الحقيقة الغائبة

blogs الحقيقة

تَعِيشُ كَكُلّ يَوْمٍ كُلَّ يَوْم تهْفو نَفْسك إلى تذَكّر الماضي كي لا تُتْعِب نفسَك بالمستقبل الآتي مبْهَم الهويّة، وبالحاضِر شديد الوَطْأَةِ قويّ التّنْكيل، تصْحو على خبر الفَقْد في كلّ مكان، تؤْلمُك مجرّد الذّكْرى لغائبٍ حاضرٍ تعرفُه، ولميتٍ لا تعْرفه تربطه بك رابطة الدّين والعرْق والوطن، ولمَكْلومٍ رقّت عيناه حتى كادت تبْيَضّ من شدّة الألَمِ.

 

فكَمْ من يوسُف لأبيهِ غيرَ أنّه لمْ يعُدْ ولنْ يعود له، يبحث عن ريحهِ بين شتاتِ نفسه، عن قميصِه ليرد إليه روحَهُ فلا يصل إليه تحتَ ذلكَ الحطامْ!، تصَبّره شوق لقياه من جديدٍ في عالمٍ غير هذا، في مكان لم تدَنّس فيه ذِكرى البَشَر، ولأم تبحث عن شَمْسِ قلبها التي تُضِيء لها أفُقَ الحياة، وتزهر في ضيائِها ورود الأمَل!، تبحث عن من يملأ جَوى الفراغ في قلْبها، فهي أمُّ موسى غيرَ أنّ موسى قد أصبح أمَّةً لم تسلم من أذى فرعون – وكم من فرعون!-، تَتَشابهُ الآياتُ عبرَ الأزْمان، تَتَناقل الأجْيالُ حكايات أجدادها بكلّ فخر تنتظر العودة -تعيش على مجد الماضي- حتى تكبر لتعلم أنها تحولت لمسبب الانتظار، وتنتظر.

إنّكَ قد تَبْتَعِدُ عنهم في حياتك فتظَلُّ فتراتٍ دونَ رؤْيتهمْ أو التواصُل معَهُم، ولكنْ يُنسيكَ الأمَل، وتُعميك الحياة -الزائِفة-، فأيْنَ ذلكَ الأملْ!

أصبَحت لا تعْلم شُعورَ الفَقْد لكَثْرة حيزه في محيط عالمِك حتى أصبح حقِيقَةً لا تعْلمُ عن وجودِها أو لا ترغب بالاعْترافِ بها، تغَلِّف حياتك بغُلافِ الحياةِ الزائِلةِ الراكض وراءَها، الفاني عمرك من أجل لقْمة العَيش!، تَنْظُر المعاناة ولا تَتَحمَّلُ وقْعهَا، فأنْت فاقِد لنفسِك تُحاصِركَ علامات الاسْتفهامِ وتُتْبعُها بالتعجب!، لا تعْلم منْ أنت؟!، ولماذا أنت؟، وما دورك؟!

ثُمَّ تعُود لتُغْرِقَ نفْسَكَ في تذَكُّر الماضي لتشْفِقَ على المستَقْبل، فيُصْبح شعور الغائِب الحاضِر، تُصْبِحُ كالغَريقِ الذي يظَلُّ حبيسَ أنْفاسِه بُرهَةً من الزَّمنِ صامِداً عنِ الذِّكرى، يستنطق طوايا أسرار نفسه، ثم لا يلْبَثُ أن يَصِلَ لقاعِها غريقاً، تتفاوَتُ درجةُ إحْساسِنا بمَنْ رحلوا على حسب ما نقَشوه فينا من معاني الأنس والأُلْفَة، يقولون أنّك تجِدهم بداخِلك!، تفَكّر في ذلكَ فتجد أنّهم قد أثروا بك وثاروا بكُلّ ما فيك، ولكنَّك تريدُ أنْ تجدهم خارجك، تجدهم هم، تجدهم معك، يغَلفُك الشُّعور بالفَقْد المثقَلِ بالنّدَمِ، تفْتقِد ضَحكَاتهم، جَمالَ أرْواحِهِم، صَمْتهم الذي يعْبَثُ بأفْكارك دونَ أنْ يطْرقَ بابَ فاهِكَ، نظراتهم التي تملؤُ كيْنونَتك، ثم يعاودك اخْتِلاجُ قلبك بالحُزن، صحيحٌ أنّكَ قد تَبْتَعِدُ عنهم في حياتك فتظَلُّ فتراتٍ دونَ رؤْيتهمْ أو التواصُل معَهُم، ولكنْ يُنسيكَ الأمَل، وتُعميك الحياة -الزائِفة-، فأيْنَ ذلكَ الأملْ!

تَستيقِظُ على حقيقةٍ واحدة، أنّك ينْبغي أن تعْملَ على الاجْتماعِ بهم، أنْ تعمل على أن يصبحَ الفقد لحظياً لا أبَديّا، أن تُناضِل لقَضيةٍ تستحق أن تعيشَ بعْدهم عليها وبها، ألا تسمحَ لغيركَ بأن يُظلم منْ فرعون، فتقفُ له كموسى، حتى تتّكِئ على عصاك وقد ابْيضَّت يداك، وشارفت روحك آفاق السَّماء لتجْتمع بمن تحبْ، لتسْبحَ في آفاق ليْسَت كأيّ آفاق، فاعْمل على الاجتماع بهم أبد الآبدين بمشيئة الله تعالى.