العبادة بين الخوف والحب والعادة

في البداية كان الرجل والمرأة دون إقامة وزن لأي شيء مهما عظم شأنه اليوم بيننا من أخلاق بمفاهيمها المعقدة غير الثابتة أو العادات بمرتكزاتها غير المحددة المصدر أو حتى الدين كتوجه واضح، ليس كصلة بالله وإنما كممارسة اجتماعية. فالدين في أصله التزام ذاتي بين الذات ونفسها في اتجاه الله وممارسة اجتماعية في اتجاه الآخر-المجتمع- وعندما ذكرنا إقامة الوزن لغير الوجود البشري في الارتباط بوجود البشر على كوكب الأرض كان من بين ما تجب الإشارة إليه مفهوما وخصائص وجوهرا إقامة الوزن للتفكير في ارتباطه بأشياء عدة، وقبل ذلك معرفته في مدلوله عبر التساؤل: أين حدود التفكير؟ خصوصا في معرفة الله؟
في النهاية كان تعدد من الخلق، حيوانات وإنسا وجنا وما بينها من خلائق الله العظيم إلى ما لا نهاية، بلا نهائية ما خلق أو ما سيخلق، بل بعظمة تتجاوز كل شيء.. كيف لا وهو الله الذي يكفي أننا نتوقف عن التفكير لمجرد محاولة عقولنا تدبره وإدراكه، لكن لا بأس أن نعترف بخطإ فادح في حضرة حديثنا عن البحث عن الله، وهو كوننا نبحث عن صفات التجلي الملموس المقيد بالمادة وننسى بكل صدق البحث في صفات التجلي الحر غير المرئي المريح على الرغم من عدم وضوح تفصيلاته، ورغم عدم الوضوح هذا ورغم هذا التعقيد فإننا نجد راحة في استسلامنا للخسارة، خسارة الرهان على إدراك الله، خسارة نبررها مرتاحين بأن التجلي الحر فوق قدرة عقولنا، كيف لا ومن تجلى حرا هو صانع هذا العقل، والصانع لا يدرك من عقل المصنوع.

نتيجة تهدئنا وتبعدنا عن دائرة البحث عن الله كمادة خوفا من السقوط في الخطيئة، ذلك أن التجسيد الوحيد لله في عقولنا هو اسمه وغير ذلك ممنوع علينا التفكير فيه. وأنهي الحديث هنا بسؤال: كيف يمنع علينا التفكير في ذات الله وقد خلق لنا عقولا؟ أليست حكمته تعالى تدعونا برغبته تلك وإرادته تلك ومنحته لنا عقولا، نستخدمها في استيعابه كذات وصفات وندركه في حقيقته؟ لا سبيل إلى إنكار ذلك، خصوصا أنني بشري من صنع الله. إن ربنا عندما خلق الإنسان خلق إلى جانبه أشياء أخرى لا تحيا بماء ولا بتربة وإنما هي حية في أذهان مخلوقه المكرم بالبشرية.. فجاء البشر وكان قبله خلق آخر مميز عن الملائكة والجان والشياطين إنه الفكرة.

من كان يعبد بحق لا ينام عن صلاة الفجر ولا يشتكي من حر رمضان ولا يكذب ليسرق حلوى من يد طفل ولا يزني لاشتداد الرغبة في مكمنه ولا يقتل ولا يسلب ولا يخاف من مخلوق أن يقول حقا

الفكرة خلقت قبل كل شيء ولست بالشجاعة الكافية اليوم كي أقول بأن الله يفكر لأن صفة الخلق لا يجب أن تلتصق بالخالق، وهي معادلة لا يجب أن يحملها المتدينون فقط بل حتى المشركون أو الباحثون عن الله.. فالخالق أزكى من كل وصف وأعلى من كل تفكير بشري ما دمنا لم ندرك بعد ماديا من أين أتينا بداية وكيف تم نسج حكاية وجودنا ومعيشنا بين العذاب والنعيم مرتين، الأولى في الدنيا والثانية وعد مؤجل التفعيل هناك في الأعلى..

نعم في الأعلى وليس في مكان آخر.. ذلك أن هذا الكم من الألم الذي نحيا فيه لا يمكن أن ينتج إلا عن سقوط مدوي من علو شاهق وهو ألم يدل على أننا نزلنا من علو شاهق لتنزع الرياح من على أجسادنا أجمل صفات السعادة ومنها الخير.. ويكفي أننا كلنا أبناء قاتل عشق توأمه فقتل أخاه هابيل الذي راح ضحية الطيبوبة بعد أن تقبل الله قربانه ولم يتقبل من الأخ المجرم الآخر الذي كان منبعنا جميعا.. ولا يجب أن ننسى أنه ندم بعد قتله ذاك وهي الفكرة التي تحدثنا عنها.. أي خلق سبق الإنسان وكل شيء لنجد أنفسنا نندم ونسعد ونضحك ونحزن ونبكي ونحب ونكره ونتألم ونقسو ونرحم.

إن التعقيد العميق الذي نعتبر جزءا منه في هذا الكون قد يقودنا إذا استخدمنا العقل لوحده إلى أعمق نقطة في الجنون.. ذلك أننا لن نفهم الحقيقة لعدم إمكانية الوصول إليها نهائيا، صحيح أننا نصلي لله، لكننا نصلي استسلاما منا لعدم قدرتنا على إدراك الله ونصوم خوفا وليس حبا رغم كل تلك الحلاوة التي قد نحسها في خضم العبادة، والدليل على ذلك أننا لمجرد تفكيرنا في ذات الله يطرح الشك لدينا في تعبدنا ما وجهته وما سببه… إلخ

وليس طرحنا لهذه الأسئلة نحن الباحثون عن حقيقة الله تطفلا عن ذاته أو تشكيكا في وجوده، فهذا من الجنون قوله.. إذ لا محيد عن أن لنا سبب خلقنا لأجله وهناك صانع في النهاية، إنما طرحنا لتلك الأسئلة هي بالدرجة الأولى محاولة منا التوصل إلى الإدراك الواضح لمن نسجد له ونصوم ونعبد، وهي راحة ستغنينا عن التوغل في الشك حتى في حقيقة وجودنا وستخلصنا من عذابات الضمير كلما حاولنا بدون قصد وبشكل آلي التفكير في شكل الله وصفاته وجلسته وطريقة كلامه، وهل يمكن من الأصل أن نصف صفاته بهذا الضرب من الكلمات؟

علماؤنا ومشاييخ الأمة دأبوا مند زمن على شرح أحكام العبادة، كيف تصلي وعدد ركعات كل صلاة، هل ترافق الحائض زوجها لصلاة العيد، واللباس الشرعي للمرأة المسلمة وأحكام الحج والزكاة والصوم والكفارة… إلخ، لكن هؤلاء لم يتجاوزوا مطلقا تفسير الأحكام إلى تفسير سبب وجودها ومراحله والغاية منه عبر البداية بأول تفسير وهو تفسير ذات الخالق بعلم يقين يجمع كل أسباب العبادة، مشاييخنا وزعوا مفاهيم الفرائض هنا وهناك وأحكامها، لكنهم أفقهوها لنا واتبعناها كما تعلمناها عادة وليس عبادة..

فمن كان يعبد بحق لا ينام عن صلاة الفجر ولا يشتكي من حر رمضان ولا يكذب ليسرق حلوى من يد طفل ولا يزني لاشتداد الرغبة في مكمنه ولا يقتل ولا يسلب ولا يخاف من مخلوق أن يقول حقا، ذلك أنه يعبد بحق ويدرك مصب العبادة يقينا بإدراك الله، وهو أقوى مراتب معرفة التجلي الحر لله أن تفهمه كموجود وتعبده حبا وليس خوفا وعادة.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة