الجوع وحده لا يكفي!

لكي تكره النظام السياسي الحاكم في الوطن العربي لا تحتاج إلى وعي سياسي. يكفيك أن تتمتع بالحد الضروري من الحس الجمالي، والحد الضروري من الشعور بالحرية والكرامة. إذا لم تتعرف على هذه المعاني بصورة واضحة فأنت عضو في الحزب الوطني الحاكم أو مرشح لعضويته! تلك هي الحقيقة من إحدى زواياها، فالصراع داخل المجتمعات العربية يمكن أن يقرأ من مدخل جمالي ومن مدخل أخلاقي أيضاً، إلى جوار المدخل البرجماتي.

كان بعض شباب فبراير اليمنيون يتساءلون بألم: لماذا يقف أكثر البسطاء في اليمن مع نظام علي صالح، مع أنه هو الذي جوعهم وجهلهم وأنزلهم منزلة البهائم مقارنة بالمجتمعات المتقدمة؟ لماذا يقفون حجر عثرة أمام الثورة التي جاءت من أجلهم، ما داموا لن يخسروا شيئا أكثر من الذي خسروه بوجود صالح؟ هل هو الجهل والعمى، أم هي غيبة الوعي السياسي، أم ماذا؟ وكنت أجيب أصدقائي: لا هذا ولا ذاك، إنه غياب الشعور بالكرامة في المقام الأول، وغياب الضمير الحي في المقام الثاني، وغياب الشعور بالجمال في المقام الثالث.

أن تكون فقيراً فهذا يشعرك بالحاجة، لكن ليس للكرامة أو الحرية، بل للطعام وما شابه. ولهذا فإن ما يجمع ثوار فبراير، على اختلافهم، هو الشعور بجرح الكرامة الذي خلفه غياب دولة العدل والتنمية والحرية
 

حين يشعر المرء بكرامته يصعب عليه القبول بحياة كالتي أرادها علي صالح لليمنيين. مهما كان مستوى تعليمه أو وعيه السياسي. فالثورة ليست ثمرة الشعور بالجوع، بل ثمرة الشعور بالكرامة. ويستدل بعض الدارسين للثورات على هذه الحقيقية بالقول إن الثورة الفرنسية لم تأت نتيجة لشعور الفرنسيين بالجوع، فقد كانت فرنسا في وقتها أفضل حالا من الدول المجاورة في الناحية الاقتصادية. لكنها كانت نتيجة لتعاظم الشعور بالكرامة عند الفرنسيين. وهو الشعور الذي أثمرته كتابات الفلاسفة والأدباء الفرنسيين طوال القرن الماضي للثورة. إنها الحساسية الثورية التي خلفتها أفكار فولتير ومنتسكيو وديدرو وجان جاك روسوا وغيرهم.

أن تكون فقيراً فهذا قد يدفعك للشعور بالحاجة، لكنها ليست الحاجة إلى الكرامة أو الحرية، بل الحاجة إلى الطعام وما شابه. ولهذا فإن ما يجمع ثوار فبراير، على اختلاف مشاربهم الفكرية، وتوجهاتهم السياسية، هو الشعور بجرح الكرامة الذي خلفه غياب دولة العدل والتنمية والحرية. بل غياب الدولة بمفهومها الاحترافي المعروف، حتى لو كانت مستبدة. ولعلك تتساءل الآن: كيف تخلق هذا الشعور لدى ثوار فبراير مع أنهم نشأوا وعاشوا في ظل حكم علي عبد الله صالح؟! والجواب كامن في حقيقتين إحداهما مفهومة هي ثورة التواصل الاجتماعي التي فرضت نفسها على كل المجتمعات. والأخرى تحتاج إلى تأمل هي أن القرص الصلب في ثورة فبراير قد شكله ذلك الجيل الذي نشأ في عقدي السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي على وجه الخصوص. 

كان عقد السبعينات هو عقد انتصار الجمهورية اليمنية، وبزوغ الحلم اليمني الحديث. وكان عقد الثمانينيات هو العقد الذي انتهى عنده مد القيم الجمهورية والأحلام الجمهورية. قبل أن يدخل اليمنيون في معمعة الصراع السياسي على إسلامية الدولة، ومشروعي الانفصال والتوريث في عقدي التسعينيات وما بعده. فالجيل الذي ولد في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي هو الجيل الذي تشبع بمعاني الحرية وقيم الجمهورية، وبالقيم الجمالية التي تكثفت فيهما. أي أن حساسية معظم ثوار فبراير قد تشكلت خارج فترة حكم علي صالح أو خارج الفترة التي سادت فيها ثقافته.

لست أدري كم من المعارضة السياسية العربية كان مدركا لهذه المعاني، فضلا عن تصورها في خطة التغيير والبناء. لكن ماذا نتوقع من أحزاب سياسية وجماعات لم تكن تمتلك حتى مراكز درسات محترفة؟! ولهذا نقول إن لـ"وكستنا" المعاصرة نحن العرب وجهان أحدهما المعارضة السياسية الفاشلة.



حول هذه القصة

أعربت دولة قطر عن إدانتها واستنكارها الشديدين لاقتحام أعضاء في الكنيست الإسرائيلي ومستوطنين باحات المسجد الأقصى المبارك، وطالبت المجتمع الدولي بتحمل مسؤولياته ووقف هذه الممارسات فورا.

أكد المندوب البريطاني لدى الأمم المتحدة ماثيو رايكروفت أن أعضاء مجلس الأمن الدولي وافقوا على طلب بلاده عقد جلسة طارئة اليوم الأربعاء لبحث الأوضاع في ميانمار.

رحبت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) بزيارة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى غزة، وطالبته بالعمل على رفع الحصار المفروض على القطاع.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة