الخطاب السياسي في المغرب وفشل النخبة

عقب السخط الكبير الذي أعقب الإعلان عن الحكومة الجديدة أبريل الماضي، وفي ظل الحراك الشعبي الذي يعرفه الريف في الوقت الحالي، يتجدد الحديث عن الخطاب السياسي في المغرب، وعما إن كان خطابا نخبويا مؤسسيا أم خطابا شعبويا أم إنه لا هذا ولا ذاك.

الثابت أن الحزب السياسي في المغرب فقد مصداقيته وقيمته ولا شيء يبرر وجوده في الساحة السياسية، ولا أدل على ذلك من الدنو الذي تعرفه نسب المشاركة في الانتخابات، إذن فخطاب النخبة السياسية المغربية لم يعد مستساغا ولا جذابا ليس لأن النخبة السياسية تستعمل خطابا عقلانيا لا يتناسب مع المستوى المعرفي العام داخل المجتمع، ولكن لأن التواصل مع الأحزاب السياسية في تجارب سابقة أثبت زيفه وسطحية محتواه.

عجزت النخبة السياسية في المغرب عن نيل ثقة الشعب الذي يزداد نفوره من السياسة يوما بعد آخر، فالخطاب النخبوي لم يُجدِ نفعا وأكد أنه ليس فعالا، بل إنه يكاد يوصف بالحربائي.. والظاهر كذلك أن من الأحزاب السياسية في المغرب من لا يتواصل أصلا حتى نميز خطابه، ومنهم من لا برنامج له، ومنهم من لا إيديولوجية له.. هذا وقد أفرزت الإنتخابات الأخيرة -التي عرفت عزوفا صار معهودا- حكومة هجينة من ستة أحزاب غير متوافقة، بدت وكأنها سَلَطة على الطريقة المكسيكية حيث يختلط الأرز بالسمك واللبن والبصل.

في السياق المغربي المتسم بتهالك قوى المنظومات الحزبية المسؤولة، صارت الخشية من ظهور نمط تفكير شعبوي عند الجيل الصاعد.

من الطبيعي أن يخرج الناس عن صمتهم وتلعلع أصواتهم للمطالبة بحقوق أساس حين لا يجدون مؤسسات تخدمهم، لكن الخطر هنا يكمن في أننا نعرض أنفسنا -في ظل غياب مؤسسات حزبية مستقلة وصادقة قادرة على الاستجابة لانتصارات المواطنين- لولادة نزعة خطابية جديدة سطحية يطغى عليها الجانب العاطفي وتغيب عنها العقلانية والواقعية وتلك ضريبة الإضرار بالمؤسسات الحزبية. ويوضح سعيد الصديقي أستاذ العلاقات الدولية بجامعة فاس وفي دولة الإمارات، أن الخطاب الذي قد يفرض نفسه موازاة مع عدم فعالية خطاب النخبة ليس خطابا شعبويا كما قد يسميه البعض، نظرا لارتباط الأخير بسياق غربي مختلف عن ظروف الممارسة السياسية في المغرب.

وإذا كان الحديث عن خطر تصاعد التيار الشعبوي مثار نقاش في الغرب، فإن الأمر عائد أساسا إلى الخوف من الإخلال بالمكتسبات الديمقراطية هناك، ويرى الأستاذ الصديقي في هذا الصدد أن بروز الخطاب الشعبوي في الغرب هو مرحلي تفرضه سياقات وظروف محددة، ثم إن المؤسسات السياسية في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا هي الضامن لاستمرارية المناخ الديمقراطي، وهي أول من يقف حصنا منيعا ضد أي انحراف محتمل عن المسار الديمقراطي. أما في المغرب، فالأمر مختلف تماما، حيث مازال الطموح إلى وضع أولى لبنات البناء الديمقراطي.

بدوره يرى الأستاذ محمد جبرون، أستاذ وباحث في المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين بمدينة طنجة، أن فشل النخبة لابد أن يترك فراغا هو بمثابة مجال تتكاثر فيه مظاهر الشعبوية وهو ما يراه كارثة سياسية وثفافية.

وتقوم الشعبوية على ركائز أساس من قبيل معاداة النظام السياسي ورفض التعددية ناهيك عن فسيفسائية الخطاب وعاطفيته، ولأنها ليست سوى نتاج طبعي لخفوت صدى الخطاب النخبوي، فإن الشعبوية لا ترقى إلى درجة تقديم حلول مهيكلة ومدروسة، بل تبني مصداقيتها على نقد برامج النخبة الفاشلة.

إذا كان الخطاب الشعبوي في الغرب خيارا استراتيجيا يُلْجأ إليه كتكتيك لاستمالة الأصوات، كما حدث في بلاد العم سام مع الرئيس ترمب، فإنها في المثال المغربي قد تكون ذات مفعول عكسي تماما.

في السياق المغربي المتسم بتهالك قوى المنظومات الحزبية المسؤولة، صارت الخشية من ظهور نمط تفكير شعبوي عند الجيل الصاعد، خاصة أن المنظومة التعليمية التي من شأنها أن تلقن المتعلم أسس الحس النقدي الهادف ونظم التحليل المنطقي، تمر بمرحلة حالكة، كما أن قابلية إنتاج المعلومة ونشرها بأساليب تقود قارئها إلى النقد الأعمى دون الاطلاع على مصدرها وفهم حيثياتها في وقت قياسي في زمن مواقع التواصل الاجتماعي صارت تشكل خطرا على الوعي الجمعي.

إن ما يحدث في المغرب من تساقط للأحزاب السياسية كأوراق الخريف، يضعه بين مطرقة التعويل على التكنوقراط ورمي الحزب السياسي في مزبلة التاريخ، وسندان السماح بتكاثر مظاهر الفكر الشعبوي الذي قد يأتي برياح لا تشتهيها سفن من في مصلحتهم فشل المؤسسات الحزبية.. وفي كلتا الحالتين لا تبدو الطريق مفروشة بالورود نحو الصرح الديمقراطي المنشود، القائم على قيم الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، وهو ما يفرض ضرورة إعادة النظر في البيئة الحزبية المغربية خاصة فيما يتعلق باستقلالية قراراتها ومصداقية أفرادها.

إذا كان الخطاب الشعبوي في الغرب خيارا استراتيجيا يُلْجأ إليه كتكتيك لاستمالة الأصوات في المواعيد الانتخابية، كما حدث في بلاد العم سام مع الرئيس ترمب، وإذا كانت الشعبوية هناك قادرة على أن تتبلور على شكل تيار سياسي قائم بذاته دون المساس بالبنيان الديمقراطي المرصوص، فإنها في المثال المغربي قد تكون ذات مفعول عكسي تماما، فالصرح الديمقراطي الذي كنا نحسب أنا نبنيه بات آيلا للسقوط، ولا بشارات تلوح في الافق تنبأ بإقلاع سياسي جديد، والمشهد أمامكم: الملك المغربي ينتقد بلذاعة الأحزاب وفي اليوم الموالي يطل علينا ممثلوها وهم يجترون كلاما باليا يقولون:" لقد كان خطابا حكيما..".

 أمام هذا الوضع، لا شك أن التعويل على من يفترض أنهم نخبة سياسية لم يعد خيارا مقبولا البتة، مقابل ذلك، لا ريب أن التشبع بالفكر الشعبوي ليس حلا محسوب العواقب، لربما وجب التفكير منذ الآن في صناعة نخب سياسية وفكرية جديدة جريئة، قد تتواصل مع الجمهور بمنهاج شعبوي، لكنها تخطط وتفكر بمنهاج دقيق، وفوق ذلك تصارح محيطها بالحقيقة، دون أن تخشى في ذلك لومة لائم وإلا فإنها تنسحب في صمت، وذاك أضعف الإيمان.



حول هذه القصة

أثار قرار فتح الباب أمام المغربيات لممارسة مهنة العدول (الموثقين لمختلف أنواع العقود كالبيع والزواج والطلاق وغيرها) جدلا قانونيا وفقهيا بين الممارسين للمهنة التي ظلت حكرا على الرجال.

قال ملك المغرب أمس إن توجه بلاده نحو أفريقيا “منعطف دبلوماسي هام بالسياسة الخارجية المغربية، وثمرة تفكير عميق وبعيد المدى”، وأضاف أن العودة للمؤسسات الأفريقية لن تغير من مواقف الرباط.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة