وطني.. الحب والحرب

قفلت عائدة من العمل متعبة تغلّف عيوني التعب كورق الدفلى المتساقط حول أعشاش العصافير عن أحواض الشجر، تحجب النور والحياة عنها بقوّة، فأزيح بتثاقل الهرم أغلفة التعب لأفتح العيون على حلم طال انتظاره، هو خيال بل سراب ألاحقه عبثا منذ زمن، أسابق الوقت وأحاول ماكرة أن أسترق شيئا من القادم ذخيرة للحاضر.. حلم يائس سئم التعب وأراد أن يرتاح ويسعد النظر.

أخذتني الحيرة في وضع تعريف يفي الوطن معنّى يعرّفه، ومصطلحا عامّا يغلّفه، فالوطن ليس أرضا وسماء، وليس مطرا موسميّا يتساقط في ذاك الشتاء، هو ليس حيّز من الفراغ وحسب، بل هو الفضاء والحيّز وما يملؤه، هو ذلك العشق وما يدفّئه، هو كلمات المتعبين والهاربين الى حضنه لاجئين، هو الأشعار والأقدار وما بينهما وكل كلمات الحب والحنين.

هو كف أمّي التي عوّدتني أن تربت على رأسي حتى تغلّف عيوني أحلام سعيدة، وأشياء جميلة قريبة منّي أو بعيدة، وعود وعقود ونذور قطعتها وأطلقتها مع كل الطيور الجادّة في الصباح، فحين تربت أميّ عليها ترتّبها في أسراب كي أذروها كالقمح في الحقول، كضوء الشمس التي اعتادت أن تغازل الزهور اذ تصحو من أحلامها بعد أن تغتسل بالقطر، تفوح من عبقها روائح لتقول "صباحكم نديّ… في وطن أبيّ"

كان لبطء الأحداث جمالها، ولبعد المسافات دورها وأبعادها، ولغموض القصص رونقها واشتدادها، لكن مع الوقت أصبحت حقائق الأشياء تخذلنا، وقصص البعض منّا لا تغيب عنّا وتؤلمنا
 

هو حضن أبي الدافئ اذ ينتشلني كلّما لاح طيف السقوط، وأخذتني الهموم في الحياة على القنوط، لا أستطيع التشكيك في قوّته وعظمته، فلا شيء يعدل ذلك الحضن العتيد، ولا ذلك الحرز السعيد، فكيف أبحث عن وطن وذلك الحضن موجود؟

أتوجه إلى غرفتي الصغيرة متعبة ومتثاقلة في الخطى، أحاول أن أحظى بقسط من الراحة، ومن وراء طاولتي الجرداء الممتدة مع بصري طولا، تداعب يدي أبخرة نديّة صاعدة من فنجان الشاي المرّ الجاثم أمامي، أرتشفه فأحسّ بطعم الحياة يعلق في فمي، فأسترق النّظر من نافذة تقربني ببضع خطوات عن نور الحياة، تلك التي ما زالت غير مطلّة على شيء، أتفحّص زجاجها الملطّخ بعواصف الرمال الملتصقة بها منذ زمن فتجعلني أعتاد شكلا ما لنفسي فيها رغم وجود إضافات من صور الماضي على صورتي القابعة أمامي، ما زلت غير قادرة على تغييرها.

أجلس أتصفّح هاتفي المحمول، أتوه بين عناوين الأخبار وقصص الحروب في وطننا العربي الجريح! فرغم شتّان الفرق بين الحب والحرب في ميزان، ثمّة شيئان يجمعانهما في كفّة ميزان حائر ضجران، إنّها الأيّام وإنّهم البشر.

لا أنكر دورا تقدّمه لنا تلك التكنولوجيا المترامية منتجاتها هنا وهناك، ولا أستطيع أن أقف وأمنع نفسي من اقتناء مفرزاتها ومنتجاتها بكافة أنواعها بل ودقيق تفاصيلها، لكن شيئا ما يعتمل في قلبي ويحيك، وشعورا ما يرتجف قلمي من بوحه ويضيق.

افتقدنا كلاسيكيّة الأحداث، ودراميّة القصص، فغابت القيم وشحّت قدسيّة الأشياء بل وتصحّرت.. ثم في قمّة الجهل والغرور نلقي اللوم بكل حياد على منتجات التكنولوجيا وهذا الزمن

فرغم ذلك التنوّع الأخّاذ، وتلك التسهيلات الخياليّة في التنقّل وإيصال المعلومات، عادت بي السنين طيّات من التذكر للوراء، عندما كان بوح الحب تحمله حمامة زاجلة، وليس إعلاما بالطلاق تحمله رسالة نصيّة عاجلة، كانت نعقة حرب ستحملها بومة سوداء من أرض لأرض تستغرق شهورا وأعواما، لكن سقوط الأنظمة تحمله لنا التكنولوجيا الآن في بضع دقائق أو أيّاما.

كان لبطء الأحداث جمالها، ولبعد المسافات دورها وأبعادها، ولغموض القصص رونقها واشتدادها،  لكن مع الوقت أصبحت حقائق الأشياء تخذلنا، وقصص البعض منّا لا تغيب عنّا وتؤلمنا.. فكان خبرا عظيما لجيوش منتصرة ستحمله الركائب شهورا، وكان وصفا مكتوبا للأحبّة تحمله الحمائم دهورا.

عندها كانت ترتّب لنا رتابة الأيّام وصعوباتها دراما جميلة، تفتقر لها الآن حياتنا ولا نكاد نشعر بوقع جماليّاتها، لا بضروريّاتها أو حتى كماليّاتها، فثمّة شيء ما حدث، وثمّة أشياء أخرى تحدث وستحدث.. هكذا هي الأيام.

افتقدنا كلاسيكيّة الأحداث، ودراميّة القصص، فغابت القيم وشحّت قدسيّة الأشياء بل وتصحّرت.. ثم في قمّة الجهل والغرور نلقي اللوم بكل حياد على منتجات التكنولوجيا وهذا الزمن بل وهذا الوقت، وما هي الّا وسائل خلقت لتسهيل الحياة لا لتعقيدها، فالهاتف مثلا يلاحقنا ويتقاسم معنا ساعات اليوم بأكملها.. رغم أنّه اختراع أخّاذ بالطبع ووجد لتسهيل الاتصال والانتقال، لكن نسب المعاكسات تزداد، وعقوق الآباء والأمّهات في اضطراد، بل ونسب المشاكل الاجتماعية وقطعان الأرحام في اشتداد.

فهل خلقت التكنولوجيا لنفعل ذلك بأنفسنا يا صديق؟ أظنّ أن وقع النصر كان أجمل، وبوح الحب كان أصدق وأعذب، لذلك أصبحت هكذا هي الحياة، لأنهم هكذا هم البشر.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

يهدف هذا الكتاب إلى تحديد العوامل الرئيسية التي تقف وراء ظاهرة العجز الديمقراطي في الوطن العربي، وهو يتبنى طريقة ثنائية تجمع بين التحليل الكمي والنوعي من ناحية، ودراسة عابرة للبلدان، تستند في ذلك إلى مفهوم موسع للحداثة.

أقامت التشكيلية الفلسطينية أحلام الشبلي معرضا للصور الفوتوغرافية بالعاصمة الأردنية عمّان يضم 45 صورة. ويقسم المعرض إلى مجموعتين هما "عرب الصبيح، الوادي". وهما تصوران مفهوم المنزل الوطن لدى جماعة قبلية واحدة تقيم بأراضي 1948 وفي مخيمات اللجوء بالمملكة.

يظن كثير أن "المواطنة" تعني "حب الوطن"، ولكن الحقيقة أنها لا تعني ذلك فقط، بل هي مفهوم غربي بدأ قبل الميلاد مع الحضارتين اليونانية والرومانية، وكان له معنى خاص في هاتين الحضارتين، وكان هناك تمييز بين مضمون المواطنة في كل منهما.

الأكثر قراءة