عمارة برج القاهرة وأسطورة الزعيم القاهر
القراءة التاريخية لرمزية البرج تشير إلى دلالات متعددة منها التعبير عن فخر مصر وقيمتها العربية، ونهضتها القومية التي سوقت بكل قوة في حقبة الستينيات. التشكيل المعماري للبرج الذي يقع على جزيرة الزمالك، مستلهم من شكل زهرة اللوتس، التي كانت رمزاً لمصر الفرعونية. تشييد برج القاهرة تم بواسطة تمويل قيمته مليون دولار قدمتها الولايات المتحدة كهدية شخصية إلى الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر كما تم تعميم هذه الرواية في الإقليم العربي.
وتبعا لتفسير الجهات المسئولة في مصر وخاصة المخابرات العامة، فإن نية الحكومة الأمريكية كان إقناع عبد الناصر بوقف الدعم للجزائريين المناضلين ضد الاحتلال الفرنسي. وتستمر دراما القصة لتوضح أن عبد الناصر قرر أن يحرج واشنطن لما أقدمت عليه من فعل دفع رشوة له، وأمر باستخدام هذا المال في بناء برج القاهرة ليكون، تبعا لتفسيره، أبلغ رد على محاولة الإدارة الأمريكية إهانة الرئيس ورشوته وإغرائه لإيقاف دعمه لحركات التحرر في العالم العربي. وهذا التفسير سيتم التعمق فيه في هذا المقال لاختبار فكرة استغلال العمارة في تقديم أطروحات أسطورية عاطفية عن قيادات سياسية وزعماء غالبا ما ينتمون إلى أنظمة شمولية استبدادية.

على مدار التاريخ ومن حقبة الحضارة الفرعونية، ونحن نواجه أمثلة متعددة على الأدوار التي لعبتها العمارة للدعم السياسي للزعماء، وإضفاء هالات بطولية وأجواء من القداسة على أفعالهم. إن بناء الهرم الأكبر في حد ذاته تجسيدا لفكرة الزعيم الإله. واستمرت هذه التقاليد البنائية بصورا متفاوتة وصلت أقصاها في الأنظمة الشمولية الديكتاتورية مثل حالة موسوليني وهتلر. هنا تأتي أهمية تقديم فصل جديد في تفسير حكاية بناء البرج التي يبدو أنها تمثل امتداد لهذه الفكرة شديدة القدم.
يوثق لهذه الأبعاد الأسطورية لقصة بناء برج القاهرة كتاب بعنوان "برج القاهرة"، أول مهمة لجهاز المخابرات العامة المصرية للمؤلف اللواء عادل شاهين. يحتوي الكتاب على سردا دراميا لما سمي قصة الدولارات التي أرادت المخابرات الأمريكية تقديمها كرشوة للرئيس الراحل جمال عبد الناصر، مقابل وقف دعمه لحركات التحرر الوطني في أفريقيا. القصة التي سوقت وقتها، كما أسلفنا، إن الرئيس الأمريكي ايزنهاور قدم هذه الأموال لرشوة وإغراء الرئيس المصري ماليا لتغيير أولوياته النضالية والوطنية.
المثير أن المؤلف يتحدث عن أن استغلال هذا المبلغ في بناء برج شديد الارتفاع على نيل القاهرة بمنطقة الجزيرة، كان الرد الأمثل الذي توصلت له القيادة المصرية مدعومة بالمخابرات العامة. وفسر القرار على أن هذا المبنى، وبصرف النظر عن أن أموال البناء كانت رشوة للرئيس المصري، سيكون شاهدا على عزة وكرامة الشعب المصري تبعا لتعبير المؤلف. في خاتمة الكتاب، يقدم المؤلف إجابته عن سر فخر المصريين ببرج القاهرة، متحدثا عن عدة حقائق تاريخية أهمها أن مصر وزعامتها في بداية الخمسينيات كانت تشكل إزعاجا كبيرا لقوى الاستعمار، والقوى الكبرى التي كانت لا تطيق أن تستمر مصر في نهج مقاومة الدول الاستعمارية. كما لا تطيق أن تستمر مصر في مساندة ودعم الشعوب والثوار الذين يجاهدون في سبيل نيل الحرية.
كما أن شخص جمال عبد الناصر في حد ذاته كان مثار قلق واضطراب للقوى التي تساند الكيان الصهيوني، ومن ثم فالتخلص منه كان أمرا مطلوبا مهما كلف هذا القوى. ومن ثم جاءت محاولات عدة للخلاص منه أو لوضعه في وضع يكون فيه محل ازدراء من شعبه وأمته بمحاولة إغرائه بالمال. ولكن ثبت أن معدن جمال عبد الناصر لم يكن هذا الشخص الذي يتنازل عن مبادئه وصدقه ووفائه لمصر ولأمته العربية.
إعادة استعمال الدولارات والبرج هو الحل

أتوقف هنا أمام تساؤل هام له علاقة بطبيعة المشروع الذي وقع عليه الاختيار ليكون رد عبد الناصر على محاولة رشوته. فقد قرر عبد الناصر الاستيلاء على أموال الرشوة المزعومة واستغلالها في عمل برج القاهرة. تصرف يثير التساؤل في المرجعية الأخلاقية التي تتيح نشر فكرة أن من المقبول رفض الرشوة كمبدأ ولكن مع الاحتفاظ بأموالها. ثم تتوالى التساؤلات ما هي معايير الاختيار لقنوات إنفاق حصيلة هذه الرشوة من الآلاف الدولارات؟ وما هي أولويات إنفاق الأموال في فترة كانت جموع الشعب المصري تعاني معاناة كاملة على كل الأصعدة؟ لماذا استخدمت الأموال الطائلة في بناء برج تذكاري ملحمي أسطوري بدون أي وظيفة حقيقية بينما كان هناك العديد من المشروعات التنموية الحقيقية التي كان يمكن توجيه هذه الأموال لها؟
الأكثر إثارة في قصة هذا المشروع، أن المخابرات العامة تولت المسئولية الكاملة لكل ما له علاقة بأعمال التصميم والتخطيط بما فيها اختيار المعماري الذي كلف بالتصميم، وحتى أعمال الإنشاء بل وتوفير المواد اللازمة للبناء بهدف إضفاء الطابع البطولي. فبالفعل تحولت عملية بناء البرج من مجرد مشروع لبناء برج تذكاري مرتفع إلى تصويرها كملحمة وطنية وتجسيد لعزة وكرامة الزعيم عبد الناصر برفضه أن يتنازل أخلاقيا؟
في الوقت الذي كانت مصر تحتاج فيه إلى كل جنيه للإنفاق على تحسين بنية أساسية متهالكة، ودعم القطاعات الخدمية والاستراتيجية مثل الصحة والتعليم والنقل. كان من المدهش أن يختار عبد الناصر توجيه هذا الرقم من السيولة النقدية، التي قدمت له كرشوة، إلى هذا المشروع التذكاري بدلا من التنمية والتطوير لبلد يعاني على كل الأصعدة. واستخدم نظام عبد الناصر الآلة الإعلامية والرسائل الوطنية العاطفية لخلق دعم غير مشروع لمشروع غير ضروري. كما تم تعتيم وعي المصريين بخلق حالة من الوطنية تحيط بالمشروع تمجد بطل القصة الزعيم ناصر الذي رفض الرشوة كمبدأ لكنه احتفظ بالمال وبني به البرج.
إن استخدام العمارة في تعظيم بل أحيانا في تأليه الرئيس وخلق المبررات البطولية الزائفة، لتبرير بناء هذه المشروعات هي ممارسة يجب أن يوقفها الوعي الجمعي للشعب. ويبدو أن مصر بعد ثورة 25 يناير تعود وبمعدلات متسارعة إلى فكرة الزعيم الوحيد وحسه الفريد وحكمه الرشيد. فهل لنا أن نتعلم من دروس العمارة والسياسة أم نظل دائما ضحايا الأسطورة والزعيم والمبنى. إن الكثير من المشروعات التي تتم بإرادة سياسية تحتاج دائما من المجتمع ككل، ومن الحركة النقدية المعمارية والعمرانية إلى اليقظة الشديدة والتحليل العميق حتى يقدم للشعب المصري فصولا أكثر صدقا لتفسير كيف تتغير ملامح النسيج العمراني والمشهد المعماري لواحدة من أهم مدن العالم، العاصمة المصرية القاهرة.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

