لصوص وصاروا نجوم

"اقتل عشرة أشخاص وستصبح مجرما مطلوبا للإعدام، اقتل ألفاً وستصبح بطل حرب" على لسان أحد أبطال المسلسل الأمريكي الشهير "prison break" جاءت تلك العبارة البليغة، وفي مصر ستجد مئات الحالات التي ينطبق عليها هذا المثل مثل السفاح الذي انتزع الحكم بدبابته على أجساد الآلاف وتُرفع صوره عالياً، كما ستجد أن من يسرق رغيفاً يُصبح لصاً مطلوبً للسجن، أما من يسرق مليارات فقد يصير نجماً تتهافت عليه الناس لالتقاط الصور التذكارية التي يتداولها الملايين عبر الإنترنت والصحف، ولن يمشِ أبناءه ولا أحفاده منكسين الرأس من العار الذي لاحقهم، وإنما سيصبحون هم كذلك نجوماً ومشاهير تُفتح لهم الأبواب ويُستقبلون بالترحاب ويتهافت الجميع على الجلوس معهم.

كان خروج السيدة أم كلثوم نجيب محفوظ، ابنة الأديب العالمي الراحل، خلال أحد البرامج وحديثها عن واقعة تزييف قلادة النيل التي تسلمها والدها بمثابة ناقوس لتذكرة الناس بماضي الديكتاتور المخلوع واللص المحترف حسني مبارك، الذي أذاق هو وأبناءه وأعوانهم وجنوده هذا الشعب مُرً وفقراً وقهراً طوال ثلاثين عاماً، وكان له كبير الأثر في تدمير أجيال بأكملها شربت الذل والفقر والمرض شرباً من يديه، بل وتدمير مستقبل أجيال أخرى جاءت بعده عانت من تركته الفاسدة، ورغم مشيئة القدر بأن يوصموا بلقب "اللصوص" رسمياً بحكمٍ بات ونهائي، إلا أن البعض قد نسيّ أو تناسى كل ذلك الاجرام وصاروا يتبارون في التقاط الصور مع ابنيه وحفيده جاعلين منهم نجوماً بالكذب.

فخلال شهور مضت تداول الملايين من مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي والمواقع الإخبارية والصحفية صوراً لنجليّ المخلوع وهم يتجولون في الشوارع ويتناولون الوجبات في أشهر المطاعم بين الناس دون نقطة خجل ولا حياء، وكأنهم يخرجون ألسنتهم للشعب الذي ثار على طغيانهم وفسادهم، وبدلاً من أن يسمعوا تقريعاً يسمم أبدانهم ويذكرهم بفجرهم واستبداد أبيهم والعار الذي يخر منهم تم استقبالهم بحفاوة مبالغة تحزن القلوب، فهؤلاء الذين يرحبون بهم لطالما ذاقوا المر فقراً في عهدهم ومن جراء سياسات أبيهم الفاسدة التي سرقت اللقمة من أفواه الجائعين وكدستها في أرصدة عصابة لجنة السياسات في بنوك أوروبا، أنسيَّ الناس بهذه السرعة ما فعله جمال مبارك من فساد وطغيان وسرقة ونهب فصار عندهم نجماً ورمزاً!!

هذا هو جمال مبارك أمين لجنة السياسات بالحزب الوطني الذي أفسد الحياة السياسية في مصر بأكملها ودفعها للانفجار قهراً في وجهه ووجه أبيه.(حسني وجمال مبارك)

أنسي الناس عبد الحميد شطا، الشاب المجتهد الذي كافح سنوات وسنوات ليحظى بوظيفة لطالما حلم بها واستحقها عن جدارة بكدٍ واجتهاد ثم قتله هؤلاء قهراً بدعوى أنه "غير لائق اجتماعياً"، أنسي الناس جبروت حبيب العادلي وسلخانات التعذيب وقوات الرعب داخل جهاز أمن الدولة؟، أنسوا أكياس الدم الفاسدة والمبيدات المسرطنة وعبارة الموت وقطار الصعيد وغيرها المئات من الكوارث والمصائب التي راح ضحيتها عشرات الألاف من الأبرياء ضحايا لفساد وإجرام مبارك!!

ورغم كل ذلك تجد دعوات تُطالب اللص ابن اللص بالترشح لرئاسة الجمهورية وإطلاق صفحات وحملات شعبية ودعوات لترشيحه ليُكمل مسيرته الأولى في نهب ثروات مصر وأقوات أهلها، فبجانب حكم المحكمة الذي وصمه باللصوصية رسمياً في قضية القصور الرئاسية هناك العشرات بل المئات من القضايا والوقائع التي تلوثت فيها يد هذا المفسد بأموال الناس مستخدم نفوذه وسلطة والده في الثراء السريع على حساب أجيال كاملة كان أشهرها قضية الاتجار الفاسد في ديون مصر التي ربح منها مليارات الدولارات والتي اعترف بها في التحقيقات الرسمية، وعقود فساد ومضاربات وتهريب أموال بالمليارات منها ما كشفه الباحث أسامة دياب في تحقيقه "عندما يستثمر جمال مبارك.. أو كيف تحول كل دولار إلى 12 ألف دولار" والذي كشف خلاله عن أحد مشاريعه المعقدة للإثراء السريع الذي استفاد خلالها من الملاذات الضريبية والنظم الضريبية السرية، والذي أوضحت الوثائق أنه استطاع عبر تلك الطرق وخلال مشروع واحد تحويل 1750 دولارًا إلى ما يقرب من 21 مليون دولار.

هذا هو جمال مبارك أمين لجنة السياسات بالحزب الوطني الذي أفسد الحياة السياسية في مصر بأكملها ودفعها للانفجار قهراً في وجهه ووجه أبيه، وتلك هي العائلة التي يُطالب البعض برجوعهم إلى الحكم، وتُفتح أبواب أكبر الأندية على مصراعيه لنجلهم ويتبارى النجوم في التقاط الصور معه وكأنه ابن أحد الأبطال، وترفع الأصوات المدافعة عن حقه في اللعب والالتحاق بالنادي تحت دعوى أنه لا ذنب له في جرائم أبوه وعمه وجده، مُحققين قول العظيم الراحل جلال عامر "تركنا مبارك عرايا واكتسى هو، جوعى وشبع هو، فقراء واغتنى هو، مرضى وعولج هو، وعندما قمنا بالثورة لنحقق العدل.. تحقق له هو"، إلا أن ما يجعلنا نتفهم بعض منطق هؤلاء المرحبين بعودة اللصوص المجرمين والاحتفاء والاحتفال بظهورهم أنهم رأوا من هو أجرم من مبارك وأشد استبداداً وإجراماً منه وأكثر ديكتاتورية وظلم وطغيان، وكأنما نسوا حكم الظالم بعد ما رأوه من حكم الفاجر.
____________________________________________________
الهوامش:
– جمال مبارك يعترف ببيع ديون مصر
– جمال مبارك لهف 5 مليارات دولار من بيع ديون مصر

– قصة عبد الحميد شطا
– أم كلثوم نجيب محفوظ: قلادة النيل التي سلمها مبارك لوالدي "مزيفة"

– عندما يستثمر جمال مبارك…أو كيف تحول كل دولار إلى 12 ألف دولار



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة