غازي القصيبي.. الإرهابي(3).. ما من موقف يمر بلا ثمن

إذا كان صعيد قصيدة غازي القصيبي؛ "للشهداء"، الموضوعي المشتبك مع ظروف كتابتها ونشرها مما يمكن الحديث عنه دائما بشكل مختلف في كل مرة بتجدد المعلومات المتعلقة بذلك، فإننا نستطيع الحديث عن صعيدها الفني المتكئ على النص وحده بغض النظر عن ظروف كتابته أو نشره أو تداعيات نشره اللاحقة. ذلك أن النص قد اكتمل، وانتهى بنشره كل العوامل التغييرية فيه، ولم يتبق لنا وأمامنا سوى قراءته ما بين النقد والتلقي الذوقي أيضا.

 

للقصيدة عدة محاور فنية يمكن أن نقرأها من خلالها في ظلال مستويات كثيرة، وهذه إحدى الخصائص الأسلوبية في الكتابة الشعرية لدى القصيبي وخصوصا عندما تكون القصيدة مكتوبة وفقا للمنهج الخليلي.

 

لقد جعل الشاعر مفهوم الشهادة هنا يتجاوز المعنى الاصطلاحي الديني ولكن بعد أن يندغم معه، فتكون الشهادة كناية عن الرؤية البصرية والنطق القولي أيضا من قبل الله سبحانه وتعالى والأنبياء والأولياء، بالإضافة إلى نطق أرض الإسراء لهم به. وهذا يعني أنه أضفى على المعنى الاصطلاحي الديني للشهادة معان أخرى مستمردة منها ومندغمة معها ولكنها تتجاوزها أيضا مما يعني مضاعفة قدسية الفعل الجليل لهؤلاء الفتية الشهداء.

 

لجأ الشاعر إلى قافية بمد وهمزة متطرفة دالة على النواح والبكاء الساخن والصادر من الأعماق فكأنه كان يصرخ ويصرخ، حتى بح صوته وجف حلقه، في معادل موضوعي لفعل الكلام الذي يغلف ساستنا وسياستنا

فمعاجم اللغة العربية كلها لا تشير للشهادة بمعنى الموت بقدر ما تربطها بمعاني الحياة في تجليات مختلفة. والتراث الديني الإسلامي محمل باشتقاقات عديدة لهذه الكلمة بدءًا من شهادة أن لا إله إلا الله التي هي إعلان الدخول في الإسلام، ومرورا بالتشهد الذي لا تصح الصلاة بغيره، وانتهاء بالشهداء الأحياء عند ربهم يرزقون، مرورا باشتقاقات الأصل في القرآن للشهادة والشهود والشهداء.

 

وإذا كان الشاعر بدأ قصيدته بتأكيد شهادة الله، التي لا يمكن أن تحيل إلى معنى سلبي مضاد للحياة على سبيل المثال، وأردفها بشهادة الأنبياء والأولياء من خلال فعل مضارع يفيد الاستمرارية في هذه الشهادة دائما، فإنه حملها تلك الشحنة الدينية الهائلة وقطع الطريق على من "حرم" العمليات الاستشهادية باعتبارها نوع من الانتحار المحرم في الإسلام.

 

ولجأ الشاعر لأسلوب البنية المتقابلة بطريقة عفوية، حيث جعل من الانتحار، أي قتل النفس بطريقة ذاتية، والذي يروجه البعض كمصطلح وكمعنى عن العمليات الاستشهادية، حياة للشهداء متسقا مع الرؤية الدينية الإسلامية. فهؤلاء الشهداء لا ينتحرون بل يستشهدون، وهذه العمليات التي يقومون فيها ليست قتلا للنفس بل إحياء لها وفقا للمفهوم الديني والذي عبر عنه القرآن الكريم في قوله تعالي "وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ*فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ *يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ".

 

ثم انتقل لاحقا لأن يجعل من حياتنا التي نحياها بمعزل عن الفداء بمعناه الديني والوطني موتا وفناء، وأدان مظاهرها التي صورها بشكل قميء تشمئز منه النفس الأبيه بعد أن أحالها إلى معنى من معاني التبعية السياسية لأمريكا والبيت الأبيض في إدانة واضحة للأداء السياسي العربي ممثلا بأداء القادة والحكومات.

 

ومن خلال سخرية قاسية، حيث العجز نفسه يزدري عجزنا والبكاء ذاته يهزأ بنا، وحذاء شارون شبع من لعقنا له والأرض لفظت جثثنا، توالت ضربات الشاعر القوية في جلد عربي للذات عبر جلد أبرز رموز هذه الذات وصورها الذكورية. فالقصيدة لا تحتفي بالبطولة الفردية وحسب بل بها ممثلة بصورة فتاة حسناء جابه بفعلها الشاعر فتاوى مشايخ السلطة الذين دبجوا فتاويهم بما يناسب هذه السلطة ويوافق هواها بل أهواءها المتغيرة.. وحسب!

 

هذا الوضوح المتحدي لوضعه الخاص في مهب السياسة والدبلوماسية حيث عمله واهتماماته لا يبدو سوى نوع من المواجهة الذاتية واختبار للمبادئ تحت ظلال الواقع الراهن له

لقد لجأ الشاعر إلى قافية بمد وهمزة متطرفة دالة على النواح والبكاء الساخن والصادر من الأعماق فكأنه كان يصرخ ويصرخ، حتى بح صوته وجف حلقه، في معادل موضوعي لفعل الكلام الذي يغلف ساستنا وسياستنا. والجماليات الصوتية عادة مما يتكئ عليها القصيبي في قصائده العمودية بمبالغة شديدة أحيانا وخصوصا في القصائد ذات النفس القومي أو السياسي، بتضافر ملحوظ مع بنية أسلوبية تغلب عليها الأساليب الإنشائية بين استفهام وتعجب وأمر ونهي، وكلها تعبر عن الاندهاش والإدانة للفعل والسلوك العربي في سياق العملية الاستشهادية لأيات الأخرس وغيرها من عمليات مشابهة.

 

ومن الملاحظ أن سخرية القصيبي التقليدية عبرت عن نفسها في القصيدة من خلال إفراط الشاعر في أنسنة كل شيء تقريبا ما بين الأشياء والمعاني كالعجز والركوع والحذاء وغيرها، من دون أن تفقده تلك السخرية عادته القديمة عند الحديث عن المعاني القومية في الاستعانة بالرموز المستقاة من تراث عربي وديني زاخر حيث الجنة تحتفي بالشهداء وحيث الفحولة تعني الفروسية لا الرعونة وحيث فاطمة الزهراء.. بما يوحي به الإسم من قدسية في محلها.

 

لكن الذروة في القصيدة تتسامى صعودا فوق البيتين الأخيرين اللذين عبر فيهما الشاعر عن رسالة القصيدة ورسالته كشاعر وكمواطن عربي في مهب السياسة حينما تخلى، وللمفارقة، بشعرية، عن الشعرية نفسها وهو يقف في مواجهة مصطلح "الجهاد" المتهم والملتبس ما بين الدين والسياسة والوطن والشعر وتداعيات كل ذلك راهنا عربيا وإسلاميا وعالميا، دينيا ودنيويا، سياسيا وفكريا، فيقول:

 

حين يدعو الجهاد.. يصمت حبر            ويراع.. والكتب.. والفقهاءُ

حين يدعو الجهاد.. لا استفتاءُ             الفتاوى، يوم الجهاد، الدماءُ

 

إن هذا الوضوح المتحدي لوضعه الخاص في مهب السياسة والدبلوماسية حيث عمله واهتماماته لا يبدو سوى نوع من المواجهة الذاتية واختبار للمبادئ تحت ظلال الواقع الراهن له. وإن كان يقول أنه لم يدفع ثمن تلك القصيدة أو لم يعاقب على نشرها فإننا نقول أنه فعل ذلك مقدما.. وطوال عمره الوظيفي وعوقب ذلك العقاب الخفي من قبل النقاد والمتلقين فيما يشبه الصمت عن موقفه في كثير من القضايا ذات الطابع الوطني الخاص!

 

كان غازي قد تعدى الستين من عمره بثلاث سنوات عندما سئل إن كان ما زال للأمل والحلم موقع في نفسه، فأجاب: "كنا نحلم بولايات عربية متحدة وبجيش عربي واحد وبعلم عربي. كنا نحلم بمجتمع يحفظ للإنسان العربي كرامته، وبمجتمع لا يجرجرونك فيه إلى القسم بلا سبب ولا يحتجزونك من دون تهمة، ولا يعتقلونك من دون أمر قضائي. كنا نحلم بأن نركب السيارة من المحيط وننطلق فلا نقف إلا في الخليج. لا يسألنا أحد عن التأشيرة. وعندما نتعب نقف في موتيل وننام من دون أن نبرز الهوية.

 

نحلم بأن نمشي فلا يستوقفنا أحد ويسألنا عن المرأة التي معنا وهل هي جدتنا أو خالتنا. كنا نريد أن نتجول في شوارع المدن العربية من دون أن نحمل شجرة العائلة على صدورنا وعقد الزواج في جيوبنا، وبطاقة أحد المتنفذين على جباهنا. كانت هذه أحلام "البروفسور" ورفاقه عندما كانوا في العشرين كما وصفها في "العصفورية" وهذه هي أحلامي الآن. الفارق أن "البروفسور" كان يعتقد بأن أحلامه ستتحقق في القريب أما أنا فأعلم أنها، للأسف الشديد، أضغاث أحلام، ومع ذلك ما زلت أحلم وسأظل أحلم."

 

بقي أن نقول أن القصيبي الذي كثيرا ما استشهد، وهو يواجه معاركه المتلاحقة، يقول الأديب السوري محمد الماغوط: "ما من موهبة تمر بدون عقاب"، كان يكمل القول على طريقته الساخرة بمرارة: "وما من موقف يمر بلا ثمن!". لقد مضى الرجل تاركا وراءه الموهبة والموقف خالدين، رغم العقاب والثمن، وربما بسببهما أحيانا.



حول هذه القصة

أعرب المبعوث الدولي الخاص إلى ليبيا غسان سلامة عن تقديره لجهود جميع العاملين على تعزيز المصالحة بين الليبيين. لكنه حذر من تكاثر مبادرات الوساطة لأنها تربك المشهد السياسي في البلد.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة