الطيبات للطيبين.. ليس دائماً

المشهد الأول:
هي أطيب خلق الله بشهادة الجميع، كنت أراها بحجابها الطويل والذي يتناسب مع ملابسها الفاتنة في كل مرة كانت النساء تغار من فكرة أنها لا تغادرُ مكانها إلا وقد عدلت من هيئتها وشكلها وعند لقائي بها كانت الدعوة التي لم تفارقها:" ربي يرزقك بابن الحلال الطيب فالطيبون للطيبات".!
تباعدت الأيام ومرت لألتقيها من جديد، مطلقة وطليقها فضح كل أسرار زواجها، ولم يترك لها شيئاً تستترّ به و كدت لا أعرفها.!

الطيبون للطيبات هكذا تحفك تلك العبارة المستلهمة من آية كريمة وردت في سورة النور بالذكر، كلما جاء أحد على ذكر الزواج، وكأنه يقصدُ بذلك المعنى الذي نفهمهُ خلال قراءتنا الأولى، أنت جيد فلن يكتب الله لك سوى الجيد، أنتِ طيبة والله لن يكتب لك سوى طيباً، والحياة بصورها المتعددة ليست بهذه المثالية وبهذه السهولة، إنها معرض الفتن والاختبارات "لقد خلقنا الإنسان في كبد"، فكيف بها إن كان حتمياً أن يهدي الله كل شخص لما يكافئه من زوج، كيف بها إن نلنا مرادنا ولم يتقطع طريقنا ابتلاء وتمحيص؟!

القدر غير ذي عهد بتمهيد إنه هكذا يصلينا من ناره دون هوادة؛ إذ إن الأقدار ربما صادمتنا، وهي أقوى منا، ولا يد لنا بها إطلاقاً، وكذلك يهدينا من خيره بما لا قبل لنا بفهمه أو استيعابه، إن اتفقت معي فيما سبق ستتمكن بكل سهولة من إدراك مفهوم ما أرنو إليه، إننا قاصرو الفهم عن الإحاطة بكثير من الآلام والاختبارات التي تعرض لنا في هذه الحياة، إننا نرى الحياة من منظور قاصر لا يطاله بالفهم منطقنا الضعيف، وبالتالي اختلالات الصورة حاضرة، نرى أحدهم قد ابتلي في صحته مع كونه شديد القرب من ربه، أهذه نقمة؟ ربما هي كذلك في منظورنا المحدود، لكننا لا ندرك المغزى الكبير الذي يختبئ خلف هذا الاختبار لهذا العبد الصالح، وعبر هذا المثال وغيره يمكننا أن نعدد ما يدل على عدم استقامة الأقدار والنصيب مع منطقنا الإنسانيّ القاص "وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً".

إن رأيت في الطرف ما تعده عيباً؛ ففتش عن نفسك، هل أنت أيضاً مبرأٌ من العيوب؟.. إن كثيراً مما نقول فيه إنه "عيب لا يُطاق" ليس حقيقياً، فأكثر العيوب تُطاق، ونحنُ نتعايش معها بسهولة

إن تعدد حالات الطلاق وتفشيها بقدر كبير في مجتمعاتنا العربية لخير دليل على ما نحاول إيضاحه، كيف بالله أن يرزقك طيباً مماثلاً لك أو خيراً لك ثم تسير بكما الدروب تجاه مشكلات كبرى تخرج أسوأ ما فيكما في الغالب؛ لتؤدي في الأخير إلى انفصال وطلاق؟! بالتأكيد هناك خلل في التصور المبدئي للأمر، هنا قصور في أحد الأطراف أو كليهما، هناك تكافئ مفقود وتناسب مفترض غير موجود، إننا إن استجمعنا فكرة العامة حول مفهوم "الطيبون للطيبات" وأسقطناها على نسب الطلاق الكبيرة التي تعج بها مجتمعاتنا، فإننا على الفور سنلاحظ أبعاد الهوة الكبيرة التي تفصل هذا المفهوم الغارق في المثالية عن أرض الواقع، هوة تجعلنا نفر صوب التفسير الأدق للآية القرآنية الكريمة التي صدر عنها هذا المفهوم.

إن مفهوم "إن أبغض الحلال عند الله الطلاق" الحديث رواه أبو داود وغيره، وضعّفه بعضُ العلماء. لكن معناه صحيح في الجملة، فمع اتفاق الفقهاء على أن الطلاق جائزٌ من حيث الأصل، إلا أنهم بحثوا في كراهته إن كان بلا سبب وجيه. تحتاج المسألة لمراجعة مدوناتهم الموسّعة. لكن سأذكر الفكرة الرئيسية التالية:

إن الكراهة ظاهرة في الحقيقة؛ لأن الطلاق هو انحلال الرابطة التي يحبها الله، وهي الزواج، ونحن لا نتزوج إلا ما اعتقدناه طيباً في أصلهِ، فإن كان الزواج مرغوباً محبوباً شرعاً، فإن نقيضه مكروه وبغيض شرعاً أيضاً. والمعلوم أن الطلاق ليس هو الحل المفضّل، بل هو كالمخرج الاضطراري، لا يلجأ إليه إلا من استغلقت عليه كل السبل الأخرى، الغالبُ أنه سيجد في غير الطلاق مساغاً متى اجتهد بإنصافٍ ورويّة في حل مشكلته مع شريك حياته.

أقول: إن رأيت في الطرف ما تعده عيباً؛ ففتش عن نفسك، هل أنت أيضاً مبرأٌ من العيوب؟.. إن كثيراً مما نقول فيه إنه "عيب لا يُطاق" ليس حقيقياً، فأكثر العيوب تُطاق، ونحنُ نتعايش معها بسهولة أيضاً، فإن كان -كما تعتقد- لا يُطاق، فتريّثْ وتأملْ، فإن هدم الأسر بالتوهم والظنون والانطباعات الوقتية حماقة كبيرة للغاية، فالغضب يُعظّم الصغائر وينفخها، وتذكّر أن النقص كالفطرة في البشر، كلهم ذوو نقص، لكنهم يتفاوتون في ستره ومداراته فقط. ثم هل البديل المنتظر ملاكٌ من السماء السابعة؟!

الطيبون ليسوا للطيبات إلاّ ما ندر، فلربما كان اختبارك من قبل الله في زوج سيئ أو في زوجة سيئة هذا على افتراض أننا جيدون


المشهد الثاني:

كنتُ صادقة معهُ، لم أتوانى عن الاستخارة يوماً واتبعتُ كل سبل التقرب لله بالتقرب منهُ، لكنهُ اعتبر ضعفي قوتهُ فبدأ يمارسُ كل أنواع الخيانات، وأسرّ لأصدقائه ما يحصل داخل الغرف المغلقة، لم يكن بصفة المسلم وعلامة الصلاة إلا وحشاً يذلّ نفسه للرغبة.. تركتهُ بقوة المرأة وتركت معه إيماني ويقيني، فلو كان الله موجودا لمنع ما أقدمتُ عليهِ، أليس كذلك يا حنان؟

"إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (23) يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (24) يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (25) الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ ۖ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ ۚ أُولَٰئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ ۖ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ".

المثالية السابحة في الطوباوية مرتبطة بعوالم أخرى ينتظر فيها العدل كالآخرة، لا من تلك الدنيا مسرح الاختبار والتمحيص، لكن هذا لا يمنع في الأخير تعدد الحالات والاختبارات المختبئة والمنتظرة لكل فرد منا على حدة

كما نرى فقد وردت هذه الآية الدالة على المعنى السابق المشار إليه في سورة النور، وقد جاءت في سياق ذم الله تعالى لأولئك الذين خاضوا في عرض السيدة عائشة رضي الله عنها، على أثر حادثة الإفك، وفي معنى قوله تعالى: "الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ ۖ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ ۚ أُولَٰئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ ۖ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيم" رجح كثير من المفسرين معنى بارزاً مستقى بسهولة من خلال السياق؛ حيث يقول الطبري: "وأولى هذه الأقوال في تأويل الآية قول من قال: عنى بالخبيثات: الخبيثات من القول، وذلك قبيحه وسيئه للخبيثين من الرجال والنساء، والخبيثون من الناس للخبيثات من القول، هم بها أولى؛ لأنهم أهلها.

والطيبات من القول، وذلك حسنه وجميله للطيبين من الناس، والطيبون من الناس للطيبات من القول؛ لأنهم أهلها وأحقّ بها. وإنما قلنا هذا القول أولى بتأويل الآية؛ لأن الآيات قبل ذلك إنما جاءت بتوبيخ الله للقائلين في عائشة الإفك، والرامين المحصنات الغافلات المؤمنات، وإخبارهم ما خصهم به على إفكهم، فكان ختم الخبر عن أولى الفريقين بالإفك من الرامي والمرمي به، أشبه من الخبر عن غيرهم"، إن تصحيح المفاهيم ضرورة ملحة لا بد أن نسعى جميعاً إليها، فغشاوة ما تتدلى على ناظريك هي بمثابة العمى الذي يقودك حتماً صوب ما لا تحبه من صدمة أو مصير هذا بالنظر إلى فرديتك، أما بالنظر الجمعي فخطأ ما بسيط في مفهوم يمكنه أن يقود مجتمعاً بكامله إلى ما لا تحمد عقباه من تهلكة وانحسار.

إن تثبت أركان الأفكار المنافية للمنطق والواقع بنصوص دينية غير صائبة الفهم من قبلنا هو أمر متفشٍّ جداً نراه حولنا في كثير من الأمور، أمر في الأخير مقصود به صبغ الآراء بقدسية زائفة تهمش كل ما يقابلها وتطعن في مشروعيته، بحيث إذا تطوع أحدهم لانتقاد ذلك الرأي فإنه بشكل مباشر ينتقد الدين ونصوصه، وبالتالي المقابل لهذا هو اتهامه في صلب عقيدته وإيمانه، وهذا نوع من ترهيب قديم اعتاده كثير من القاصرين عن الفهم القاصرين عن الاقناع؛ إذ نقد الخطاب الإسلامي ليس نقداً للإسلام، فالخطابُ هو الفهم البشري، لا الدين المنزّل من عند الله سبحانه!

الطيبون ليسوا للطيبات إلاّ ما ندر، فلربما كان اختبارك من قبل الله في زوج سيئ أو في زوجة سيئة هذا على افتراض أننا جيدون، اختباراً يريد الله به امتحانك ومعرفة مدى صبرك ومدى قدرتك على تغيير من أمامك إلى الأفضل، وربما كان تقدمة لطريق آخر أو رفقة تالية يريد منك ربك أن تقدرها حق قدرها، كثيرة هي الحكم الخافية، لكن الثابت في كل هذا هو تفنيد المفهوم المثالي الذي يدعي أن كل طيب في الزواج سيقابل بطيب.

إن تلك المثالية السابحة في الطوباوية مرتبطة بعوالم أخرى ينتظر فيها العدل كالآخرة، لا من تلك الدنيا مسرح الاختبار والتمحيص، لكن هذا لا يمنع في الأخير تعدد الحالات والاختبارات المختبئة والمنتظرة لكل فرد منا على حدة، تعدد قد يمنح أحدهم زوجة صالحة تعينه على مواجهة اختبار أقوى في الصحة أو المال أو الولد، وقد يحرم الآخر من زوجة طيبة ليكون هذا في حد ذاته اختباره الأصعب.



حول هذه القصة

قالت المنظمة العربية لحقوق الإنسان ببريطانيا إن منع السعودية الحجاج القطريين من أداء فريضة الحج هذا العام ستكون له تداعيات خطيرة، وسيفتح نقاشا موسعا حول أهلية المملكة لرعاية الأماكن المقدسة.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة