قانون يقول للمفارقين تعالوا، لا يحق لكم أن تنسجوا خيوط الأمل ثم تقطعوها، لا يحق لكم أن ترسموا فرحة اليوم وتهدموها غداً. أنا لست من المتلذذين بتعذيب النفس ولا مغرما بالأوجاع، لكنك حين تمسي وحيداً بعد أن كان نورهم لا يغيب عنك حيناً ستتألم، فنحن البشر مساكين، ضعيفون لدرجة أنّ لقاءً يحيينا وفراقاً يضنينا، المشهد هنا ليس درامياً، بل هذه هي الحقيقة، فعلى كل عتبة موقف حزين يموت جزء من روحنا، حتى يأتي الموت ويقضي على ما تبقى منها.